بقلم المؤرخ الاستاذ فوزي سعد الله
170
سألني عن ما يسمى بـ “القصبة البربرية” وموقعها حاليا…فأجبت:
لا يوجد شيء اسمه القصبة البربرية. المقصود بهذه العبارة هو “القصبة القديمة”. هكذا كان أهل المدينة يسمونها منذ بداية القرن 16م على الأقل، والارشيف الجزائري العثماني، على الأقل، يشهد على ذلك.
هذا المعلم العمراني العسكري كان موجودا عندما حل الاخوان عروج وخير الدين بربروس العثمانيان بالجزائر، وكان في حالة متردية، فقاما بتجديده وتوسيعه وتجهيزه بالأسلحة والعتاد، واتخذا منه قاعدتهما العسكرية مؤقتا لفترة قصيرة في عهد الحاكم المحلي الثعالبي سالم التومي.
عندما جاء المحتلون الفرنسيون في 1830م، أصبحوا يسمون هذا المعلم العمراني العسكري: “القصبة البربرية”، وهذا كلام غير تاريخي ولا واقعي من طرفهم، لكن الذين يتعلمون تاريخ الجزائر فقط من المصادر الفرنسية الاستعمارية، وهناك مصادر فرنسية غير استعمارية التوجه ونزيهة، يتمسكون بهذه التسمية عن قصد او عن جهل… هذا كل ما في الحكاية.
أما موقع “القصبة القديمة” من وجهة النظر التاريخية، او “القصبة البربرية” بالنسبة للرؤية الاستعمارية، ففي حومة سيدي رمضان قبالة المدخل الرئيسي لمستشفى آيت إيدير وتحديدا مع بداية الدرُج التي تطل على ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي والمدرسة الثعالبية أو “دروج لا كروا روج (la Croix Rouge)” حسب التعبير الشعبي المحلي الحالي…
أما “القصبة الجديدة”، لان هناك قصبة أخرى كانت تسمى بهذه التسمية قبل الاحتلال الفرنسي للبلاد، فمنذ أن حولها الداي علي خوجة سنة 1816م الى مقر الحكم أو القصر وانتقل اليها من قصر الجنينة، الذي كان يقع في ساحة الشهداء الحالية، لاسباب أمنية سياسية، أصبحت تعرف تدريجيا، والى اليوم، بـ “دار السلطان” (Palais du Dey عند الفرنسيين)، وهي موجودة الى اليوم في حومة الباب الجديد وقيد الترميم…
القصبة القديمة بقي منها اليوم بعض الاطلال فقط، وكانت تحيط بها أساسا الحوانيت المسماة “حوانيت الزيان” في العهد العثماني، بالإضافة الى جامع سيدي رمضان والعين التي يرتوي منها الناس إلى اليوم وتحمل نفس الاسم “عين سيدي رمضان”.
بالنسبة للمحتلين، بعد سنة 1830م، تقريبا كل ما هو سابق للعهد العثماني يسمونه بربريا. وهذا غير صحيح تاريخيا أيضا…
بشكل عام، حتى لو افترضنا أن هذه القصبة بربرية، وهو غير ثابت علميا، فإن صفة البربرية والبربر تاريخيا مجازية شاملة للأقوام والثقافات القديمة الوافدة على البلاد وجلها، قديما، مشرقية، بالإضافة الى الأفارقة السود واليونانيين والرومان والبيزنطيين والإسبان القوط والواندال وغيرهم الذين أتت بكل منهم ظروف تاريخية معينة، وصولا الى الحركات الديمغرافية اللاحقة في القرون الوسطى والتي لم تتوقف الى اليوم….
هذا الخليط البشري الدولي القديم، وبعضه حديث كما يعرف الجميع، هو الذي يطلق عليه صفة البربر أو الامازيغ ليس إلا، مع التذكير بأن المكون المشرقي هو الأساس والعنصر الرئيسي في هذه الكتلة البشرية شمال الافريقية القديمة، فضلا عمن اتوا من المشرق بعد الفتوحات الاسلامية وحتى اليوم… فنحن إذن، ككل شعوب الارض عبر التاريخ، لسنا أكثر من خليط من البشر جاؤوا الى هذه البلاد من كل حدب وصوب حسب الظروف و الاقدار…
أما ما يسمى اليوم اللسان البربري أو الامازيغي، في سياق حديثنا عن البربر، فهو في جوهره لسان الشعوب المشرقية في العصور القديمة كالأكادية والكنعانية الفينيقية بشكل أساسي ورئيسي مضاف اليها المؤثرات اللسانية للوافدين المتلاحقين الى المنطقة كاليونانية والمصرية القديمة الفرعونية واللاتينية والألسنة الافريقية لما وراء الصحراء ثم الاسبانية والتركية العثمانية والإيطالية والفرنسية خلال القرون القليلة الماضية… وربما ستضاف اليها الانجليزية في حال تم اعتماد الانجليزية بجدية في المستقبل…
في اليونان، مثلا، يستخدمون الى اليوم كلمة “ثُورَه” وهي نفس الكلمة التي يستخدمها اللسان الموصوف بالبربري للتعبير عن كلمة: الآن. ومن يبحث سيعثر ، دون شك، على المزيد من المفردات المشتركة بين اليونانية، لاسيما القديمة، واللسان البربري… ونفس الملاحظة تنكبق على القواسم المشتركة مع اللاتينية….
ابحثوا بمنهج علم اللسانيات المقارنة والاثيمولوجيا في الكلمات البربرية او الأمازيغية على وزن “فعلوم” مثل أغروم، اي الخبز، وأكسوم الذي معناه اللحم، في اللغة الأكادية وحتى في فرعها الفينيقي، فضلا عن جذورها، وستكتشفون أشياء مهمة. كذلك الضمائر وصيغ لغوية أخرى كالسوابق واللواحق (suffixes et prefixes) على غرار الالف والتاء كما في: أملال وأمقران وأمغار وتجزيرت، التي هي من الجزيرة، وتمازيغت وتاعربت …
لو تخلى الجزائريون عن السب والشتم والجدل العدواني العقيم والخطير وعن التوجيه السياسي للنقاش التاريخي اللساني وركزوا على البحث العلمي حول الموضوع، لاكتشفوا ان الامر بسيط جدا وواضح جدا ، وهو مثلما شرحته اعلاه، لأننا في حاضرنا وككل الأمم والشعوب نتاح كل تفاعلات وانصهارات ماضينا القريب والبعيد والموغل في البعد….
الصورة:
القصبة القديمة المسماة خطأ من طرف الاستعمار الفرنسي “القصبة البربرية” هي آخر برج في أعلى السور، على الصورة، في حومة سيدي رمضان وبقايا هذه “القصبة القديمة”، ومعناها القلعة القديمة او الحصن القديم، موجودة الى اليوم. قبالتها على يمين الصورة يوجد اليوم مستشفى آيت إيدير ، وبينهم سلالم تؤدي الى المدرسة الثعالبية وضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي.
الجامع خارج سور المدينة في هذه الصورة، التي تعود الى منتصف القرن 19م، هو جامع وصريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي الموجود الى اليوم.
https://web.facebook.com/fawzi.sadallah
