Home تاريخ و تراث “دار الغريب”… جبَّانة القَطَّار…فن الموت في “المحروسة بالله”…

“دار الغريب”… جبَّانة القَطَّار…فن الموت في “المحروسة بالله”…

by Mohamed Redha Chettibi
0 comment
A+A-
Reset

بققلم  المؤرخ فوزي سعد الله

Aucune description de photo disponible.لم يبق من المقابر العريقة بالقصبة بعد تلك التي حرثها الاستعمار بباب الوادي في القرن 19م سوى مقبرة القطار. لكن ماذا بقي من جمالها وحرمتها اليوم ..؟
كانت قصبة الجزائر مدينة يتعايش فيها الأحياء والموتى في انسجام روحي بهر كل الذين زاروها في القرون الماضية. مدينة تنتشر فيها الديار والقصور والمساجد والزوايا… وفي حدائق هذه البنايات كانت الأضرحة والقبورالخاصة ديكورا روحيا وزينة تصوفية لأهلها وهمزة وصل بين البعدين الدنيوي والروحي لسكان المدينة. لقد كانت نوافذ مطلة على الآخرة…
كانت القصبة ميَّالة لدفن موتاها من غير النخبة والأرستقراطية، باستثناء بعض الحالات الخاصة، في المقابر العامة خارج الأسوار في باب الوادي، لذلك كانت البقعة التي تحتضن الآن ثانوية الأمير عبد القادر والمديرية العامة للأمن الوطني وحديقة مارانغو والضواحي المحيطة بها عبارة عن مساحات مخصصة للدفن وموزعة بين الأديان الثلاثة: الإسلام المسيحية واليهودية التي تعايشت طيلة قرون طويلة في وئام. لكن لم يبق من هذه المقابر الشهيرة اليوم إلا ما حفظته لنا عنها المؤلفات التاريخية والبحوث الأثرية لأن الاستعمار حرثها حرثا وانتهك حرماتها بحجة توسيع مدينة الجزائر وبناء حي باب الوادي للمعمرين. وكم من بناية هناك ارتفعت على أنقاض الهياكل العظمية ورفات الأموات التي مازال بعضها حبيس أسس المدينة الأوروبية الجديدة .
عظام للتصنيع
“لقد ألقينا بِرُفات الموتى في العراء لتتقاذفها الرياح، يقول ميشال هابارت في “قصة اليمين الحانث” (L’histoir d’un parjure)، وجاءت هذه “الرياح” بالسفن لشحنها الى مرسيليا لتباع لمنتجي فحم العظام”. في نفس الوقت “استولى الماريشال كْلُوزِيلْ (خليفة الماريشال دُوبُورْمُونْت قائد الحملة الاستعمارية على الجزائرNdlr) على شواهد القبور المرمرية ليبني بها ثلاثة طاحونات..”، فشل حسب ميشال هابارت في تحريك أجنحتها. لقد كانت هذه المقابر الشعبية متعة للناظر، أثارت إعجاب كل من رآها من الرحالة ورجال السياسة الأروربيين مثل الإنجليزي الدكتور شو الذي اعتبرها حدائق قائمة بذاتها أثناء زيارته للجزائر بين 1720م و1732م حيث كانت كل عائلة تمتلك مربعا خاصا بها محاطا بجدار صغير.
من هذه المقابر العتيقة في مدينة سيدي الثعالبي، لم تبق سوى واحدة وحيدة كانت أصغرها سنا وأقلّها شأنا في نهايات العهد العثماني وهي مقبرة القطََّار التي يرى البعض أن بداية استخدام أراضيها في الدفن تعود إلى بدايات القرن 18م.
القَطَّار في الأصل “جَبَّانَة” للفقراء و للغرباء عن القصبة الذين انقطعت صلاتهم بذويهم ولم يجدوا من يتكفل بهم عند الموت، لذلك اشتهرت في الماضي باسم “دار الغريب”. وقد استمر وجود أمثال هؤلاء الغرباء عن المدينة، الهامشيين اجتماعيا واقتصاديا الذين كثيرا ما كانوا يعيشون على الصدقات، إلى غاية نهاية السبعينات من القرن 20م. وقد كانت غربتهم بشكل عام اختيارية ناتجة عن كونهم “بَرَّانيين” قادمين أحيانا من أوطان بعيدة، أوعَنْ خلافات عائلية-قبلية أو عن خيبات عاطفية أو مرتبطة بآفات معينة كالكحول أو المخدرات…اقتضت أن ينفوا أنفسهم فاشتغلوا في الحمامات أو حمالين في الأسواق إلى غاية انقراضهم وفسحهم المجال لأجيال جديدة من الهامشيين. ولم تكن مساحة القَطَّار تتعدى مربعا صغيرا قبل النصف الثاني من القرن 19م ثم أعطاها الاستعمار وضعيتها القانونية الجديدة كمقبرة عمومية عادية لا تختلف عن غيرها من المقابر الإسلامية، تستوعب الموتى من جميع الشرائح والطبقات والأعمار، وهو ما جعلها اليوم تحتوي على قبور تعود إلى نهاية القرن الماضي في بعض أركانها العتيقة التي تعرف بما يُسمَّي: “الجَبَّانَة القْدِيمَة” التي سُمِّيَتْ أيضا في العهد الاستعماري “الفريزي” نسبة إلى المعمر المالطي الذي كان يشرف على تسييرها حسب أحد إطارات مؤسسة الجنائز والمقابر ببولوغين .
أزمة سكن “حتى في المقبرة”
“دار الغريب” الصغيرة أصبحت اليوم بعد أن ضاقت بموتاها تتربع على 18570م2 (57ha18 ) بحيث أضيف إلى الجبانة القديمة ” النواة” ، المساحات الشاسعة المعروفة بالجبانة الجديدة منذ الستينات ، قبل أن تضاف إليها مساحة أخرى تنحدر مع السلالم المؤدية إلى حي مناخ فرنسا والتي كانت حتى بداية الثمانينات عبارة عن حي سكني قصديري يعود ظهوره إلى عهد الحرب العالمية الثانية. ولما لم تعد هذه البقعة الإضافية قادرة على استيعاب “المسافرين إلى دار الآخرة “، كما كان يردد أحد أئمة القصبة في الثمانينات، بدأ حفارو القبور يستغلون حتى ممرات السيارات والمشاة داخل المقبرة في عمليات الدفن ولو على حساب نظام المقبرة وأمن وراحة العجائز والشيوخ الذين أصبحوا يجدون صعوبة كبيرة في تسلق مرتفعات المقبرة الوعرة للوصول إلى قبور ذويهم في الأعياد والمواسم الدينية. وأمام هذا “الانفجار السكاني” أصبح الحصول على قبر داخل “دار الغريب” من المستحيلات التي لا تتحقق إلا “بِخيطْ صْحِيحْ”، أي بالعلاقات والتدخلات الخاصة، لأن أهل المقبرة أدرى بشعابها وبالبقع والأركان التي لا زالت تحتمل استقبال موتى إضافيين.
بفضل عراقتها، “دار الغريب”، التي سحرت الكاتبة الفرنسية لوسيان فافر(Lucienne Favre) في الخمسينيات، هي في الحقيقة متحف للآثار الآدمية للعائلات العاصمية العريقة ولشخصياتها الثقافية والسياسية والدينية التي التقت جميعا هناك خلف قصبتها وضجيج أسواقها وأطفالها المرحين حول عيون الماء ودكاكين الحلويات و”الكتاتيب القرآنية”. وهي متحف أيضا يسلط الأضواء على علاقة المدينة بأمواتها وعلى فلسفة الموت وطقوسها عند أهل “المحروسة بالله”. في هذه المقبرة، التي تشبه نظيرتيها الباريسية “بيرْلاشيزْ” (Père la chaise) و”مُونْبَارْنَاسْ”(Montparnasse) من حيث قِدمها ومكانتها التاريخية، ينام سواسية كل من الحاج محمد العنقاء، الحاج مْنَوَّرْ، الحاج مْرِيزَقْ، فضيلة الجزائرية، مريم فَكَّايْ، اللاّيَامْنَة بنت الحاج المهدي، رْوِيشَدْ، والمناضل الكبير من أجل القضية الفلسطينية الذي اغتالته أجهزة الموساد بباريس سنة 1973 الشهيد محمد بودية، وحتى حْسِيسَنْ مَانْيُوسْ أحد أهمّ توابل الحياة اليومية في قصبة العشريات الثلاثة الأخيرة.
“مقبرة للزواج والصعلكة”
تحتفظ “الجبانة القديمة” ببعض نماذج القبور العتيقة الأنيقة المُزَيَّنَة بقبب مَرْمَرِيَة أو زَّلِّيجِيَة لازالت تشع جمالا رغم أثار القرون… وتعلو الشواهد فيها مشرفة على مأكل وشراب الطيور الذي تذرره النساء هناك كلما زرن موتاهن أيام الجمعة وأثناء المواسم والأعياد. وحول القبور تَعَوَّدَتْ تلك النساء على اللقاءات الطويلة الحميمية لتبادل أطراف الحديث والأخبار حول حياتهن اليومية ولعقد صفقات الزواج بالنسبة للفتيات العازبات اللواتى يغتنمن هذه الزيارة “لضمان المستقبل”..، لكن ليس بالمعنى السياسي الذي كان سائدا عند حكومات جزائر الثمانينيات من القرن 20م.
عن هذه الأجواء السعيدة في فضاء حزين بطبيعته ويرمز للألم، كتبت لوسيان فافر: “على شواهد القبور تسهر عادة أشجار التين (على الموتى)…، وتجلس تحت ظلالها الجميلة الزائرات لتجاذب أطراف الحديث وتناول الزاد الذي جلبنه معهن…(و) الأطفال يَجْرون (..) كالعصافير..”. ومن بين تلك النسوة، تضيف فافر: “هناك زائرات جد جميلات (…) بحيث أن وجوه بعض الفتيات والنساء منهن شرقية في غاية النضارة والسحر تفتن القلوب. (..) إحداهن تحمل حفنة ماء، لرش النبات المحيط بشواهد القبر، تغترفه من “قَزْدِيرَة” بإناء صغير ثم تذرره بأيديها لتنسكب قطراته بين أصابعها كاللؤلؤ. كما لا تنس تلك النساء إطعام العصافير بفُتاة الخبز فوق االقبور”.
اليوم، المقبرة ليست كما كانت بعد أن ألحقت بها الصعلكة بعض الأذى…
لكن هذا لا يُنسينا أن في مقابرنا، كنا نُحسن الموت ونتفنن في ما بعد الموت، لأننا، ونحن ننتظر الرحيل إلى الدار الآخرة، كنا نجيد فن الحياة دون أن تنسينا متعة العيش بأن سكان تلك القبور هم “السابقون” الذين يلتحق بهم في كل لحظة ودون هوادة “اللاحقون”…
اللوحة للفنان الإسباني أندري سوريدا (André Sureda) (1872م – 1930م): “نساء في جبانة القطار”.
https://web.facebook.com/fawzi.sadallah

You may also like

Leave a Comment

روابط سريعة

من نحن

فريق من المتطوعين تحت إشراف HOPE JZR مؤسس الموقع ، مدفوعا بالرغبة في زرع الأمل من خلال اقتراح حلول فعالة للمشاكل القائمة من خلال مساهماتكم في مختلف القطاعات من أجل التقارب جميعا نحو جزائر جديدة ، جزائرية جزائرية ، تعددية وفخورة بتنوعها الثقافي. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة القائمة «الجزائر الجزائرية»

من نحن

جمع Hope JZR ، مؤسس الموقع ومالك قناة YouTube التي تحمل نفس الاسم ، حول مشروعه فريقا من المتطوعين من الأراضي الوطنية والشتات مع ملفات تعريف متنوعة بقدر ما هي متنوعة ، دائرة من الوطنيين التي تحمل فقط ، لك وحماسك للتوسع. في الواقع، ندعوكم، أيها المواطنون ذوو العقلية الإيجابية والبناءة، للانضمام إلينا، من خلال مساهماتكم، في مغامرة الدفاع عن الجزائر الجديدة هذه وبنائها.

ما الذي نفعله

نحن نعمل بشكل مستمر ودقيق لتزويد الجمهور بمعلومات موثوقة وموضوعية وإيجابية بشكل بارز.

مخلصين لعقيدة المؤسس المتمثلة في “زرع الأمل” ، فإن طموحنا هو خلق ديناميكية متحمسة (دون صب في النشوة) ، وتوحيد الكفاءات في خدمة وطنهم. إن إصداراتنا كما ستلاحظون ستسلط الضوء دائما على الأداء الإيجابي والإنجازات في مختلف المجالات، كما تعكس منتقدينا كلما رأينا مشاكل تؤثر على حياة مواطنينا، أو تقدم حلولا مناسبة أو تدعو نخبنا للمساعدة في حلها. 

مهمتنا

هدفنا الفريد هو جعل هذه المنصة الأولى في الجزائر التي تكرس حصريا للمعلومات الإيجابية التي تزرع الأمل بين شبابنا وتغريهم بالمشاركة في تنمية بلدنا.

إن بناء هذه الجزائر الجديدة التي نحلم بها والتي نطمح إليها سيكون عملا جماعيا لكل المواطنين الغيورين من عظمة أمتهم وتأثيرها.

ستكون الضامن للحفاظ على استقلالها وسيادتها وستحترم إرث وتضحيات شهدائنا الباسلة.

© 2023 – Jazair Hope. All Rights Reserved. 

Contact Us At : info@jazairhope.org