زرياب الموصلي المولد والبغدادي المنشأ والأندلسي القرطبي المقام والوفاة (173-243هـ/ 777-857م) أبو الحسن علي بن نافع المتعدد المواهب الطباخ الموسيقي العبقري من العصر العباسي. ولعذوبة صوته وبشرته الداكنة لُقِّب بـ زرياب (أي البلبل الأسود/الشحرور). وكان عالمًا بالشعر والطبيخ والغناء والتاريخ والفلك: ولم يكرم المسلمون زرياباً بقدر ما كرمه الغرب.
حين طلب الخليفة هارون الرشيد من إسحق الموصلي أن يأتيه بمغني جديد، أحضر إسحقُ تلميذه زرياب فغنى للخليفة وأجاد: (يا أيها الملك الميمون طائره هارون راح إليك الناس وابتكروا)، طار الرشيد فرحًا به وطلب من أستاذه إسحاق الإعتزاز به، إلا أن إسحاق داخله الحسد فهدّد زرياب، فخرج زرياب من بغداد للمغرب. وكاتب أمير قرطبة الحكم بن هشام الأموي. وحين وصل زرياب إلى الأندلس كان الحكم قد توفي، ووجد خليفته عبد الرحمن الثاني فاحتفى به وشغف بغناءه. وعرض عليه الأمير قصرًا وراتبًا شهريًا قدره مائتا دينار. وصار زرياب بمثابة وزير الثقافة. قام زرياب بنقل أجمل ما في بغداد إلى الأندلس؛ كان حلقة الوصل لنقل مظاهر الحضارة الاسلامية إلى الأندلس ومنها إلى أوروبا والعالم. ويعد زرياب بحق مبتكر فن الذوق العام أو ما يسمى اليوم بـ “الإتيكيت” (ومنه انتقل من الأندلس لباريس ولندن).
8. أدخل زرياب إلى أوروبا والعالم وجبات الطعام الثلاثية الأطباق Three-course meal: تقدم فيها الأطباق بالتعاقب (بدل تقديمها دفعة واحدةً) تبدأ بالمقبلات من الحساء (الشوربة والسواخن)، ثم يتبعها الطبق الرئيس من اللحم، أو السمك، أو الطيور، ثم تختتم بالحلوى من الفطائر المصنوعة من اللوز والجوز والعسل، والعجائن المعقودة بالفواكه المعطرة والمحشوة بالفستق والبندق. ولزرياب الفضل باستخدام آنية الزجاج الرقيق بدلاً من آنية الذهب والفضة (لجماليتها وسهولة تنظيفها ورخصها)، وباستبدال افتراش قماش الكتّان للبسائط والموائد فاستخدم سُفر الأديم (الجلد الناعم الرقيق) ليكون فرشًا على موائد الخشب، «إذ الوضر (الوسخ) يزول عن الأديم (الجلد) بأقل مسحة». كما ابتدع تنسيق الموائد الراقية وتنظيمها من حيث ترتيب الصحون واتخاذ السكاكين والشوك والملاعق، واصطناع الأصص للأزهار من الذهب والفضة. وقد استحسن الناس ذوقه في الأطعمة، فدلهم على صنوف محببة منها لم تعرفها الأندلس من قبل كتلك المسماة بـ(النقايا) وهو مصطنع بماء الكزبرى محلى بالسنبوسق (معجنات المحشوة باللوز والفستق والسكر (يشبه القطائف). وهو أول من أدخل إلى المطعم الإسباني طعام (الهليون) وهي بقلة لم يعرفها أهل الأندلس قبله، وقد سموها بلسانهم (الاسفراج Asparagus). ومن الحلوى ما يُنسبُ إليه إلى الآن وهي (زلابية) (تحريف زريابية).
9. إقامة الولائم الفخمة وترتيبها حيث نقلها من قصور العباسييّن لتكون في متناول ملوك وعامة الأندلس؛ وله الفضل بتعليم الأندلسيين طُرق الطهي العراقية. كان ذلك النواة الأولى لفخامة قصور ملوك الأندلس التي انتقلت من بعد لملوك أوروبا (مثل فرنسا وانجلترا).
10. نظام ارتداء الأزياء تبعًا لفصول السنة (Fashion show): تخيّر زرياب البساطة والتناسق ليلبس الناس الملابس القطنية الخفيفة البيضاء في فصل الصيف (يمتد في الأندلس من أواخر حزيران لأوائل تشرين الأول)، وأن يلبسوا في الخريف الثياب الملونة الداكنة ذات البطائن الكثيفة، وينتقلوا في فصل الشتاء البارد الى أثخن منها من الملونات، مع الفراء إذا احتاجوا، ثم ينتقلوا في الربيع إلى لبس جباب الخز والحرير والدراريع الملونة بلا بطائن. يذكر التلمساني (نفح الطيب) أن زرياب جمع العديد من الخصال المميزة حتى اتخذه ملوك الأندلس وخواصهم قدوة في ما يسّن من آداب أو مظاهر للتمدّن، ومن ذلك طرق تهذيب الشعر وقصه، حتى إنه سنّ ما يعرف اليوم بالخطوط العريضة للموضة والتي درجت بعد ذلك في أرجاء العالم مع تقلّب فصول السنة، إذ كان الأندلسيون قبل زرياب يرتدون ذات الثياب طيلة العام، ومع قدومه من المشرق جلب معه عادة تغيير الملابس وأنواع القماش وألوان الثياب حسب الفصول، وليس في ذلك ترف جماليّ وانشغال بالدنيا بقدر ما هو توظيف يتماشى مع الحالة المناخية.
11. رائد فن التجميل والعناية بالبشرة وإزالة رائحة العرق (Beauty therapy): وصف زرياب بالرجل الأنيق في كلامه وطعامه. وكان يلفت الأنظار بطريقته في الكلام والأكل والجلوس إلى المائدة. وكان يضع على مائدته الكثير من المناديل، هذه لليدين وهذا للشفتين وهذا للجبهة وهذا للعنق، وهو أول من لفت أنظار النساء إلى أن مناديل المرأة يجب أن تكون مختلفة اللون والحجم وأن تكون معطرة أيضًا. ومن السنن الحضارية التي جلبها زرياب من المشرق إلى الأندلس سُنة استعمال مزيل العرق والروائح السيئة مع ترك المكان نظيفًا زكيًا دون بقع على الملابس، إذ إن ملوك الأندلس كانوا يستخدمون الورد والريحان، فكانت ملابسهم لا تسلم من آثار البقع. «ومما سنّه لهم استعمال المرتك (بالفارسية المُرداسَنج أي الرصاص) لطرد ريح الصنان من جوانبهم. ولا شيء يقوم مقامه». كما علمهم طرق الخضاب وإزالة الشعر، واستعمال ما يشبه معجون الأسنان في أيامنا (بالفرشاة وخلاصة المسواك)، وأدخل إليهم طرقًا لقص شعر الرأس وتسريحه لم يعرفوها من قبل،
ذكر المقري أن زرياب دخل الأندلس وأهلها، نساءً ورجالاً يرسلون جممهم مفروقة إلى وسط الجبين، عامة للصدغين والحاجبين، «فلما رأى أهلها تحذيفه هو وولده ونساؤه لشعورهم، وتقصيرها دون جباههم، وتسويتها مع حواجبهم وتدويرها إلى أذانهم، وإسدالها إلى أصداغهم، هوت إليه أفئدتهم واستحسنوه». وعلّمهم تنظيف الملابس البيضاء مما يعلق بها من وضر (وسخ) بتصعيدها بالملح حتى يبيض لونها. ولما جربوها صارت سنة بفضله.
12. الموسيقى (Andalusian Muwashahat): اشتهر زرياب في الأندلس ولقّب بالقرطبي وسحر أهلها بصوته، حتى توهٍّم أن الجٍنّ هي التي تعلّمه. ولم يكن أثره مقصورًا على الأتيكيت بل ابتكر الموشحات الأندلسية (تتكون من الشعر والموشح والزجل). وأسس في قرطبة (دار المدنيات) للغناء والموسيقى يضم أبناءه الثمانية وابنتيه إضافة إلى عدد آخر من المغنين وتعتبر هذه أول مدرسة في أوروبا والعالم أسِسَت لتعليم علم الموسيقى والغناء وقواعدها. وقد أدخل زرياب على فن الغناء والموسيقى في الأندلس تحسينات كثيرة:
1. جعل للعود خمسة أوتار بدل أربعة.
2. أدخل على الموسيقى مقامات كثيرة لم تكن معروفة قبله.
3. جعل مضراب العود من ريش قوادم النسر بدلاً من الخشب أو أظافر اليد.
4. افتتاح الغناء بالنشيد قبل البدء بالنقر، وهو أول من وضع قواعد الغناء والامتحان للمبتدئين بتعلم ميزان الشعر وقراءة الأشعار على نقر الدف ليتعلم الميزان الغنائي.
5. السلم الموسيقي: ابتكر زرياب الوتر الخامس وصنعه من الأمعاء الدقيقة وأضافه للأوتار الأربعة (مصنوعة من الحرير وأصواتها غليظة) ولوّن كل منها بلون خاص: البمّ (أسود)، والمَثْلَث (أبيض)، والمَثْنى (أحمر)، والزير(أحمر)، والوتر الخامس سماه الزير الثاني (صبغه باللون الأحمر الدموي). واستخدام الأسماء العربية المذكورة لأوتار العود الخمسة حتى نهاية العصر العباسي (656هـ/ 1258م) إلى أن استبدلت بأسماء فارسية هي: (اليكاه- العشيران- الدوكاه- النوى- الكردان)، وظلت مستخدمة لتحل محلها الأسماء الغربية الحديثة: (فا صو لا سي دو ري مي ). بعد سقوط الأندلس انتقل تراث الموسيقى الأندلسية للمغرب حيث اشتهرت به تطوان والرباط وفاس، وحافظ عليه المورسكيون المدجّنون والمستعربون، وتناقلوه. واشتهر الفلاحون بـغناء الفلامنكو (مزيج من الدبكة والصفقة البغدادية) المنسوبة لزرياب وهي تحريف لـ(فلاح منغوم) حسب جاسون ويبستر.
وقد أثرت موسيقى زرياب في طلابه الأوروبيين (التروبادور troubadours )، يشتق اسمهم من كلمتي (طرب ودور) العربيتين (مقل المسحراتي المنشد الجوال: “إصحَ يا نايم، وحّد الدايم”). ونقل طلابه أسماء الآلات الموسيقية العربية للغات الأوروبية مثل: العود والربابة.
أسهَمَ الزواج المختلط والسبي بين المسلمين والإسبان في نقل الموسيقى العربية إلى أوروبا، كما أسهمت البعثات التي أرسلتها بعض الدول الأوروبية للدراسة في قرطبة في نقل علم الموسيقى العربية إليها. كما حدث مع جورج الثاني ملك انجلترا الذي بعث رسالة إلى الخليفة الأموي هشام الحكم يطلب فيها منه استقبال عدد من الطلاب الإنجليز للدراسة في معاهد الأندلس «لقد سمعنا عن الرقيّ العظيم الذي تمتعت بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا اقتباس أثركم، لنشر نور العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربعة».
من التجني إذن عدّ زرياب أحد أسباب سقوط الأندلس (كما يدّعي البعض) بسبب إدخاله الغناء وإلهاء المسلمين عن الصلاة والجهاد. فلقد سبقه الكثير من منشدي الغناء بالقدوم للأندلس (كإبن يزيد الإسكندري وزرقون وعلوم والعجفاء). يقول الفيلسوف ابن باجة (إن أهل الأندلس كانوا يغنون غناء النصارى قبل زرياب، ومع قدومه أصبح هناك “هوية وطابع غنائي أندلسيّ”. ثم إن زرياب انتقل من بغداد العباسيين في عصرهم الذهبي وقدم للأندلس في عصرها الذهبي أيضًا: عهد عبدالرحمن بن الحكم “792-852م” أي أنه دخل الأندلس قبل سقوطها (1492عام) بقرابة ستة قرون ونصف! ثم إن الأندلس شهدت وقتذاك أزهى عصور النهضة: عمرانيًا وزراعيًا واقتصاديًا وعسكرياً وفنيًا. فزرياب نتاج لهذا الرقي الحضاري وليس سببًا لإنهيار الأندلس (له أسباب أخرى). ووصل الجهاد الأندلسيّ وقتئذ لأقصاه، وخلالها تم إنشاء أول أسطول حربي هزم النورمان وعصابات الفايكنغ، ولم يهزم الأندلسيون خلالها قطّ. ولم يكن الحاكم الأندلسيّ الذي قرّب زريابًا بعيدًا عن الدين، بل كان حافظًا للحديث ويؤم المسلمين في الصلاة وقد قرّب الفقهاء وعظّم شأنهم، كما كان لسيادة المذهب المالكيّ في الأندلس دور في تخفيف حدّة التصادم بين الدين والفن، وانعكس ذلك في تطوير الموسيقى.



