د/ زديك الطاهر أستاذ بجامعة الأغواط
إن وجود الدولة دوليا يتوقف على وجودها داخليا في مجموعة من الصفات؛ والمتمثلة في الديمقراطية، و حقوق الانسان ، والاستقرار، مع تحقيق الأمن والسلم، و عدم التدخل، وبالتالي فإن العلاقة هي تكاملية بين الدول فيما بينهم من جهة وبينها و بين شعبها من جهة أخرى، ومنه يصبح تحقيق الديمقراطية وحقوق الانسان مسألة ذات شأن عظيم ؛ لأن الحاجة هي التي فرضت هذا المنطق بسبب تشابك المصالح الاقتصادية الدولية، و هذا هو نعيم الواقع، أما وهم الجحيم هو توظيف نظريات التطور في تهديد الأمن والسلم الدوليين بناء على فرض الشكل الديمقراطي للحكومات و عليه أصبحت تقاس شرعية الدول بما تلتزم به ، لهذا نجد أن الوضع القانوني أرسى مبدأ التدخل الذي يختلف من حين لآخر من حيث تطبيق هذه القواعد وفقا للقوى المهيمنة في العالم.
من هذا المنطلق نجد عدة مبادئ يقوم عليها نظام الأمن، منها على سبيل المثال الديمقراطية و حقوق الانسان لارتباطه الوثيق بالحياة الإنسانية، سواء في أمنها وطنيا أو دوليا، وهو منع نشوب انتهاكات و هي الغاية المرجوة حتى يكون هناك استقرار فردي و جماعي وفق تأمين سيادة الدولة وشعبها باحترام الديمقراطية المرتبطة بحقوق الإنسان، و لا يكون هذا إلا بالتعاون المتبادل و احترام كل طرف للآخر في وضعه لنظمه الأمنية، حتى يستبعد التدخل من أجل نشر مبادئ الديمقراطية و حقوق الانسان.
إن التطورات الفكرية أدت إلى توسيع مناطق النفوذ بفرض الهيمنة العسكرية أو الاقتصادية، وبالتالي أمسى الغرب يتلاعب بمقدرات شعوب دول العالم الثالث، مما أنتج لنا عصر القوة و القانون بمفهومها الواسع الذي يعتبر لغة الأقوياء على حساب الضعفاء.
إن الصراع يأخذ منحنى آخر في مجال الأمن بتوظيف قضايا عديدة بإسم حقوق الانسان ومنها على سبيل المثال ما قامت به منظمة العفو الدولية في خرجة من خرجاتها حسب الوثيقة الصادرة بتاريخ 24 فبراير 2021،و التي عنوانها ” قمع حرية الرأي “، و حرية التعبير الفارغ في محتواه لا يستند الى أدلة قوية هدفه المساعدة في خلق البلبلة بين الحكومة و الشعب.
إن الإطاحة بالأنظمة السياسية الديمقراطية في العالم الثالث المنتخبة شرعا باسم القانون، و التي تهدف وتكافح في تجسيد قواعد الديمقراطية و حقوق الإنسان الحقيقية و المستوحاة من تاريخها العريق ، أصبحت اليوم تهدد الفلسفة السياسية الغربية التي تدعي المثل العلى والتي في نفس الوقت تختفي وراء التدخل من أجل نشر الفوضى لا الديمقراطية لاعتبارات قائمة على المصلحة الاقتصادية للدول العظمى من قبل تنظيمات اقليمية وعالمية حقوقية.
إن احترام مبادئ الديمقراطية و الحقوق الأساسية للإنسان هي مصدر إلهام مستمد من الشرائع الدينية المقدسة و على رأسها الاسلام وليست النصوص الوضعية التي يكون تفسيرها و اعتمادها و تطبيق على طرف دون الآخر، مما تجسدت فكرة ديمقراطية التدخل القائمة على وهم استعمال الضغط و الاستفزاز لتحقيق أطماع اقتصادية في هذا الوقت العصيب الذي ترى فيه وقتا مناسبا لإحداث الفوضى في بلدنا الديمقراطي.
لهذا نجد صانعي الوهم لهم رؤية تتمثل في الخيال الواسع؛ لأنهم يجهلون الحقيقة مما يعيشون فيه، و لفترة طويلة في نعيم الوهم المجسد في إحداث فوضى بشتى الطرق، حتى تستعمل كورقة ضغط للتدخل في شؤون الغير باسم حقوق الإنسان أو حماية الأقليات أو حتى حماية الأقلية الدينية. هذه الآفة العلمانية في حقيقة الأمر لها عوامل عدة منها الفراغ الروحي المدمر للحضارة، و عليه يعتبر وهم الغرب فراغا غامضا يختفي وراء الخيال مما جعلهم عاجزين على منح قوة لأنفسهم لتجابه واقع الجحيم – الثورة – في الداخل.
إن الناظر للمرحلة التاريخية يرى مثلا أن فرنسا استيقظت على جحيم الواقع في بلدها مما جعلها غير سديدة في اتخاذ موقف ايجابي تُجاه شعبها و تجاه الطرف الآخر، وأن بكائها على مصالحها الاقتصادية في الجزائر لم تبكه على شعبها المغلوب على أمره تحت وطأة القتل والضرب والحبس، مما جعلت العالم يشهد و بأم عينه انتهاكات للديمقراطية و حقوق الإنسان في بلد يدعها . و بالتالي استبدال جحيم الواقع بنعيم الوهم أصبح أمرا ظاهرا جليا لهروبها من مرارة الوضع الفعلي الذي يلاحقها من قبل ثورة السترات الصفراء.
و أن خطورة المقدرات الوهمية جعلت البلد الشقيق – المغرب- يحاول أن يوهم الاتحاد الأوروبي بأن يتمسك بإيجاد مخرج في قضية الصحراء الغربية، ونسيت انتهاكاتها للحقوق الانسان في شعبها بالداخل، وهذا هو العجز بعينه كونه من الأحسن إيجاد مخرج أو وضع خارطة طريقة نحو تحقيق تقرير مصير للشعب الصحراوي من خلال تصفية الاستعمار فيه يكون أفضل.
إن هذا المشهد صورة معبرة بدأت بالتغير من ورقة الانتخابات بتحسين الوضع الجزائري بمنح القوة لنا اتجاه الغير، لهذا اعتقد أن في نهاية النفق سيولد لدينا نعيم الواقع الذي يعطي لنا الحق بأن نعود إلى التاريخ إما بأن نلغي بعض الاتفاقيات في شقها السياسي البعيد كل البعد عن الموضوع الاقتصادي ، أو تطبيق الاتفاقات بحذافيرها بتفعيل مبدأ المعاملة بالمثل، و نوظف دورنا عن طريق هيئة الأمم المتحدة بتقديم طلب لوقف انتهاكات الديمقراطية وحقوق الانسان في بعض الدول التي تدعي بأنها عريقة ضد المدنيين العزّل من قبل أجهزتها القمعية وفق قاعدة: الذي يستطيع أن يعيش في نعيم الوهم هو عاجز عن فك لغز جحيم الواقع.
elwassat.dz