135
في سهرة رمضانية عام 2016 دٌعي رياض محرز أفضل لاعب أفريقي في ذلك العام وإسلام سليماني هدّاف سبورتينغ لشبونة لتكريمهما في مدينة وهران.
كانت المراسيم مقرّرة بملعب “مارفال” الجواري، واضطر اللاعبان برفقة عنتر يحيى وكريم زياني لمشاهدة نهائي كأس دورة “راديوز” الذي جمع بين حيي “ڨمبيطة” و “بلاطو”.
ومن حظهما أن المباراة لم تكن مملة، فقد استمتع الحّضور بمواجهة مثيرة، لفت فيها أحد اللاعبين الأنظار، لم يكن نجم المباراة الرمضانية ومن أهدى الكأس للحي الذي ارتبط اسمه أكثر بالمغني المغدور الشاب حسني (ڨمبيطة) سوى يوسف بلايلي، أغلى لاعب في البطولة الجّزائرية في صيف 2015 والموقوف منذ شهور حينها بسبب استهلاك مواد محظورة.
لقد شاهده زميلاه في المنتخب الوطني بكل أسف وهو الذي لعب إلى جانبهما قبل وقت قصير بعد أن استدعاه الفرنسي “كريستيان غوركوف” لمباراتي قطر وسلطنة عمان، يا لها من مأساة! انتهى المطاف بأمل الكرة الجزائرية الذي شُبّه بلخضر بلومي إلى المشاركة في الدّورات الرمضانية التي تجمع لاعبي الأحياء!
وقتها لم يكن قد مضى عن عقوبته سوى 9 أشهر، ومع ذلك كان مؤمنًا بأنه سيعود إلى الملاعب يوماً ما، حتى أنه انخرط أيضا في فريق “رياضة وعمل” الذي شكّله والده حفيظ دون أن يجد حرجًا في ذلك، فقد كان يعلم أنه بحاجة أن لا يكتفي بتدريبات بدنية شاقة في الغابة والشاطئ كما كان يفعل ثلاث ساعات كل يوم، إنما هو أحوج إلى خوض مباريات، وإن اقتضى الأمر أن يكون في ناد واحد مع موظفين بدوام كامل يقضون نهايات الأسبوع في لعب مباريات للتنفيس وكسر الملل.
في تلك الأيام عاش مرارة الوحدة وانطفاء الأضواء ونهاية المجد، لقد دفع بكل ما يملك لافتتاح سوق صغيرة في وهران، لم يعد يملك شيئًا، سوى سيارته وألبسته، فاضطر والده أن يبيع محلا يملكه كي يدفع مستحقات المحامي الذي رافع كي تتقلص عقوبته، يومها ذهب المال أيضا وكان يحاول النهوض من جديد بمشروعه ذاك.
بعد ثلاثة أعوام بالضبط، كان ضمن منتخب وطني انتزع فيه مكانته الأساسية من مخلبي ياسين براهيمي، وإلى جوار القائد رياض محرز بينما سليماني في الاحتياط، رفع بلايلي كأس أفريقيا محققا لقبه السابع في عام 2019 .
يا لها من قوة ذهنية يملكها!! يقول لي والده حفيظ، لم يكن هناك من أمر يجوب عقله سوى العودة، كان ينتظر ذلك ولو استغرق منه الانتظار عشرة أعوام، كان عقله وجسده يشتغلان معًا، كآلة مجردة من الإحساس.
لم يحصل هذا، إلا لأن يوسف أنقذ نفسه بإرادته ورغبته، لقد مد يده ليده وأخرج نفسه من الوحل، لم يكن بوسعه أن يعود للوراء لكي يُغير من البدايات، ولكنه كان قادرا أن يبدأ من جديد لكي يصنع نهايات جديدة.
لقد امتلك الحافز في لحظات التلاشي، وامتلك الرغبة في أكثر اللحظات يأسًا وإحباطًا، لقد جعل من ضعفه قوة، ومن محنته منحة علمته دروسًا كثيرة.
لم يعد إلى ملاعب كرة القدم إلا وقد حفظ كل تلك الدروس عن ظهر قلب، إنه فيلم سينمائي جاهز للتجسيد، قصة رجل اقتنع الكل أنه رحل للأبد، وبينما نسي الناس أنه كان موجودا بالأصل، راح يحفر في صمت كي ينبعث من حياة أخرى، وبالفعل عاد ليرفع كأس أمم أفريقيا مع منتخب الجزائر !
لقد كان يوسف شجاعًا وهو يواجه أخطاءه وتقلبات الحياة وصفعاتها، كان أيضا صريحًا وهو يقرّ بذنوبه ويواجها بمسؤولية، إنه وهو يطوي تلك الصفحة ويفتح أخرى، يخبرنا أنك لن ترى ألوان قوس قزح وأنت تنظر إلى الأرض!
إن في قصة المكافح بلايلي درسًا أن لا شيء ثابت في هذه الحياة، نتبادل الأدوار فيها فيمكن للضحية أن يصبح جلادًا ويمكن للمذنب أن يصبح بطلا، إن ذلك يذكّرني بجملة وردت في فيلم ” the dark knight” : “عندما يأتي الفيضان، السمك يأكل النمل، لكن عندما يجف الماء يأكل النمل السمك، الحياة تعطي فرصًا للجميع
… فقط انتظر دورك!”.
مقتطفات من كتابي var…القصص السرية لأبطال أفريقيا!
بقلم نجم_الدين_سيدي_عثمان
https://web.facebook.com/hashtag/نجم_الدين_سيدي_عثمان