لم تعُد البوصلة السياسية الجزائرية تشير دوما إلى الشمال، كما حدث معنا لعقود، وهذا بعد أن عقدت الجزائر العزم على أن تُحيي العزيمة القديمة المتأصِّلة فيها: العمل مع الكل ضمن المنفعة الثنائية والرِّبح المشترك والعمل مع الأصدقاء والأشقّاء ضمن أطر التعاون والتعاضد والمساعدة.
هذا ما يمكن تمييزه من تصوُّر وعمل وإستراتيجية العمل السياسي والاقتصادي والدبلوماسي الجزائري خلال السنوات الثلاث الماضية.
كما شهد بالموازاة مع تفعيل العمل المشترك للجزائر مع الدول العربية ودول الجوار الإفريقي، شهد حملة تنشيط وإعادة تسخين العلاقات مع دول القارة الإفريقية وأمريكا اللاتينية.
تعود الجزائر من جديد، نحو اندفاع جديد في عهد جديد مع دول أمريكا اللاتينية، بدأت بزيارة الرئيس الفنزويلي للجزائر تلتها زيارة العمل للرئيس الكوبي، على أن تكون هناك حتما زيارات أخرى تتوَّج بتوقيع اتفاقيات شراكة اقتصادية وتعاون في كل الميادين.
التوجُّه الجزائري هذا، ليس مرده فقط إلى الجانب العاطفي المتأتي من تاريخ العلاقات بين البلدين من أيام ثورة التحرير وحركة عدم الانحياز، بل مردُّه أيضا إلى الجانب الاستراتيجي: فالجزائر التي تحاول أن تخرج من تحت عباءة التبعية الاقتصادية التي كانت في غالب الأوقات إن لم نقل دائما، مرتبطة بشكل غير متوازن بالاقتصاد الغربي الأوربي، الذي بُني أساسا على حركة الاستعمار في القرنين الـ19 والـ20، الذي استمر إلى غاية الستينيات من القرن الـ20. تحاول الجزائر أن تنأى بنفسها استراتيجيًّا عن هذا المصدر الاقتصادي الأوحد المعتمد منذ الاستقلال، ففي تنويع مصادر التعاون والشراكة والاستثمار، ضمانٌ لاستقلالية القرار السيادي السياسي في نهاية المطاف. كما أن رغبة البلاد ضمن عملها المستقبلي للخروج من التبعية الأحادية لجغرافيا الشمال، وتوجيه بوصلتها شرقا وجنوبا في كل القارات، يخدم مستقبل البلاد وانتفاعه، زيادة على ضمان عدالة أكثر في توزيع الثروة بين سكان البلدان الأكثر حاجة إلى الاستثمارات وخلق فرص العمل ومكافحة الفقر والجهل والمرض عبر التعاون الثقافي والعلمي، تحت مظلّة أخلاق سياسية ترعرعت في تربة مناهضة الاستعمار والبحث عن عدالة أكبر وأوسع في العلاقات الاقتصادية العالمية، خاصة بين دول الشمال ودول الجنوب.
دول الجنوب في كل من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومعظم الدول التي تلامس خط الاستواء، التي عانت منذ القِدم من شحِّ الطقس وقسوة المناخ منذ نهاية العصر الجليدي الثاني قبل نحو 11 ألف سنة قبل الميلاد، مرورا بفترات الهجرات التاريخية في شبه الجزيرة العربية وشمال إفريقيا نتيجة شحِّ الأمطار والجفاف والتصحر، وصولا إلى ما هو عليه الوضع حاليا وما هو آت في قادم العقود. ولعل عودة الحديث عالميا عن المناخ والاحترار المناخي بسبب التلوث، هو واحد فقط من الأضرار الجانبية لدول الغرب والشمال تجاه دول الجنوب التي استُعمرت سابقا من طرف معظم دول الشمال بدءا من بريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال. لهذا، فأقلُّ ما يمكن لدولة تنتمي إلى الجنوب ولو أنها تقع شماله قليلا وهي الجزائر، التي عانت من ويلات الاستعمار ومن تبعية اقتصادية مشروطة من طرف المستعمر بعد الاستقلال لعقود، فأقل ما يمكن أن تقوم به وهي تخرج من تحت عباءة التبعية وترفع رأسها عاليا وتدك قدمها واقفة على قدمين وساقين اثنتين بلا عكاز ولا ارتجاج، أن تبادر إلى التعاون والتبادل مع من هم على شاكلتها من دول صديقة وشقيقة لا تضمر أي عداء ولا أيَّ أجندة سياسية غير التعاون والتبادل والشراكة الرابحة للكل والتضامن في السراء كما كان التضامن في الضراء.