Home تاريخ و تراث تساؤلات من أعماق حاضر أصبح يشبه الماضي…الفشل في رد المحتلين في 1830م بين جرأة الأجداد ومخاوف الأحفاد…

تساؤلات من أعماق حاضر أصبح يشبه الماضي…الفشل في رد المحتلين في 1830م بين جرأة الأجداد ومخاوف الأحفاد…

by Mohamed Redha Chettibi
0 comment
A+A-
Reset

بقلم المؤرخ المبدع الاستاذ فوزي سعد الله

الجزء الاول

في الخامس من يوليو من كل عام، نجتر إعلاميا بطريقة بافلوفية مملة ولا جديد فيها بأننا انتزعنا الاستقلال في مثل هذا اليوم من سنة 1962م. وإذا كان استرجاع الحرية في حد ذاته إنجازا عظيما جديرا بأن يُعتز به ويُفتخر، إلا أننا لا نتذكر إلا نادرا وبصوت خافت جدا وخجول بأن هذا اليوم هو يوم انهزامنا وإذلالنا في سنة 1830م أمام القوات المحتلة الفرنسية الغازية للبلاد بنحو 40 ألف عسكري بقيادة الجنرال دوبورمون (Debourmont). وبتفادينا نبش هذا الماضي المؤلم، فإننا، بالتالي، لا نفتح أبدا الجرح بما يكفي لنعرف كيف ولماذا انهار كل شيء فجأة وسقطت دولة كانت تتوفر على قدرات كبيرة وعمّرت لأكثر من 3 قرون كقوة إقليمية لا تتحرك سمكة في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط دون إذنها ورضاها…
ما الذي حدث بالضبط…؟ هل خان الداي حسين بن علي وحكومته الأمانة وباعوا البلاد لفرنسا مثلما اعتَقد، ويَعتَقد، البعض متأثرين بالدعاية الاستعمارية؟ هل دافع الجزائريون عن بلادهم كما يُدافَع عن الأوطان أم أنهم تخاذلوا وتركوها تسقط لقمة سائغة بيد المحتلين ليدفعوا بعدها ثمنا باهظا وتراجيديا على مدى 132 عاما؟ وهل كان بإمكان الداي ورجاله والمؤسسة العسكرية وكل الجزائريين أن يفعلوا أكثر مما فعلوا…؟
لا نكاد نعرف اليوم إلا ومضات ضبابية عما حدث من يوم وصول الأسطول الفرنسي في منتصف يونيو/حزيران 1830م إلى مياه شبه جزيرة سيدي فرج، غرب العاصمة الجزائرية، حتى لحظة دخول القوات الغازية بعد نحو 3 أسابيع “المحروسة بالله” من مرتفعاتها الجنوبية الغربية عبر باب المدينة المعروف بـ “الباب الجديد”. ولا يبدو أننا نريد أن نعرف حتى الآن ما دام قد مرَّ أكثر من نصف قرن على الاستقلال دون أن يعمل الجزائريون على تطوير إدراكهم وفهمهم لِما حدث. بينما واجه أجدادنا، بإمكانياتهم المتواضعة، بشجاعة فائقة حقائقهم وأخطاءهم المُرة قبل قرابة 200 عام حتى وهُم في قلب المعارك في كرّ وفرّ من سيدي فرج وأُسْطَه وَالي إلى سيدي بن نور في جبل بوزرِّيعة وبرج مولاي حسن (حصن الإمبراطور) في حومة الثغريين تحت القصف ودوي الانفجارات ووسط صخب المشاة والآليات العسكرية وصهيل الخيول وقعقعة السيوف وأنين الجرحى ومشاهد الأشلاء المتطايرة في السماء… والذي لا يهتم بفهم ماضيه، تقول لنا تجارب التاريخ، سيختلّ لديه، دون أدنى شك، الحاضر والمستقبل…
الشريف الزهار: “كلما قرب انقضاء دولة، تولّى الأمرَ أشرارُها…”
نقيب أشراف الجزائر الحاج أحمد الشريف الزهّار، المولود سنة 1781م والذي عاصر انهيار الدولة الجزائرية/العثمانية من موقعه الاجتماعي كأحد عناصر النخبة الثقافية الدينية في مدينة الجزائر القريبين من السلطة والمطلعين على شؤونها، كان من بين الأكثر فهما لتطورات الأحداث في عهده عندما كثرت المؤشرات السلبية المتوالية على المدينة مع أصداء المعارك والتي لم تكن تبعث على التفاؤل. وقال الزهار بعمق فلسفي خلدوني يذهب إلى أبعد من هذا الصدام التاريخي بين الجزائر وفرنسا على الأرض الجزائرية في مذكراته المعروفة تحت عنوان “مذكرات الحاج أحمد الشريف الزهار” إن “…هذا شأن الدول. فكلما قرب انقضاء دولة، تولّى الأمرَ أشرارُها، والساعة لا تقوم إلا على أشرار الخلق” مذكرا في الوقت ذاته بما حدث للدولة الحفصية في تونس وآخر ملوكها الحسن وأبنائه. وفي ملاحظة ثمينة عن الحفصيين بعد تضعضع سلطتهم، ما زالت صالحة للكثير من حكّام دولنا اليوم ومن ساروا على نهجهم، أوضح الحاج أحمد الشريف الزهار بأن “…لمّا قدّر الله زوال المُلك من أيديهم استعانوا بالنصارى وملّكوهم البلاد، كذلك الأتراك لما أراد الله خراب ملكهم، تولى آخرهم هذا…”، الذي يقصد به الداي حسين باشا بن علي، في انتقاد ساخط عليه بعد وقوع الكارثة، رغم ثنائه عليه وإطرائه في العديد من القضايا الأخرى بل في أغلبها…
بالنسبة للزهار، كان تصرف حسين باشا القاسي مع قريبيْن لِسابقِه علي خوجة بعيْد اعتلائه الحُكم، وهما الشخصية القوية في الدولة الحاج مصطفى بن الشيخ بن مالك صهر علي خوجة وابن أخيه، مؤشرا على بداية النهاية. وبرأيه، “…في ذلك الوقت كانت نهاية مُلك الأتراك، وكل ما زادت مدتهم عن ذلك كان فائدة…”.
حمدان بن عثمان خوجة: الرداءة وتغييب “الرجل المناسب” من “المكان المناسب”
لم يأت مثل هذا التقييم للمأساة من الزهار لوحده بل تتفق ملاحظاته مع انتقادات غيره من الجزائريين المعاصرين لعملية الاحتلال، لاسيما حديث رجُل الأعمال والسياسي/الدبلوماسي حمدان بن عثمان خوجة، المقرَّب من الداي حسين ومَن سبقوه من الدايات والبايات وقادة الجيش، في كتابه Le Miroir (المرآة) عن شيوع تقليد المسؤوليات في زمانه لرموز الرداءة ومَن لا كفاءة لهم وتجنيد كل من هب ودب في القوات المسلحة الجزائرية، عكس ما كان يحدث في السابق عندما لم يكن يُقبل في الجيش “إلا الرجال الأمناء”، على حد قوله، والنزهاء… وهذا، برأيه، ما فسح المجال أمام هؤلاء المجنَّدين الرديئين لارتكاب مختلف المظالم و”التجاوزات في حق البدو والقبايل”، على حد قوله، والإقدام على تنظيم التمردات العسكرية ضد السلطة و”الثورات والإطاحة برؤساء الدولة على هواهم”، كما أضاف، لاسيما منذ الانقلاب العسكري على الداي مصطفى باشا (1798م-1805م) وقتله…
فوزي سعد الله
في الصورة اعلاه : قوات الاحتلال تدخل صباح يوم 5 يوليو 1830م مدينة الجزائر من جهتها الجنوبية الغربية، من “الباب الجديد”، وعلى رأسها قائد الحملة الاستعمارية الجنرال  دوبورمون.

You may also like

Leave a Comment

روابط سريعة

من نحن

فريق من المتطوعين تحت إشراف HOPE JZR مؤسس الموقع ، مدفوعا بالرغبة في زرع الأمل من خلال اقتراح حلول فعالة للمشاكل القائمة من خلال مساهماتكم في مختلف القطاعات من أجل التقارب جميعا نحو جزائر جديدة ، جزائرية جزائرية ، تعددية وفخورة بتنوعها الثقافي. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة القائمة «الجزائر الجزائرية»

من نحن

جمع Hope JZR ، مؤسس الموقع ومالك قناة YouTube التي تحمل نفس الاسم ، حول مشروعه فريقا من المتطوعين من الأراضي الوطنية والشتات مع ملفات تعريف متنوعة بقدر ما هي متنوعة ، دائرة من الوطنيين التي تحمل فقط ، لك وحماسك للتوسع. في الواقع، ندعوكم، أيها المواطنون ذوو العقلية الإيجابية والبناءة، للانضمام إلينا، من خلال مساهماتكم، في مغامرة الدفاع عن الجزائر الجديدة هذه وبنائها.

ما الذي نفعله

نحن نعمل بشكل مستمر ودقيق لتزويد الجمهور بمعلومات موثوقة وموضوعية وإيجابية بشكل بارز.

مخلصين لعقيدة المؤسس المتمثلة في “زرع الأمل” ، فإن طموحنا هو خلق ديناميكية متحمسة (دون صب في النشوة) ، وتوحيد الكفاءات في خدمة وطنهم. إن إصداراتنا كما ستلاحظون ستسلط الضوء دائما على الأداء الإيجابي والإنجازات في مختلف المجالات، كما تعكس منتقدينا كلما رأينا مشاكل تؤثر على حياة مواطنينا، أو تقدم حلولا مناسبة أو تدعو نخبنا للمساعدة في حلها. 

مهمتنا

هدفنا الفريد هو جعل هذه المنصة الأولى في الجزائر التي تكرس حصريا للمعلومات الإيجابية التي تزرع الأمل بين شبابنا وتغريهم بالمشاركة في تنمية بلدنا.

إن بناء هذه الجزائر الجديدة التي نحلم بها والتي نطمح إليها سيكون عملا جماعيا لكل المواطنين الغيورين من عظمة أمتهم وتأثيرها.

ستكون الضامن للحفاظ على استقلالها وسيادتها وستحترم إرث وتضحيات شهدائنا الباسلة.

© 2023 – Jazair Hope. All Rights Reserved. 

Contact Us At : info@jazairhope.org