إلى زمن قريب، لم يكن للغاز ذِكرٌ ضمن الثروات الباطنية، وألوان الذهب المنتشرة في البورصات والأسواق العالمية ومحركات الاقتصاد في العالم، وبقي ثمنُه آخر ما يتم التطرقُ إليه، حتى قيل إنه المادة الأرخص وغير القابلة للجدل والنقاش، فلا يضرّ ثمنها الشاري مهما ارتفع، ولا ينفع البائع، خاصة أن الدول التي كانت تمتلكها، إما مصنّفة ضمن دول العالم الثالث مثل الجزائر وقطر، أو مصنفة ضمن المغضوب عليها مثل روسيا وإيران، ولكن السنوات الأخيرة قلبت الأوضاع، وأعادت لهذه المادة هيبتها، بل وجعلتها تنافس البترول في الأهمية وهو الذي تسيّد المشهد الاقتصادي قرابة قرن من الزمن، فأنشِئت له منظماتٌ عالمية يحبس لقاء أعضائها الأنفاس، وصار ثمنُه هو نبض الاقتصاد بالنسبة إلى الزبون والمنتِج، على حد سواء.
انتقال رئيس الجمهورية برفقة وفدٍ رفيع المستوى إلى قطر، وحضور الجزائر المؤتمر الغازي العالمي، خطوة محسوبة لصالح النظام الجزائري، الذي أدرك أن المشاركة كفاعل في التغيّرات الاقتصادية الكبرى التي عرفها وسيعرفها العالم، أحسن من البقاء في موقف المتفرِّج كما كانت الحال في سنوات ماضية، والقيام بتكتلات غير معلنة مع دول غازية كبيرة، مثل قطر وغيرها، هو الإعلان عن الذات في معارك اقتصادية قادمة، قد تندلع بين الحين والآخر، كما حدث مع ثروة البترول التي سيطرت عليها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، حتى صاروا يشترونه كما يريدون، وأحيانا بالمجان، كما حدث في الأشهر الأولى من حقبة جائحة كورونا.
قوّة الجزائر تكمن في كِبر مساحتها، وشساعة صحرائها، وبقليل من الجهد وخاصة بالشراكة مع القوى الاقتصادية الجديدة، ستكتشف مزيدا من الثروات وخاصة الغاز الطبيعي بكل أنواعه، الذي تؤكد كل الدراسات والاستشرافات أن الجزائر قد تكون عاصمته الأولى في العالم، بشرط أن تتغير ذهنية التعامل مع الثروات، من عقلية البائع الذي يفتح دكانه وينتظر الزبون، إلى المنتِج الذي يختار بنفسه زبائنه بحسب حاجياته ومصالحه من موقع قوة
مهما كانت الهزات الاقتصادية التي تعصف بالاقتصاد العالمي، على أمل ألا تذهب كل الأموال التي تجنيها الجزائر من هذه الثروات في الكماليات وفي الأعمال العنترية الاجتماعية، التي كانت تقدِّم دائما السمكة الطازجة للفرد الجزائري ليلتهمها، ولم تقتنِ له زورقا ولا شبكة ولم تعلمه أبدا صيد السمكة.
لا يوجد شكرٌ لنعم الله أحسن من العمل والاجتهاد لأجل بناء الإنسان والدولة المرجوّة، وما تعيشه البلاد حاليا هو نعمة ربانية قارب فيها سعر النفط المئة دولار، وارتفع إنتاج الجزائر من الذهب الأسود، كما تضاعف سعر الغاز، وساعدت بعض الأزمات في أن ترفع من قيمة البضاعة الجزائرية الباطنية في الأسواق الأوروبية، ولأننا نعلم جميعا بأن استقرار هذه الأسواق غير ممكن، وبأن هذه الثروة مهما طال زمنها فهي إلى زوال، فإن الالتفات إلى الثروات الدائمة، وفي مقدمتها الفلاحة والسياحة، أمرٌ ضروري، خاصة أن بعثها وتطويرها ممكن ومتاح الآن بأموال البترول والغاز
عبد الناصر بن عيسى
www.echoroukonline.com