قلبت الصراعات في التسعينيات وما بعدها، على مسرح العالم وأوروبا، الخطابَ الانتصاري للولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في عام 1991، وخلاصته إعلان نهاية الجيوبوليتيك وتراجعه لمصلحة خطاب “الجيواقتصاد” Geo economics، تماشياً مع العولمة وانحسار دور الدولة الوطنية، لتحل مكانها المؤسسات العالمية السياسية والأمنية، والشركات المتعددة الجنسيات في الاقتصاد. وترجمة هذا الخطاب، هي أن تحلّ “حقبة الحضارة الإنسانية المشتركة الواحدة، والقائمة على مبادئ الديموقراطية الليبرالية. وسينتهي التاريخ بانتهاء المواجهة الجيوبوليتيكية، التي منحت التاريخ حافزه الرئيس منذ البداية”، بحسب ما وصف ألكسندر دوغين نظرية فرانسيس فوكوياما بشأن “نهاية التاريخ”.
ذلك بأن الحرب في يوغوسلافيا، ولاحقاً الحروب على الصومال والعراق وهاييتي وغيرها، واستباحة مبدأ التدخل الدولي الإنساني كذريعة من جانب الولايات المتحدة لتدمير دول معينة وتمزيق نسيجها الاجتماعي، أبرزت مجدداً أن الصراع على الجيوبوليتيك لم ينتهِ، كما ادَّعت الدعايتان الأميركية والغربية، بدليل إصرار واشنطن والغرب على توسيع حلف شمال الأطلسي في اتجاه روسيا نفسها. فعاد الجيوبوليتيك و”انتقام الجغرافيا” (Revenge of Geography)، كما وصفه روبرت كابلان، ليفرض نفسه لاعباً محورياً في توجيه سياسات الدول.
أبرزَ خطاب بوتين، عشيةَ بدء الحرب في أوكرانيا، التخوَّفَ نفسه الذي عبّر عنه في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، مستحضراً الأساس الجيوبوليتيكي، لجهة أنه “بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، هذه هي سياسة احتواء روسيا، وهي تمنحهم مكاسب جيوسياسية واضحة”.
تكمُن أهمية الصراع في أوكرانيا في أنَّه يثير أسئلةً تقع في صلب نظريات الجيوبوليتيك المعاصر ومبادئه، نظراً إلى موقع أوكرانيا عند حافة أوروبا الشرقية، وبين روسيا والعالم الغربي، كما أنه يرتبط بهذه العلاقة الصراعية والنزاعية بين روسيا والغرب، والتي لم تعرف إلا فترةً من التهدئة بعد سقوط الإتحاد السوفياتي في عام 1991، ووصول بوريس يلتسين إلى الحكم، وبالتالي رجحان كفة تيار التعاون مع المؤسسات الدولية و”الغربنة” occidentalisation في المؤسسات المعنية بصناعة السياسة الخارجية الروسية، والذي جسده وزير الخارجية الروسي، في أوائل التسعينيات، أندريه كوزيريف، في حين أنه مع وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الحكم في عام 2000، عاد دور روسيا ليتصاعد في جوارها الإقليمي وفي العالم، مستنداً إلى مقاربة استراتيجية في السياسة الخارجية والتعاطي مع القوى الدولية المنافسة والولايات المتحدة، على قاعدة رفض كل السياسات الأميركية بعد عام 1991، والتي عُدَّت، من وجهة النظر الروسية، أنها تتخطى منطق المؤسسات الدولية، وأدَّت إلى نشر الفوضى وتهديد الأمن العالمي والأمن القومي الروسي.
أوراسيا قلب الصراع الجيوبوليتيكي
كرَّس السير هيلفورد ماكيندر محورية الجيوبوليتيك في تبلور السياسات الخارجية للدول. ومن ضمن الجيوبوليتيك محورية القوى البرية، ومنطقة “قلب العالم” Heartland. ويؤكد ماكيندر أن “الوضع الجيوبوليتيكي الأفضل لكل دولة هو الوضع المتوسط المركزي. والمركزية مفهوم نسبي، ويمكنها أن تتبدل مع كل سياق جغرافي محدَّد، إلا أن القارة الأوراسية، من وجهة النظر الكونية، تقع في مركز العالم، قلب العالم، أو الـ heartland، وهو تجمع الكتل القارية للأوراسيا. وهذا هو رأس الجسر الجغرافي الأكثر ملاءَمة للسيادة على العالم بأسره. والـheartland هو المنطقة الأكثر أهمية في السياق الأعمّ، ضمن حدود الجزيرة العالمية (World Island)”. ويدخل ماكيندر في الجزيرة العالمية، آسيا وأفريقيا وأوروبا. ومن الناحية الجغرافية، يدور التاريخ، وفقاً لنظرية ماكندر، “حول المركز القاري”.
تنعكس نظرية ماكندر عن القوى القارية، ونظرية “قلب العالم”، Heartland، على المسرح الجغرافي في روسيا وأوروبا الشرقية، بما فيها أوكرانيا. فبالنسبة إلى ماكندر، “من يسيطر على أوروبا الشرقية، ومن يسيطر على الـheartland ، فإنه يسيطر على الجزيرة العالمية. ومن يسيطر على الجزيرة العالمية يسيطر على العالم”.
النظرية الروسية الأوراسية وأبعادها
ارتباطاً بمحورية الصراع على أوراسيا وتأكيداً له، ظهرت النظريات “الأوراسية” في أوساط صنع القرار والنخب الفكرية والثقافية، تجاه صياغة دور روسيا الاستراتيجي وسياستها الخارجية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
فدوغين أكد أنَّه من “وجهة النظر الاستراتيجية البحتة، تتماهى روسيا مع الأوراسية نفسها، على الأقل لأن أراضيها بالذات وعدد سكانها وتطورها الصناعي – التقني تتمتع جميعاً بالحجم الكافي لتكون أساساً للاستقلالية القارية، وللاكتفاء الذاتي، ولتصبح أساساً للتكامل القاري التام. وهو ما يجب أن يجري، وفق القوانين الجيوبوليتيكية، لكل “جزيرة”، بما في ذلك “الجزيرة العالمية” World Island نفسها، أي الأوراسيا”.
تتمتع أوكرانيا بموقع جيواستراتيجي يتمثل بأنه محور منطقة “قلب العالم”، التي ناقشها وحاجّ فيها ماكيندر، وهي على حافة روسيا، وموقعها القديم على حافة أوروبا.
تمثل أوكرانيا نقطة الضعف في التفكير الاستراتيجي الروسي، وتحديداً الأوراسي منه. وتمثل كتابات دوغين عن أوكرانيا، في كتابه المحوري “الجيوبوليتيكا”، عصارة السلوك الروسي الذي نشهده اليوم في أوكرانيا. فبالنسبة إلى المنظّر الروسي، المعادي للعولمة في نسختها الأميركية، فإنَّ “العامل الأوكراني يمثل النقطة الأضعف في الحزام الروسي الغربي. وإذا كانت خطورة تدمير الاستقلالية الجيوبوليتيكية لـheartland تبدو محتملة، وإذا كانت حرب خنادق من أجل نظام جيوبوليتيك أوراسي لا تضع أمامها إلا الأهداف الوقائية، فإن حقيقة وجود أوكرانيا المستقلة تُعَدّ، على المستوى الجيوبوليتيكي، إعلان حرب جيوبوليتيكية على روسيا. وهذه قضية ليست من صنع روسيا نفسها، بقدر ما هي من صنع الأطلسية والقوى البحرية”.
تشديد دوغين على خطورة نقطة الضعف الأوكرانية، يُستكمل بربطها بنطاقات المدى الجيوبوليتيكي الروسي الأخرى. إذ يشير المنظر الاستراتيجي الروسي إلى أن “المشكلة الأوكرانية هي المشكلة الأهم والأكثر جدة أمام موسكو. وإذا كانت مشكلتا الشمال وشبه المنحرف القطبي مرتبطتين بمستقبل روسيا والأوراسيا البعيدة، وإذا كان إعمار سيبيريا والحرب في سبيل Lenaland يتخذان أهميتيهما من أجل المستقبل القريب، وأخيراً، إذا كانت الاستراتيجية القتالية لإعادة ترتيب الجنوب الآسيوي تتخذ، بالنسبة إلى روسيا، معنى عملياً لكنه وقائي، فإن مسألة جيوبولتيكا الغرب ومركز هذه الجيوبولتيكا – “المسألة الأوكرانية” – تطالب موسكو بإجراءات جوابية فورية ما دام الحديث يدور حول تسديد ضربة استراتيجية في الوقت الحالي إلى روسيا؛ ضربة لا يملك “المحور الجغرافي للتاريخ” الحق في ألاّ يرد عليها”.
وتأخذ توصية دوغين لصانعي القرار الروسي بعدها إذا تم إسقاطها على الصراع الحالي، مع إشارته إلى أنه “في الأخذ في الاعتبار أن تكامل موسكو البسيط مع كييف غير ممكن ولن يقدّم النظام الجيوبوليتيكي الثابت، حتى لو أنه جرى على الرغم من أي عقبات موضوعية، فإنَّ على موسكو أن تشارك بفعالية في إعادة ترتيب المدى الأوكراني وفق الأنموذج الجيوبوليتيكي الطبيعي والمنطقي الأوحد”.
إذاً، بالنسبة إلى الفكر الاستراتيجي الروسي، فإن مسألة أوكرانيا قصة حياة أو موت. تقدم أوكرانيا كدولة – حاجة إلى روسيا مساحة واسعة من المناورة على الجغرافيا في وقت الحرب، وهشاشة الحدود الروسية الغربية، تؤكد هذا المعطى. إذ تبقى الحدود الغربية مع أوروبا الثغرة الأخطر والقاتلة للأمن القومي الروسي. فمن دول البلطيق شمالاً، إلى جبال الكاربات في رومانيا جنوباً، يمتد السهل الأوروبي الشمالي، وهو الجزء الأهم من السهل الأوروبي الفسيح، الممتد من جبال الأورال حتى فرنسا وجبال البيرينيه، حيث لا توجد حواجز طبيعية قادرة على صد الغزوات. وهذه المنطقة كانت تاريخياً الممر للغزوات الأوروبية، ومنها حربا نابوليون وهتلر. وحتى حين كان الاتحاد السوفياتي يمتد إلى وسط ألمانيا أيام الحرب الباردة، لم توفر المنطقة من موسكو إلى برلين قيمة تُذكر باستثناء المساحة الجغرافية والعمق الإستراتيجي. من هنا، اضطرار روسيا إلى التوسع غرباً لصنع مسافة فاصلة عن حدودها وعاصمتها.
الرهانات الأميركية – الأطلسية
تمثّل قراءة مستشار الأمن القومي الأميركي الراحل، زبيغنيو بريجنسكي، في كتابه “رقعة الشطرنج”، نافذة مهمة لقراءة السياسات الاستراتيجية الأميركية، التي تعيد تأكيد محورية الصراع على أوراسيا، بل يربط مصير السيطرة الأميركية بمنع أي قوة أخرى من التمدد في هذه المنطقة، والمقصود بطبيعة الحال روسيا. فبوضوح تام، يؤكد بريجنكسي أنه في حال “تمدد أي قوة في أوراسيا فإن أميركا تخسر هيمنتها، ويصبح من الواجب ألا تكون أي قوة أوراسية منافسة قادرة على السيطرة على أوراسيا، وبالتالي منافسة الولايات المتحدة”.
بالتالي، تمثل أوكرانيا “مساحة مهمة من رقعة الشطرنج الأوراسية”، و”مفتاح الاتجاهات الجيوبوليتيكية في أوراسيا”. وبالتالي، تصبح ذات وظيفة جيواستراتيجية بمنع روسيا من امتدادها كقوة برية نحو البحر الأسود، وسلوك مسارها الجيوبوليتيكي – التاريخي نحو المياه الدافئة، ومن دونها “لا تكون روسيا إمبراطورية”. كما أن بريجنسكي نفسه، الذي يدعو إلى “تحرير” أوكرانيا من النفوذ الروسي، يعيد تأكيد ضرورة مد النفوذ الأميركي في اتجاه روسيا عبر الشعار الذي تغلف به سياسات الصراع والنفوذ الكبرى، وهو “الدمقرطة” و”الغربنة” – حرفياً – في كتابه “رؤية استراتيجية” في عام 2012، وبالوسائل “الناعمة” نفسها، أي مخاطبة “النخبة الاقتصادية والطبقة الوسطى الروسية بمقولات “الإصلاح” و”التنمية” و”الاقتصاد الحديث”، في تكرار للخطاب الأميركي التقليدي؛ أي بمعنى آخر، أن تصبح روسيا غربية، بكل ما للكلمة من معنى، أي أن تخسر هويتها وذاتها لحساب غرب تقوده أميركا، وفي شكل أكثر انسجاماً مع النظريات الاستراتيجية، تصبح كياناً مناقضاً ومتخلفاً لكل لردة الفعل الكيانية الروسية التي تمثلت عبر النظرية الأوراسية ورائدها ألكسندر دوغين.
من هذه الطموحات الأميركية الاستراتيجية، يمكن فهم “نصائح” المفكرين الأميركيين الواقعيين ووجهات نظرهم بشأن العلاقات الدولية، ومنهم جون مارشيمر وغيره، والذين حمّلوا المسؤولية في الصراع على أوكرانيا للقوى الغربية، وفي طليعتها الولايات المتحدة، بسبب الإصرار على توسيع حلف شمال الأطلسي ليصبح على مقربة من موسكو، وفي قلب أوراسيا نفسها.
استطراداً، ليست أوكرانيا، بالنسبة إلى واشنطن، مسألة أمن قومي وجودي، كما هي الحال بالنسبة إلى القوة العالمية التي تنافسها وتصارعها على أوراسيا. فالتهديد على المدى الطويل، بالنسبة إلى صنّاع القرار في الولايات المتحدة، هو منع روسيا من السيطرة والهيمنة على أوروبا، كما هي الحال أيام الاتحاد السوفياتي. وبالتالي، يمكن انطلاقاً من هذه الرؤية فهم الإحجام الأميركي عن التدخل العسكري المباشر في رقعة الصراع.
هنا، يصبح التاريخ أكثر سخرية من المقولات الدعائية التي تجيدها أميركا منذ أيام إدوارد بيرنيز Edward Bernays (يُنسب إليه أنه مؤسس الدعاية الحديثة انطلاقاً من الولايات المتحدة)، يستيقظ فيه مارد الجيوبوليتيك من قلب “جزيرة العالم”، أوراسيا، ويُسقط الأقنعة عن الدعاية القوية و”الناعمة” والتي تغلّف حقيقة صراع القوى العظمى.
ميشال أبو نجم
صحافي وباحث في الشؤون الإستراتيجية