وسط مدينة الجزائر العاصمة وتحديدا أسفل حي القصبة التاريخي، يقف مسجد علي بتشين شامخا، ليبقى شاهدا على قصة ذلك البحّار الإيطالي، الذي دخل الجزائر أسيرا وانتهى فيها أميرالا بحريا كبيرا ثم زوجا لابنة ملك.. فمن يكون علي بتشين هذا وما حكايته؟
البحار الأسير
اسمه الحقيقي ألبيريكو بيتشينيني، وُلد في قرية ميرتيتو بمحافظة ماسا في مدينة توسكانا الإيطالية، وكان مولَعا بالبحر فلم يكن يتوقّف عن التجوال على ضفاف المتوسّط.
وقد تناولت رواية الإيطالي ريكاردو نيكولاي، المعنونة “علي بتشين”، قصة هذا البحار، الذي أسرته البحرية الجزائرية سنة 1578م، واقتادته إلى الجزائر العاصمة “ليباع هناك عبدا”
تقول الرواية، التي ينحدر صاحبها من مسقط رأس بتشين “لما احتجزت البحرية الجزائرية السفينة التي كان يعمل على متنها، والتي رست في شهر ماي 1578م في ميناء الجزائر، وكان في استقبال هذه الغنيمة الكبيرة حاكم الجزائر آنذاك حسن فينيزيانو.. اقتيد الأسرى إلى باب البستان أو سوق العبيد، وقف الشاب ألبيريكو بيتشينيني مع المئات من بني وطنه ينتظر مصيره المحتوم، غير أن عيونه الذكية ووقفته الشامخة لفتت انتباه الرايس بن خوجة، الذي ابتاعه بـ60 قطعة ذهبية”.
وفي سنة 1599م اعتنق بيتشينيني الإسلام على يد من بات صديقه، القائد فتح الله بن خوجة بن بيري وصار اسمه فيما بعد علي بتشين.
من أسير إلى أميرال
تحت إمرة فتح الله بن خوجة كبر الشاب الإيطالي، وتعلم فنون القيادة والبحرية على أصولها “ليصبح قبطان سفينة قرصنة بـ24 جدافا، وفي زمن قصير تولى علي بتشين رئاسة طائفة الرياس”.
بات الرايس علي بتشين ذائع الصيت محبوبا بين الناس “وكانت سفنه تجوب البحار من مضيق جبل طارق إلى الدائرة القطبية، قرصانه أبحروا في البحر الأدرياتيكي حتى إيرلندا، وعادوا منتصرين، محملة صواريهم بالذهب والزبرجد والبروكار الفرنسي”.
ارتقى بتشين في المراتب العسكرية إلى أن صار “رايس”، وهي مرتبة توازي رتبة أميرال “لقد تولى القيادة العامة للبحرية في الفترة بين 1630 و1646، وصار الرايس علي بتشين اسما له صداه في البحر الأبيض المتوسط”.
الثروة والحب
بات بتشين رجلا ثريا جدا توازي ثروته ثروة كبار الأثرياء في مدينة الجزائر، واكتسب اسما كبيرا في حياة الناس وأيضا بسبب قربه الشديد من الرايس فتح الله بن خوجة، غير أن القدر سيخطف الأخير من حياة بتشين.
خلفت وفاة الرايس فتح الله بن خوجة وقعها الأليم على بتشين، وهو الذي كان له الفضل في تحريره من الأسر والرق وعلّمه فنون القيادة إلى أن وصل إلى مرتبة أميرال.
وقع بتشين في حب الأميرة لالة لالاهم ابنة سلطان مملكة كوكو أحمد بلقاضي، وقد كانت لالاهم على قدر كبير من الجمال، واصطحب العاشق بتشين معه لالا نفيسة، أرملة صديق عمره الرايس بن خوجة وحاشية كبيرة، ليخطب الأميرة.
رفضت لالاهم المهر العظيم، الذي قدمه بتشين للظفر بها، وهمست في أذن القاضي “لا أريد كل هذا، شرطي الوحيد للزواج أن يبني لي مسجدا للمسلمين وسيكون هذا مهري”.
وافق علي بتشين على الشرط، وفي في مارس 1622م نفذ الوعد، وتضيف الرواية “أن بتشين أحضر رخام مدينة ماسا، موطنه الأصلي لتعبيد أرضية المسجد”، وتزوّج العاشقان وكان زواجا كبيرا حضره الوجهاء وعامة الناس.
التمرّد والنهاية
زواج بتشين من ابنة سلطان “كوكو”، المنطقة الأمازيغية المعادية للسلطان العثماني لم يمرّ بسلام، فبهذا الزواج بات بتشين غريما للعثمانيين، الموجودين في البلاد.
كان سلطان “كوكو” يقود تمرّدا ضد العثمانيين، وانضم بتشين إلى هذا السلطان في حركته، خاصة بعد خلاف وقع بينه وبين داي الجزائر، وبات بتشين يتمتّع بدعم جيش “كوكو” فضلا عن سلطته على الكثير من رجال البحرية، “وهو ما دفع السلطان العثماني إلى إرسال فرقة من خيرة عسكره سنة 1644 للقضاء عليه، ووضع حد نهائي لخطر سيد رياس البحر الأبيض المتوسط”.
maghrebvoices.com
4 comments
شكرا لم أكن أعرف هذا البطل
مشكور على تعليقك أخي الفاضل
@Chrysalid
تاريخ الجزائر جدّ حافل و ما نعرف عنه سوى قطرة من محيط , وكل حادثة من أحداثه هي كتاب بحدّ ذاته . تحكي علينا الأمم و لا نحكي على أنفسنا ! يجب أن نسرع في الكتابة و التعريف بتاريخنا , قبل أن تمحى آثارنا و لا يتلقّاها أبائنا .
شكرا لك لمشاركتك إيّانا هذا المقال الرائع و المساهمة في حفظ ذاكرة وطن الأبطال .
مشكورة على المعلومة القيِّمة سيدتي الكريمة