Home تاريخ و تراث عن “القرصنة” والأسرى الجزائريين العثمانيين..من عنابة وقسنطينة حتى بجاية وجيجل..المستعبَدين في إيطاليا

عن “القرصنة” والأسرى الجزائريين العثمانيين..من عنابة وقسنطينة حتى بجاية وجيجل..المستعبَدين في إيطاليا

by Mohamed Redha Chettibi
0 comment
A+A-
Reset

مَن يتصور أن “القرصنة” في البحر المتوسط اختراع جزائري يعود إلى العهد العثماني، فإنه بعيد كل البعد عن الوقائع التاريخية التي شهدتها هذه المنطقة الحيوية، لأن هذه الهجمات البحرية أقدم بكثير من الحقبة العثمانية، بل كانت راسخة منذ فترة طويلة سابقة في تقاليد العلاقات بين دول البحر الأبيض المتوسط وجواره في سياق الصراع الجيوسياسي والتنافس الاقتصادي للأمم. ويُجمع أغلب الباحثين المتخصصين الجدِّيين اليوم على أن الأمم الأوروبية المسيحية، الجنوبية كالممالك الإسبانية والشمالية كالفايْكينْغْ، كانت على رأس القوى الأبرز التي مارست “القرصنة” في هذا المجال البحري المتوسطي في القرن 14م بل وحتى قبله بكثير حينما كانت سُفن الفايكنغ تأتي من شمال القارة الأوروبية لتهجم على حين غرة على سواحل أوروبية وإسلامية، على حد سواء، من أجل النهب والسّبي كما جرى في المدن الساحلية الأندلسية كإشبيلية في سنة 844م خلال حُكم بني أمية.

بينما بقيتْ الهجمات البحرية المماثلة لأهل الأندلس والمغرب الإسلامي على المصالح الأوروبية في مرتبة أدنى آنذاك قبل أن تتفوق عليها لاحقًا أممُ دول الضفة الجنوبية للمتوسط، في سياق صراع دولي شرس منذ بداية القرن 16م، وفي طليعتها تلك التي التحقتْ بالإمبراطورية العثمانية كالجزائر وتونس وليبيا وأيضا الدويْلة التي أقامها أهل الأندلس بين 1627م و1668م في مدينتيْ سلا والرباط بالمغرب الأقصى المعروفة بـ: “جمهورية أبي رقراق”.

كذلك يُخطأ مَن يعتقد أن “القرصنة” كانت في الجزائر مقتصرة على مدينة الجزائر وأن الذين مارسوها هم “مرتزقة أجانب”، أوروبيون و”أتراك”، انخرطوا في القوات الجزائرية – العثمانية كمغامرين بغرض الإثراء من النهب والسلب و”اللصوصية” البحرية. لماذا؟ لأن هؤلاء “المرتزقة” ما كانوا مرتزقة أو لصوصا ولا قُطَّاع طُرُق يعتدون على السفن على هواهم أو لمصلحتهم الخاصة، بل كانوا مجاهدين منخرطين في سياسة خارجية مدروسة، لا يحيدون عنها، لدولةٍ هي دولتهم التي كانت تدافع بشراسة وشجاعة كبيرة عن أراضيها وسيادتها التي بقيتْ مهدَّدة دون انقطاع، وتمكنتْ، مع ذلك، من الصمود أكثر من 3 قرون، رغم حجم العدوان الدولي الكبير عليها، قبل انهيارها عام 1830م.

كذلك، لا يجب إغفال أن هؤلاء “المرتزقة” كانوا مسلمين مهما تنوعت أصولهم الجغرافية والعرقية،، أي أبناء المجال الحضاري الإسلامي اختيارًا واندماجًا كاملاً ورسوخًا في المنطقة جيلا بعد جيل وليسوا أجانب. وذلك، فضلاً عن كوْن غالبيتُهم متواضعي الحال ماديًا، وأنا أتحدَّث هنا عن ريّاس البحر بشكل خاص وليس عن رجال البحرية البُسطاء، فيما يُعتقَد خطأً أنهم كانوا من أغنى الأغنياء بفضل غزواتهم البحرية. وهذا ما تخبرنا به وثائق الأرشيف في بحوث وأعمال كل من المرحومة عائشة غَطَّاس وخليفة حمَّاش والمنوّر مَرّوش وفريد خياري وحتى الباحث الإسرائيلي تال شوفال، وهي حقائق موثَّقة تُكذِّب ما ردده طيلة قرون التاريخ الصليبي والاستعماري عن الجهاد البحري. بل تشهد وثائق التركات بعد الوفاة أن بعض رجال البحر فارقوا الحياة وهم يكسبون قوتهم اليومي بالكاد. أمّا ثروة الرايس حميدو بن علي، آخر عمالقة البحر ومشاهيرهم الجزائريين الذي استشهد في معركة غير متكافئة ضد القوات البحرية الأمريكية سنة 1815م، فإنها لم تكن بمستوى ما يتخيله الكثير من الناس وهي لا تُقارَن بتركة الرّايس علي بتشين الذي كان أحد أقوى وأغنى رجال البحر الجزائريين في القرن 17م.

الجهاد البحري، أو “القرصنة”، كان ينطلق في الجزائر من عدة قواعد بحرية على طول سواحل البلاد، من بينها جيجل وعنابة وشرشال وتنس ومدينة الجزائر “المحروسة بالله” وبجاية ومستغانم…

قبل وفاته في سنة 1406م، ترك لنا الأندلسي عبد الرحمن ابن خلدون في كتابه الشهير “كتاب العِبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومَن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”، وبعد سنوات إقامته في الجزائر وبجاية (في شمال شرق الجزائر) تحديدا، شهادةً عن بعض ما بلغه أو عايشه عن “القرصنة”، بين القرن 14م والسنوات الأولى من القرن 15م، فكتب يقول: لقد “شَرَعَ في ذلك (أيْ “القرصنة” Ndlr) أهلُ بِجَايَة منذ ثلاثين سنة فيجتمع النفير والطائفة من غزاة البحر، يَضعون الأسطول ويتخيّرون له أبطال الرجال، ثم يركبونه إلى سواحل الفرنجة وجزائرهم على حين غفلة فيختطفون ما قدروا عليه، ويصطادون ما يلقون من أساطيل الكَفَرة فيظفرون بها غالبا ويعودون بالغنائم والسَّبْي والأسْرى، حتى امتلأتْ سواحل الثغور الغربية من بِجاية بأسراهم تضجّ طرق البلاد بضجّة السلاسل والأغلال”.
وكان أهل بجاية أيضا من ضحايا “القرصنة” الأوروبية الصليبية آنذاك وخلال القرون اللاحقة، في العهد العثماني، ولو أن البعض نسيَ ذلك اليوم. وسوف نعثر على عدد منهم ضمن قوائم الأسرى المستعبَدين في إيطاليا سنة 1723م لدى الفاتيكان في روما ولدى كبار ضباط وأثرياء إيطاليا، حسب وثائق الأرشيف الإيطالي بشكل عام والمؤسسة البابوية بشكل خاص. وقد نقل لنا أسماء بعضهم الباحث الجزائري إبراهيم سَعْيُود مثلما وجدها في وثائق الأرشيف البابوي والإيطالي، نذكر من بينهم حسان بن يوسف، وحسان بن أحمد، وموسى بن أحمد، وصالح بن محمد، وأحمد بن قاسم، ومحمد بن محمد، وأحمد بن علي، ومحمد بن مصطفى، وكذلك محمد بن عبد الله، وعبد الله بن محمد الزّواوِيَيْن اللذيْن لا نعرف بالتدقيق هل هما من أهل بجاية أو من قبائل زوَاوَة في جبال جَرْجَرَة المجاوِرة.
في قوائم الأسرى الجزائريين المستعبَدين في الفاتيكان، بشكل خاص، وفي إيطاليا بشكل عام، نعثر أيضا على أسماء من ضحايا “القرصنة” الأوروبية الصليبية ينحدرون من جهات أخرى من البلاد الجزائرية على غرار محمد بن مومن وأحمد بن علي المنحدريْن مِن مدينة قسنطينة، وكل من علي بن أحمد وأحمد بن منصور ورابح بن محمد من مدينة عَنَّابة، وأيضا أحمد بن قاسم الجيجلي، وكذلك أحمد بن قاسم التلمساني، وحتى مبروك بن مْحَمَّدْ البسْكري.
أما المنحدرون من مدينة الجزائر فإنهم يشكلون أغلبية الأسرى المستعبَدين آنذاك لدى البابا وفي كل الأراضي الإيطالية، من بينهم صالح بن أحمد ومحمد بن سايْجة وقارة علي بن أحمد وأحمد الشريف بن إبراهيم وعاشور بن محمد والرَّايس أحمد بن قاسم…إلخ.
ومثلما لا نعلم ظروف وقوعهم في الأسر، لا ندري كيف انتهت مأساة هؤلا، والذين تراوحت أعمارهم عادةً بين سنة واحدة وأكثر من 70 سنة، وهل تمكنوا من استعادة حريتهم والعودة إلى الجزائر بعد الأسر أم أنهم قضوا كل حياتهم في العبودية حتى وفاتهم، ونحن نعرف أن حظوظ الفدية واستعادة الحرية كانت ضعيفة جدا بالنسبة للأسرى الجزئريين في أوروبا مقارنة بحظوظ الأسرى الأوروبيين في الجزائر لأسباب متعددة ومتنوعة جزائرية وأوروبية…
.
لكننا نعرف، من جهة أخرى، أن عددا لا يُحصى من السفن الجزائرية التي أقلعت من مرافئ البلاد بغرض التجارة أو الحج إلى البقاع المقدسة أو السفر قد تمت قرصنتها والاستيلاء على ما فيها من ثروات وعباد على غرار 3 سفن استولى عليها في سنة 1681م قراصنة توسكانيا، الواقعة في شمال إيطاليا والتي ينحدر منها الرايس علي بتشين الإيطالي الجزائري، وقد تكللتْ بأسر 91 جزائريا حسب الباحث إبراهيم سعيود. وبعد 6 سنوات من هذه الكارثة، في 1687م، وقع 570 جزائريا في الأسر بالقرب من سواحل توسكانيا… ومثل هذه الحالات كثيرة تصعب الإحاطة بها جميعا وتحتاج إلى تكثيف جهود وإمكانيات الجامعات ومراكز البحوث العلمية المتخصصة، برعاية الدولة، لدراستها دراسة عميقة وإخراجها من غياهب النسيان، على الأقل احتراما لهؤلاء الرجال والنساء والأطفال الأسرى وتقديرا لتضحيات البحَّارة المجاهدين منهم…

في مدينة لِيفُورْنُو (Leghorno)، بقلب توسكانيا الإيطالية، يوجد إلى اليوم نصب تذكاري لتلك الأيام وتمجيدي للانتصارات التوسكانية-الإيطالية على المسلمين المغاربيين أقامه سنة 1623م دوق هذه المقاطعة وحاكمها ويتضمن تماثيل 4 من المُورْ، أيْ المسلمون المنحدرون من شمال إفريقيا، مُكبَّلين بالحديد يرمزون إلى الأسرى ضحايا “القرصنة” الإيطالية وفوقهم الدوق ذاته شاهرا سيفَه فوق رقابهم…

https://web.facebook.com/fawzi.sadallah

You may also like

Leave a Comment

روابط سريعة

من نحن

فريق من المتطوعين تحت إشراف HOPE JZR مؤسس الموقع ، مدفوعا بالرغبة في زرع الأمل من خلال اقتراح حلول فعالة للمشاكل القائمة من خلال مساهماتكم في مختلف القطاعات من أجل التقارب جميعا نحو جزائر جديدة ، جزائرية جزائرية ، تعددية وفخورة بتنوعها الثقافي. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة القائمة «الجزائر الجزائرية»

من نحن

جمع Hope JZR ، مؤسس الموقع ومالك قناة YouTube التي تحمل نفس الاسم ، حول مشروعه فريقا من المتطوعين من الأراضي الوطنية والشتات مع ملفات تعريف متنوعة بقدر ما هي متنوعة ، دائرة من الوطنيين التي تحمل فقط ، لك وحماسك للتوسع. في الواقع، ندعوكم، أيها المواطنون ذوو العقلية الإيجابية والبناءة، للانضمام إلينا، من خلال مساهماتكم، في مغامرة الدفاع عن الجزائر الجديدة هذه وبنائها.

ما الذي نفعله

نحن نعمل بشكل مستمر ودقيق لتزويد الجمهور بمعلومات موثوقة وموضوعية وإيجابية بشكل بارز.

مخلصين لعقيدة المؤسس المتمثلة في “زرع الأمل” ، فإن طموحنا هو خلق ديناميكية متحمسة (دون صب في النشوة) ، وتوحيد الكفاءات في خدمة وطنهم. إن إصداراتنا كما ستلاحظون ستسلط الضوء دائما على الأداء الإيجابي والإنجازات في مختلف المجالات، كما تعكس منتقدينا كلما رأينا مشاكل تؤثر على حياة مواطنينا، أو تقدم حلولا مناسبة أو تدعو نخبنا للمساعدة في حلها. 

مهمتنا

هدفنا الفريد هو جعل هذه المنصة الأولى في الجزائر التي تكرس حصريا للمعلومات الإيجابية التي تزرع الأمل بين شبابنا وتغريهم بالمشاركة في تنمية بلدنا.

إن بناء هذه الجزائر الجديدة التي نحلم بها والتي نطمح إليها سيكون عملا جماعيا لكل المواطنين الغيورين من عظمة أمتهم وتأثيرها.

ستكون الضامن للحفاظ على استقلالها وسيادتها وستحترم إرث وتضحيات شهدائنا الباسلة.

© 2023 – Jazair Hope. All Rights Reserved. 

Contact Us At : info@jazairhope.org