مَن يتصور أن “القرصنة” في البحر المتوسط اختراع جزائري يعود إلى العهد العثماني، فإنه بعيد كل البعد عن الوقائع التاريخية التي شهدتها هذه المنطقة الحيوية، لأن هذه الهجمات البحرية أقدم بكثير من الحقبة العثمانية، بل كانت راسخة منذ فترة طويلة سابقة في تقاليد العلاقات بين دول البحر الأبيض المتوسط وجواره في سياق الصراع الجيوسياسي والتنافس الاقتصادي للأمم. ويُجمع أغلب الباحثين المتخصصين الجدِّيين اليوم على أن الأمم الأوروبية المسيحية، الجنوبية كالممالك الإسبانية والشمالية كالفايْكينْغْ، كانت على رأس القوى الأبرز التي مارست “القرصنة” في هذا المجال البحري المتوسطي في القرن 14م بل وحتى قبله بكثير حينما كانت سُفن الفايكنغ تأتي من شمال القارة الأوروبية لتهجم على حين غرة على سواحل أوروبية وإسلامية، على حد سواء، من أجل النهب والسّبي كما جرى في المدن الساحلية الأندلسية كإشبيلية في سنة 844م خلال حُكم بني أمية.
بينما بقيتْ الهجمات البحرية المماثلة لأهل الأندلس والمغرب الإسلامي على المصالح الأوروبية في مرتبة أدنى آنذاك قبل أن تتفوق عليها لاحقًا أممُ دول الضفة الجنوبية للمتوسط، في سياق صراع دولي شرس منذ بداية القرن 16م، وفي طليعتها تلك التي التحقتْ بالإمبراطورية العثمانية كالجزائر وتونس وليبيا وأيضا الدويْلة التي أقامها أهل الأندلس بين 1627م و1668م في مدينتيْ سلا والرباط بالمغرب الأقصى المعروفة بـ: “جمهورية أبي رقراق”.
كذلك يُخطأ مَن يعتقد أن “القرصنة” كانت في الجزائر مقتصرة على مدينة الجزائر وأن الذين مارسوها هم “مرتزقة أجانب”، أوروبيون و”أتراك”، انخرطوا في القوات الجزائرية – العثمانية كمغامرين بغرض الإثراء من النهب والسلب و”اللصوصية” البحرية. لماذا؟ لأن هؤلاء “المرتزقة” ما كانوا مرتزقة أو لصوصا ولا قُطَّاع طُرُق يعتدون على السفن على هواهم أو لمصلحتهم الخاصة، بل كانوا مجاهدين منخرطين في سياسة خارجية مدروسة، لا يحيدون عنها، لدولةٍ هي دولتهم التي كانت تدافع بشراسة وشجاعة كبيرة عن أراضيها وسيادتها التي بقيتْ مهدَّدة دون انقطاع، وتمكنتْ، مع ذلك، من الصمود أكثر من 3 قرون، رغم حجم العدوان الدولي الكبير عليها، قبل انهيارها عام 1830م.
كذلك، لا يجب إغفال أن هؤلاء “المرتزقة” كانوا مسلمين مهما تنوعت أصولهم الجغرافية والعرقية،، أي أبناء المجال الحضاري الإسلامي اختيارًا واندماجًا كاملاً ورسوخًا في المنطقة جيلا بعد جيل وليسوا أجانب. وذلك، فضلاً عن كوْن غالبيتُهم متواضعي الحال ماديًا، وأنا أتحدَّث هنا عن ريّاس البحر بشكل خاص وليس عن رجال البحرية البُسطاء، فيما يُعتقَد خطأً أنهم كانوا من أغنى الأغنياء بفضل غزواتهم البحرية. وهذا ما تخبرنا به وثائق الأرشيف في بحوث وأعمال كل من المرحومة عائشة غَطَّاس وخليفة حمَّاش والمنوّر مَرّوش وفريد خياري وحتى الباحث الإسرائيلي تال شوفال، وهي حقائق موثَّقة تُكذِّب ما ردده طيلة قرون التاريخ الصليبي والاستعماري عن الجهاد البحري. بل تشهد وثائق التركات بعد الوفاة أن بعض رجال البحر فارقوا الحياة وهم يكسبون قوتهم اليومي بالكاد. أمّا ثروة الرايس حميدو بن علي، آخر عمالقة البحر ومشاهيرهم الجزائريين الذي استشهد في معركة غير متكافئة ضد القوات البحرية الأمريكية سنة 1815م، فإنها لم تكن بمستوى ما يتخيله الكثير من الناس وهي لا تُقارَن بتركة الرّايس علي بتشين الذي كان أحد أقوى وأغنى رجال البحر الجزائريين في القرن 17م.
الجهاد البحري، أو “القرصنة”، كان ينطلق في الجزائر من عدة قواعد بحرية على طول سواحل البلاد، من بينها جيجل وعنابة وشرشال وتنس ومدينة الجزائر “المحروسة بالله” وبجاية ومستغانم…
في مدينة لِيفُورْنُو (Leghorno)، بقلب توسكانيا الإيطالية، يوجد إلى اليوم نصب تذكاري لتلك الأيام وتمجيدي للانتصارات التوسكانية-الإيطالية على المسلمين المغاربيين أقامه سنة 1623م دوق هذه المقاطعة وحاكمها ويتضمن تماثيل 4 من المُورْ، أيْ المسلمون المنحدرون من شمال إفريقيا، مُكبَّلين بالحديد يرمزون إلى الأسرى ضحايا “القرصنة” الإيطالية وفوقهم الدوق ذاته شاهرا سيفَه فوق رقابهم…
https://web.facebook.com/fawzi.sadallah