بقلم المؤرخ فوزي سعد الله
144
كان يا مكان في قديم الزمان أناس عُرِفوا بـ “بني عريان”، ومازال صداهم يتردد بيننا إلى الآن…
في “سُوسْطَارَة” بمدينة الجزائر التاريخية، المعروفة بـ “القصبة”، “بني عريان” كانوا مجموعات من الشباب المنحرفين والعدوانيين الذين لا وازع لديهم ولا مأوى لهم ولا أهل وليس لديهم ما يخسرون… وكان مأواهم الوحيد في الليل كما في النهار حديقة ساحة “بُورْ سَعِيدْ” (Port Said) المعروفة شعبيًا بـ بالعبارة الأنجليزية “السّْكْوَارْ” (Square) والتي ما هي سوى اختزال لاِسْمِ الساحة في عهد الاحتلال الفرنسي والذي كان “سْكْوَارْ بْرُوسُونْ” (Square Bresson)…
حديقة “بور سعيد”…عاصمة “بني عَرْيَانْ”…
هذه الحديقة كانت، في الواقع، وما زالت مِن أجمل حدائق مدينة الجزائر وأشهرها منذ إنشائها في النصف الثاني من القرن 19م. وما كان ممكنًا لِمَن يزور العاصمةَ الجزائرية أو يُقِيمَ فيها ألاَّ يَترَدَّدَ على مَمرَّاتها ويستظلَّ مستريحًا على مقاعدها بأوراق وأغصان أشجارها الباسقة ويُصغي لِزقزقة سُنُونُوّاتِها على غرار شخصياتٍ فنية وسياسية وفكرية من أبرز وجوه العِلم والثقافة والسياسة في القرنين 19م و20م، نذكر من ضِمْنِهم الأديب الفرنسي لويس بِيرْتْرَانْدْ (Louis Bertrand)، والمفكر الاقتصادي/الاجتماعي الألماني كَارْلْ مَارْكْسْ (Karl Marx)، والفنان الرسام المستشرق الأمريكي فريديريك آرثر بْرِيجْمَانْ (Frederick Arthur Bridgeman) والزعيم السياسي الجزائري مصالي الحاج، وزميله وصديقه شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا، والمؤرخ الوزير الجزائري أحمد توفيق المدني، وأيضا صديقيْه وزميليْه عبد الحميد بن باديس والطيِّب العُقْبِي، وكذلك مدير المسرح الأسبق غداة استقلال الجزائر وشهيد القضية الفلسطينية محمد بودية، دون أن ننسى الفنان الموسيقي والمسرحي الجزائري الكبير مُحْيِي الدِّين بَاشْ طَرْزِي الذي يَحْمِلُ المسرحُ اسمَه منذ بِضْعِ سَنوات…
رغم كل هذا الزّخم، ورغم جمالها ورومانسيتها، بقيْت حديقة “السّْكْوارْ” بسبب “بني عريان” وشغبهم واعتداءاتهم المتكررة على الناس، لسنوات طويلة مقترنة في أذهاننا في الأوساط الشعبية بالصورة السّلبية التي فرضوها عليها قبل أن تفلح في محوها تدريجيًا الحيوية الفنية للمسرح الوطني المقابل والتي ألقتْ بظلالها الجميلة على كل هذه البقعة من وسط المدينة، فضلاً عمّا بَلَغَنَا لاحقًا من الأساتذة في المدارس والأولياء والكبار من أصداء زيارة الرئيس المصري جمال بعد الناصر الجزائر بُعيْد استقلالها سنة 1963م في عهد الرئيس الجزائري أحمد بن بلة…
…خبراء “الضَّرْبْ بالمُوسْ والعيْشْ بْلاَ فْلُوسْ”…لكن دون شهامة…
كان “بني عريان”، المنحدرون من مختلف أنحاء البلاد، والذين جمع بين أفرادهم البؤس الاجتماعي والعيش على هامش الحياة الجزائرية، يقتاتون من “غنائم” السّرقة واللّصوصية والصَّعلَكة باستعمال مختلف الأسلحة البيضاء بلا حدود مع استسهالٍ كبيرٍ لتوظيف الخناجر للحصول على ما يريدون الحصول عليه من ضحاياهم في الشوارع الصغيرة المحيطة بهذه البقعة وحتى في ما بعدها…
كل الوسائل كانت مباحةً عندَهم، ولم يُعرف عنهم أنهم كانوا شرفاءَ وكرماء مثلما كان عروة بن الوُرْد في الجزيرة العربية، والأسطورة “رُوبِينْ هُودْ” (Robin des Bois) في بريطانيا بعد قرون، أو “صعاليك” ومنْفِيِّي (Los Bandoleros y los Munfíes) جبال البشارات المسلمين في إسبانيا بعد انهيار مملكتهم غَرْنَاطَة النَّصْرِيِّين في سنة 1492م، على غرار الشقيقيْن لُوبِي السِّنيث (Lope El Seniz) وغُونْثَالُو السِّنِيثْ (Gonzalo El Seniz). كما لم تكن لديهم شَهامة بُوِزِيَانْ القَلْعِي وأرَزْقِي البشير أو الإخوة عَبْدُونْ وبن زَلْمَاطْ في الجزائر المحتلة في نهاية القرن 19م وبداية القرن 20م… بل لم يَرْقَ “بني عريان” في سلوكهم حتى إلى مستوى “الهُوزِّيَّة” المَارِقِين الذين ذاع صيتُهم خلال الثلاثينيات إلى غاية نهاية السبعينيات من القرن الماضي في حَوْمَاتِ مدينة الجزائر التاريخية التي نُسَمِّيهَا اليوم: “القَصَبَة”…
لكل هذا، كان مجرد ذِكْرِ عبارة “بْنِي عَرْيَانْ” في الستينيات وسبعينيات القرن 20م يثير الخوف في النفوس وترتعد له بعض الأبدان حتى أن بعض مَن لهم روابط بهم كان “يَسْتَرْجِلُ” على الغيْر، وبنجاح فائق عادةً، بابتزاز وتهديد كلِّ مَن يختلف أو يَتخاصَم معه بِتكليفِ أصدقائه “العْرَايَا” نيابةً عنه بِتأديبه…
اختفى “بني عريان”…وبقي “التّْعَرْيين”…
لا أدري كيف كانت آنذاك صورة هذه “الطائفة” الهامشية في مخيال الناس بجهات أخرى، لكنني أعرف أن اسمها اليوم، أيْ “بني عريان” أو “العرايا” على حد سواء، يرمز إلى الهمجية والعدوانية وقلّة التربية والتمدُّن بعد أن اختفى هؤلاء القوم من الوجود كفئة اجتماعية هامشية، فيما بَقَيَتْ بعض تصرفاتهم موجودةً، بقدر أو بآخر، في كل مكان وفي كل مستويات المجتمع. وأعرف أيضا أن هذه الظاهرة الاجتماعية، التي لم تثِر اهتمام الباحثين في علم الاجتماع عندنا، ربما بسبب الذهنية المغالية في النخبوية لدى البعض، ما كانت اختراعا اجتماعيا جزائريا فريدا في العالم، لأن مثل هذه الشرائح الاجتماعية تظهر في كل المجتمعات عبْر التاريخ عندما تضعف الدولة وتشيع فيها الفوضى ويضطرب الاقتصاد، وبالتالي تتدهور نوعية حياة الناس وتقل الأرزاق وتنتشر اللصوصية والصعلكة…بل هي مرآة عاكِسة لوضع البلاد والعباد…
قبل نحو 1000 عام…”بني عريان” من العراق والشام إلى مصر…
دولة داخل الدولة…
في بغداد وفي الشام ومصر كما في غيرها في المدن والبوادي الإسلامية المشرقية، نجح “بني عريان”..ــهم في إقامة ما يشبه الدولة داخل الدولة ابتداء من القرن 9م في العهد العباسي منذ فتنة ابنيْ الخليفة هارون الرشيد الأمين، المتوفي قتلاً سنة 814م، والمأمون، المتوفي عام 833م، خلال صراعهما الشرس على السلطة في بغداد. وبلغ هؤلاء “العرايا” المشارقة، الذين كانوا يُسمُّون هناك بـ “العيّارين” و”الشُّطَّار”، من القوة أن الخليفة الأمين استنجد بهما في مواجهة أخيه وأنصاره الخراسانيين، ومات منهم نحو 10 آلاف، تقول المصادر الإسلامية، في هذه الأحداث الخطيرة حيث امتلأت ضفاف نهر دجلة بجثثهم واحْمَرَّت مياهه بدمائهم… ومثله فعل لاحقًا الخليفة العباسي المستعين بالله، المتوفي سنة 866م، معتمدا على الشُّطَّار والعيارين في صراعه على السلطة مع ابن أخيه المعتز بالله المتوفي عام 869م…
والأخطر أن أمرَ هذه الشريحة الهامشية المارِقة سيستفحل عندما سيزداد وضع الدول في المشرق اضطرابا وضعفًا، لاسيما في عهد الدولة البويهية، حتى أصبح بعض الأمراء والسلاطين يتحالفون معهم ويوظفونهم في تنفيذ سياساتهم الداخلية والخارجية، بما فيها غزواتهم ضد الرُّوم… بل بلغ الأمر بعددٍ من الوزراء والأمراء إلى حد التفاهم سرا مع قادة بني عريان”..ــهم وحمايتهم مِن العِقاب بأشكال ملتوية مقابل تقاسُم غنائم سرقاتهم معهم… على غرار ما وقع في بغداد بين الوزير ابن شيرزاد سنة 945م وكبير اللصوص والشُّطَّار آنذاك ابن حمدي، وما حدث في المدينة ذاتها بين شقيق زوجة السلطان مسعود السلجوقي المتوفي سنة 1152م وكبار شُطَّار عهده.
عمومة تاريخية…؟ ربّما…
لكن ما لا يجب أن ننساه هو أن العيارين والشطار في المشرق كانوا يُعرفون أيضا بـ: “العُراة”، لأنهم كانوا خلال الاشتباكات النظامية وغير النظامية في ساحات القتال وعلى قارعة الطريق خلال أعمال اللصوصية والاعتداءات كانوا “يقاتلون عراة”، على حد تعبير المؤرخ/الجغرافي المسعودي في كتابه الشهير “مروج الذهب”، موضحا أنهم كانوا يرتدون “…في أوساطهم (أيْ وَسَط الجَسَد Ndlr) التبابين والميازر” فقط. بالإضافة إلى الطبري الذي تحدث بدوره عن “قوم عُراة لا سلاح معهم” سوى الجرأة والإقدام والحِيل القتالية التي تعودوا عليها خلال أعمال اللصوصية والصعلكة تحت شعار أحد شعرائهم جاء فيه:
وأسرُقُ مالَ اللهِ مِنْ كُلّ فاجرٍ *** وذي بِطْنة للطَّيبات أكُولِ
فهل توجد علاقة تاريخية بين تسميتهم ووصفهم في الجزائر بـ “بني عريان” أو “العرايا” وصفة “العُراة” التي استُخدمتْ منذ القرن 9م في المشرق في عهد الدولة العباسية…؟
كل المؤشرات تحفز على الإجابة بـ: نعم، لأن المؤثرات المشرقية ومفاهيمها كانت تصل إلى المغرب الإسلامي والأندلس دون انقطاع عبر الهجرة والتجار والحجاج والرحلات العلمية بين المجالين الجغرافين ولم تتوقف أبدا…
فوزي سعد الله