دخل الصربيّ ستيفان لابودوفيتش الجزائر والثورة في نفسها الأخير، لكنّ “السلاح” الذي أمدّ به هذه الثورة كان له مفعوله السحريّ في تأجيجها أكثر، إنّه سلاح “الصورة
من يكون هذا الرجل، وما حكاية سلاح الصورة الذي أمدّ به الثورة الجزائرية؟
مصوّر الرئيس
يطلق الجزائريون على هذا الرجل لقب “مصوّر الثورة”، لأنه رافق الثوار في معاركهم ضد فرنسا، وعاش مراحل من مقاومة الشعب الجزائري ضد الاستعمار.
وُلد لابودوفيتش في يوغسلافيا السابقة (صربيا حاليا) في ديسمبر 1926، عشق التصوير منذ صغره، فالتحق بمدارس لتعلّم التصوير كما حصل على شهادة في التصوير السينمائي
بدأ حياته المهنيّة مساعد مصور ثم مصورا محترفا، ما أهّله ليصبح المصوّر الرسمي للرئيس اليوغسلافي جوزيف بروس تيتو
كان الرئيس اليوغسلافي تيتو من أوائل الزعماء الذين اعترفوا بالثورة الجزائرية وشرعية كفاحها، وشجّع هذا الأمر مصوّره الخاص على معرفة ما يحدث في الجزائر، وسمح تيتو لمصوّره بالانتقال إلى الجزائر لنقل ما يحدث للعالم، فحمل لابودوفيتش آلة التصوير وطار إلى الجزائر، لتبدأ قصة جديدة في حياته
مصوّر الثورة
اختار لابودوفيتش أن يترك قصور الرئاسة في يوغسلافيا وفخامتها، وينتقل إلى جبال الجزائر وأحراشها، في مهمّة لشهرين، ينقل خلالها للعالم حقيقة ما يجري وكذب الدعاية الفرنسية، التي وصفت المقاومين بأنهم “قُطّاع طرق” و”خارجون عن القانون”، لقد اختار أن يلعب دور الدعاية المضادّة للمستعمر.
دخل لابودوفيتش إلى الجزائر سنة 1959 عبر تونس، وبدأت صوره وأفلام الفيديو التي يصورها تصل إلى العالم، لقد صوّر المقاومين في الجبال، حياتهم، معاركهم ضد المستعمر، ومع مرور الوقت تعلّق بقضية الجزائريين، فقرّر البقاء في الجبال، بعد أن استأذن قيادة بلاده
يقول لابودوفيتش في إحدى شهادته “كانوا هم يقاتلون بالسلاح وكنت أنا أقاتل بالكاميرا.. لقد كان يهمّهم أن يرى العالم حقيقة ما يجري، وأذكر أنه عندما يحدث قصف بالطائرات على مواقعنا، كان المقاومون يغطونني بأجسادهم.. إلى هذه الدرجة كنت غاليا عليهم، لأنهم كانوا يقدّرون العمل الذي كنت أقوم به”.
يكشف موقع السفارة الجزائرية في صربيا، بأن رصيد لابودوفيتش من العمل طيلة 3 سنوات مع الثورة الجزائرية بلغ “83 كيلومترا من شرائط التصوير (الفيديو)، كما صوّر 27 فيلما و274 صورة”.
الاستقلال.. والتكريم
ثلاث سنوات مكثها لابودوفيتش في جبال الجزائر إلى أن استقلت سنة 1962، وكما خلّد أحزان الشعب فقد خلّد أفراحه أثناء الاستقلال، وكانت حريّة الجزائر تعني نهاية مهمّة لابودوفيتش، لكنها لم تكن قطيعة نهائية.
عاد لابودوفيتش إلى بلاده ورئيسه تيتو، فرافقه في مهماته داخل البلاد وخارجها، وكان بين الحين والآخر يزور الجزائر، حيث يحظى بالاحترام والتقدير من السلطات الرسمية
لوبودوفيتش على غلاف مجلة جزائرية
في سنة 2012 كرّم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لابودوفيتش بـ”أعلى وسام استحقاق وطني”، بمناسبة الذكرى الـ50 للثورة، وهو وسام يمنح للشخصيات التي قدّمت أعمالا معتبرة للجزائر، وفي 2014 عاد إلى الجزائر ليكرّم في الطبعة الخامسة للمهرجان الدولي للسينما، وبكى لابودوفيتش، الذي بلغ حينها 88 سنة، على رفاقه الذين فقدهم خلال ثورة التحرير، وقال لحظة تكريمه “الثورة الجزائرية من أعظم الثورات في العالم والشعب الجزائري ناضل طويلا وضحى من أجل استقلال الوطن.. تحيا الجزائر” ا
في سنة 2016 رحل لابودوفيتش عن 90 عاما، تاركا وراءه قصة حب حقيقة مع الجزائر بدأت بصورة
