Home سياسة الجغرافيا وما تفرضه

الجغرافيا وما تفرضه

by بن يغزر أحمد
3 comments
A+A-
Reset

الجغرافيا وما تفرضه

 

الأستاذ: بن يغزر أحمد

 جامعة الجيلالي بونعامة خميس مليانة

في سنة 2012 صدر في الولايات المتحدة الأمريكية كتاب بعنوان” انتقام الجغرافيا. ما الذي تخبرنا به الخرائط عن الصراعات   المقبلة وعن الحرب ضد المصير” ومؤلفه هو روبرت كابلان، كبير محللي الجغرافيا السياسية في مؤسسة ستراتفور الأميركية، عمل من خلال هذا الكتاب على إبراز العلاقة بين الجغرافيا وبين التحولات التي شهدها العالم عبر التاريخ، وبناء على ذلك حاول توقع تأثيرا لمحدد الجغرافيا- كما كان دائما – مستقبلا في طبيعة التحولات المنتظرة.

يجب التوضيح ابتداء أن الجغرافيا بمعناها الاصطلاحي المجرد، ليست المحدد الوحيد ولا الحتمي للأدوار التي تضطلع بها الدول، وهذا ما يؤكد عليه الكاتب، فإلى جانبه تصطف مكونات أخرى للقوة كالاقتصاد، والقوة العسكرية، والوزن الديمغرافي، والقوة الناعمة، وعوامل أخرى.

وعندما نتحدث عن الجغرافيا فنحن نشير إلى الموقع بالنسبة للجوار القريب والبعيد، وعن امتداد الحدود، وعن التناغم أو التنافر السياسي والاجتماعي والثقافي مع المحيط، أي الجغرافيا بمفهومها الشامل، كل ذلك يلعب دورا فاعلا في سياسة البلد والأدوار التي يفرضها عليه موقعه.

ومما يؤكد هذا الربط على سبيل المثال أن موقع روسيا الجغرافي يفسر إلى حد كبير سياستها الخارجية وسعيها المحموم دوما ومنذ زمن طويل للوصول إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط، كما أن جزء كبيرا من المنعة التي تمتعت وتتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية يفسر بوجودها بين محيطين مائيين كبيريين يشكلان حماية طبيعية لها، كما يفسر أيضا استراتيجيتها بالتواجد العسكري المؤثر من خلال أساطيلها البحرية في كل المسطحات المائية عبر الكرة الأرضية.

من المعلوم تاريخيا أن الوجود العثماني في الجزائر في مطلع القرن السادس عشر هو الذي أعطى لها وللجزائر طبعا قوة الحضور في كل الشمال الإفريقي، وثبت وجودها الفاعل في الحوضين الغربي والشرقي للبحر المتوسط لما يزيد عن ثلاثة قرون، كما أن انكفائها عن هذه المنطقة بعد الاحتلال الفرنسي سنة 1830 كان له الدور المؤثر في تراجع مكانتها وهيبتها.

كما أن الرئيس الفرنسي شارل ديغول اعترف في مذكراته بأن الجزائر”…كانت تحتل في حياتنا القومية أهمية لا مجال للموازنة بينها وبين بقية البلاد التي كانت تابعة لنا” ثم أضاف موضحا” غمرنا الفرح لأننا أصبحنا سادة أرض كلفتنا تضحيات كثيرة، ومع ذلك فقد تعزز كثيرا موقفنا في افريقيا والبحر المتوسط بفضل الجزائر، إذ أقمنا فيها نقطة انطلاق لتسللنا إلى تونس والمغرب والصحراء…وجمعنا فيها بالاشتراك مع حلفائنا قسما كبيرا من وسائل انتصارنا”.

والمثالين واضحين في دلالتهما حول أهمية الموقع الجغرافي للجزائر كجزء من الشمال الإفريقي، وكيف كان ذلك من الدوافع الرئيسية للمصائر التي آلت إليها الجزائر تاريخيا في القرون الأخيرة.

اليوم والجزائر دولة مستقلة لا يمكن أن يبقى إدراكها لأهمية هذا المعطى في تعريف دورها في الاقليم بالنظر إلى موقعها الجغرافي منحصرا في الشعار الفضفاض، وغائبا في الهندسة العملية لسياستها الخارجية، او متواريا خلف استراتيجيات انكفائية بحجة أن الجزائر “لا تتدخل في الشؤون الداخلية للآخرين”، وقد بينت الأزمة الليبية الحالية، والتوترات التي تعرفها منطقة الساحل منذ فترة، كيف أن الوقت قد حان لإعادة النظر في الكثير من المفاهيم على هذا المستوى.

ويضاف إلى هذا، أن تحولات مهمة مرتقبة في المدى المنظور في بنية النظام الدولي القائم اليوم، وفي موازين القوة التي تحكمه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تفرض تفكيرا استباقيا وعميقا في التصورات والتوجهات الذي ينبغي أن تحكم تعامل الجزائر مع هذه التحولات المنتظرة.

فما الذي يفرضه اليوم الموقع الجغرافي للجزائر؟

يذكر كابلان في كتابه المذكور أعلاه أن” موقع دولة ما على الخريطة هو أول ما يحددها بصورة أكثر من الفلسفة الحاكمة لها” وكأن في هذا المنطق نوع من القدرية تفرضها الجغرافيا على كل بلد، وبالنظر إلى الجزائر فإن موقعها يعرفها بأنها دولة متوسطية، وشمال إفريقية، لها عمقها المغاربي والعربي والإفريقي، وهو ما يجعلها بتعدد هذه الأبعاد ضمن الساحات التي تصنع من خلالها المسارات العالمية، وهو ما كان قائما في الحقيقة منذ القديم كما بينا سابقا.

وعندما تفرض الجغرافيا على دولة ما دورا معينا فهي أمام حتمية امتلاك وتركيم الأدوات التي تكافئ هذا الدور، بما يعطيها القدرة الكافية لتكون طرفا فاعلا صانعا للتحولات، أو على الاقل يكون لها حضور مؤثر فيها، وفي أسوأ الأحوال لا تصنع هذه التحولات بغيابها أو على حسابها.

أو تكون أمام خيار الغياب والانكفاء بتعطيل المزايا التي يهبها الموقع الجغرافي وفي هذه الحالة قد يغري ذلك الطرف الأجنبي الأقوى، الذي يرى فرصته في إمكانية لا يملكها، ومن   يملكها لا يستغلها أو ربما لايدرك أهميتها، ولطالما كانت هذه الجزئية وراء التوسعات الاستعمارية في الماضي، وهي اليوم تفسر إلى حد بعيد رغبة بعض القوى الطامحة في التموقع في مثل هذه المجالات الحيوية.

الجزائر وهي تعيش إرهاصات تحول تاريخي فرضه الحراك الشعبي تحتاج من نخبتها السياسية والفكرية أن تنضج حوارا في اتجاه تفعيل كل محركات القوة التي تمتلكها، لمواجهة التحديات التي يفرضها ما يعيشه العالم منذ مطلع هذا القرن، فلم يعد من الممكن التفاعل مع هذه التحولات المستجدة باستراتيجيات فرضتها ظروفا سياسية لم تعد قائمة اليوم، وأمام تحديات جديدة يزداد ضغطها كل يوم.

يتعلق الأمر هنا بتحيين وتطوير الرؤية التي تحدد وتعرف دور الجزائر في إقليمها، لكن وفق تصور تجتمع فيه بعض التقاليد الإيجابية التي ميزت سياسية الجزائر الخارجية منذ عقود، وما تفتحه الرؤية الطموحة التي ينضجها التفكير العميق في الدور الذي يفرضه الموقع الجغرافي للجزائر، والأبعاد الجيو-السياسية التي يهبها، وماتعطيه أياها المقدرات التي تمتلكها، خصوصا في اتجاه الانتقال من التفاعل بمنهجية رد الفعل، إلى استراتيجية الفعل، ومن التعامل بأسلوب يوم بيوم، وحالة بحالة، إلى التعامل وفق مشروع واضح ومتكامل وطموح.

ومن المهم هنا التنبيه أن الانخراط في اتجاه تجديد الاستراتيجيات على هذا المستوى لم يعد خيارا لنا ترف الاختيار بين التفاعل معه وبين إهماله، أو تأجيله بحجة ضغط أولويات أهم، فاستقرار ومتانة الجبهات الداخلية لم يعد معزولا عن ما يحدث في المحيط القريب والبعيد، ولم يعد الرهان على سياسات “العزلة” و”النأي بالنفس” ممكنا، حتى إمكانية بناء القوة داخليا لم تعد متاحة بمعزل عن الحضور الفاعل والمؤثر في عدة جبهات خارجية حتى البعيدة منها.

You may also like

3 comments

Toufan April 20, 2021 - 13:08

من منطلق أن الموقع الجغرافي يفسّر إلى حد كبير السياسة الخارجية للبلدان , فإنه إما يجعلها أسيرة جغرافيتها , أو يفرض عليها السعي لتشكيل إرتباط جغرافي يزيد في مساحتها الحيوية, و بما أن الطبيعة لا تقبل الفراغ , أصبح اليوم من الملحّ أن تخرج الجزائر من التقوقع و الإنكفاء اللذان كلّفاها تراجعا رهيبا على الساحة الدولية و أنعكس ذلك كله في فقدان هيبتها داخل أفريقيا ناهيك عن الجامعة العربية حتى أصبحت إمارة قطر تهدد الجزائر داخل مجلس الجامعة !
أحسن دفاع هو الهجوم !!! … إن إسترجاع البريق المفقود لا يمر عبر سفريات وزير خارجيتنا فحسب , بل في إستراتيجية نفوذ هجومية (لاعنفبة) ,تفعّل فيها كل أنواع الديبلوماسية ( إقتصادية , ثقافية , علمية , إعلامية …..) لتسير بالموازاة مع مجموعة لوبيات تعمل على الدفاع عن مصالح بلدنا كما تفعل معظم البلدان , و هنا يأتي دور السفراء للقيام بواجبهم والتحرك للدفاع عن مصالح الجزائر بتمثيلها أحسن تمثيل.
أستاذي المحترم , الكتاب الّذي ذكرتموه في مقال اليوم , ذكّرني بكتاب قرأته للصحفي و الكاتب الأنجليزي تيم مارشال . تحت عنوان :Tim Marshall
Prisonniers de la géographie : Quand la géographie est plus forte que l’histoire
هذا الكتاب الّذي يوضّح بدون تعقيد كيف يمكن للمرئ يشرح / يفهم السياسة العالمية عبر الإعتماد على عشر خرائط, حيث إعتمد الكاتب على عشر خرائط لعشر مناطق جغرافية تعطي نظرة شاملة لمفهوم الجيوسياسة حاليا , وكذلك أبرز من خلالها مدى خضوع قرارات رؤساء الدول لقيود الجغرافيا , و كيف أثّرت الجغرافيا في السياسة العالمية و كيف مازالت كذلك .
شكرا جزيلا لكم أستاذ و مرحبا بكم على الموقع .

Reply
hope April 20, 2021 - 15:05

, Oui la geographie determine ou presque le destin d’une nation cependant et heuresement meme le destin n est pas une fatalite mais plutot resultat de leffort de la nation en question selon la strategie etablie et execute par son elite, donc et comme expliquer dans l article et le commentaire precedent, la balle est dans le camp de l elite politique economique et culturelle du pays et a un degre moindre entre les mains du peuple pour dessine notre destine et celle de nos enfants selon ce que notre position geographique impose comme contraintes et opportunites ,a ce propos une idee que me parait vitale pour l unite territoriale de l algerie et l importance que nous devons donner a notre sud, comme par exemple deplacer notre capitale au coeur de notre sahara pour que qui dira algerie dira son coeur son ame et son esprit son au sahara …..

Reply
Mohamed Redha Chettibi April 20, 2021 - 15:49

لم يَعُد النأي بالنفس خيارا استراتيجيّا بالنسبة لدولة بحجم الجزائر ، كما في سبعينيّات القرن الماضي .
ولا أقصد بالحجم اتساع الرقعة الجغرافية للبلاد فحسب، بل هو أكبر و أعقد من ذلك بكثير؛ حيث ينخرط في هذا المفهوم كل ما له علاقة بمقوِّمات القوة التي نمكِّن من خلالها البلدان الأخرى رؤية الجزائر و من ثَمّ التعامل معها بما يليق بمقامها.
فالموقع الجغرافي يندرج حتما في مثل هكذا مقوّمات، و إلا كيف نفسر تكالب الأمم و منذ الأزل على هذه الأرض التي عانى قاطنوها الويْلات في صدّ هجمات البغاة تارة و في اذعانهم لمستعمر فتك بهم و هذا لقوة امتلكها هو و فقدوها هم.
نعم للجغرافيا مكان مهم في نهوض حضارات و أفول أخرى و تبقى الدروس و العبر وحدها من ستحكم و توجه سلوكيات الشعوب التي عايشت تلك المحطّات المفصلية.
حين ذكرت أن في سبعينيّات القرن الماضي، كانت سياسة النأي بالنفس التي انتهجتها دول فتية كالجزائر خيارا استراتيجيّا؛ لم أعْنِ به أن الدولة الجزائرية اتخذته خيار الممكن، أي لم يكن لديها غيره و هي الدولة الضعيفة التي خرجت لتوِّها من استعباد دام لأكثر من القرن و ربع القرن… بل على العكس تماما، كان لشعب الجزائر حينها قوّة لا تكاد تضاهيها أعتى القوى في العالم حينها: خرجت الجزائر لتقول للعالم “المتخلف” القابع تحت شتى استعمارات العصر أنه بإمكانه الانعتاق و الولوج لعالم الحرية؛ فكادت تنجح إذ جرّت ورائها كل الدول “الضعيفة” و حتى بعض الدول الكبيرة كالاتحاد السوفياتي (لانه ظُلِم بعد الحرب العالمية الثانية) و خاصة الصين التي انتفضت نخبها أخيرا فراحت تمدّ شعبها بالتحفيزات حتى وصل الى ما وصل اليه اليوم.
فهذا المقوّم (المعنوي) الذي احاول جادّا تقريبه للقارئ هو الموروث الثوري الذي مكّن الجزائر في السبعينات من اتخاذه نبراسا تقارع من خلاله كل مقوّمات القوة التي تجعل من الشعوب أُمَمًا؛ و حتما فإن للجغرافيا مكانها المتقدم للنهوض بتلك الشعوب و دولها و لكن إذا أضفنا له شيئا من أخْلقة مثل الذي إقترحتها الجزائر في أفريل 1974 إبّان انعقاد المؤتمر الطّارئ للجمعية العامّة للأمم المتحدة (بدعوى من الجزائر و من ورائها كتلة دول عدم الانحياز) ، حيث كان المطلب حينها: نضام اقتصادي عالمي جديد، يفرغ العلاقات الدولية حينها من غطرسة القوي الذي تمكّن من صنع قوته الاقتصادية و التكنلوجية بظلم المجتمعات المتخلفة و …
شكرا سيدي الكريم على مقالكم الراقي
الشكر موصول لأخينا Toufan على تعليقه الذي يعطي الميكانزمات لمثل هكذا تطلعات.

Reply

Leave a Comment

روابط سريعة

من نحن

فريق من المتطوعين تحت إشراف HOPE JZR مؤسس الموقع ، مدفوعا بالرغبة في زرع الأمل من خلال اقتراح حلول فعالة للمشاكل القائمة من خلال مساهماتكم في مختلف القطاعات من أجل التقارب جميعا نحو جزائر جديدة ، جزائرية جزائرية ، تعددية وفخورة بتنوعها الثقافي. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة القائمة «الجزائر الجزائرية»

من نحن

جمع Hope JZR ، مؤسس الموقع ومالك قناة YouTube التي تحمل نفس الاسم ، حول مشروعه فريقا من المتطوعين من الأراضي الوطنية والشتات مع ملفات تعريف متنوعة بقدر ما هي متنوعة ، دائرة من الوطنيين التي تحمل فقط ، لك وحماسك للتوسع. في الواقع، ندعوكم، أيها المواطنون ذوو العقلية الإيجابية والبناءة، للانضمام إلينا، من خلال مساهماتكم، في مغامرة الدفاع عن الجزائر الجديدة هذه وبنائها.

ما الذي نفعله

نحن نعمل بشكل مستمر ودقيق لتزويد الجمهور بمعلومات موثوقة وموضوعية وإيجابية بشكل بارز.

مخلصين لعقيدة المؤسس المتمثلة في “زرع الأمل” ، فإن طموحنا هو خلق ديناميكية متحمسة (دون صب في النشوة) ، وتوحيد الكفاءات في خدمة وطنهم. إن إصداراتنا كما ستلاحظون ستسلط الضوء دائما على الأداء الإيجابي والإنجازات في مختلف المجالات، كما تعكس منتقدينا كلما رأينا مشاكل تؤثر على حياة مواطنينا، أو تقدم حلولا مناسبة أو تدعو نخبنا للمساعدة في حلها. 

مهمتنا

هدفنا الفريد هو جعل هذه المنصة الأولى في الجزائر التي تكرس حصريا للمعلومات الإيجابية التي تزرع الأمل بين شبابنا وتغريهم بالمشاركة في تنمية بلدنا.

إن بناء هذه الجزائر الجديدة التي نحلم بها والتي نطمح إليها سيكون عملا جماعيا لكل المواطنين الغيورين من عظمة أمتهم وتأثيرها.

ستكون الضامن للحفاظ على استقلالها وسيادتها وستحترم إرث وتضحيات شهدائنا الباسلة.

© 2023 – Jazair Hope. All Rights Reserved. 

Contact Us At : info@jazairhope.org