بقلم: عبد الخالق محمدي
تجتهد فرنسا الرسمية بمؤسساتها المختلفة على تأكيد أنها “عدوتنا التقليدية والدائمة” وأنها لن تتوقف عن استهداف الجزائر والكيد لها والعمل على اظهارها للعالم، أنها لم تخرج من الفلك الفرنسي، وأنها فعلا كما قال السفير السابق كزافيي دريانكور، هي “قضية داخلية”.
فرنسا الرسمية بمؤسساتها ودولتها العميقة، ورغم مبادرات “حسن النية” القادمة من أعلى هرم السلطة الجزائرية، لم تتوقف عن استهداف الجزائر وضرب مصالحها، ولم تكتفي بالتدخل السافر في شؤونها الداخلية خلال فترة الحراك بالعمل على فرض المرحلة الانتقالية على الشعب الجزائري، وبعدها توفير الحماية الكاملة للإرهابيين المطلوبين للعدالة الجزائرية على غرار رئيس منظمة “الماك” الإرهابية فرحات مهنى، وعناصر إرهابية منتمية لمنظمة “رشاد” وقبلها التحالف مع منظمات إرهابية تنشط في منطقة الساحل، حيث قامت بدفع فدية للإرهابيين وإطلاق سراحهم ودفعهم بطرق أو بأخرى لاستهداف الجزائر، وأيضا توفير الحماية لصحفيين همهم الوحيد “النُباح” ضد الجزائر، صباح مساء.
لقد انزعجت فرنسا ودولتها العميقة ويمينها المتطرف من تبني الدولة الجزائرية لمطالب الحراك المشروعة بدسترته ومن النجاح في إجراء الانتخابات الرئاسية والاستفتاء على التعديل الدستوري في نوفمبر 2020، لأنها قطعت بذلك الطريق أمام عرابي الفوضى ودعاة الفتن ومهندسي الدمار تحت مسميات براقة كالثورات الملونة والمراحل الانتقالية.
الدولة العميقة في فرنسا تعمل على اظهار الرئيس ايمانويل ماكرون، بإنه أعجز من أن يغيّر شيئا في واقع وطبيعة العلاقات القائمة بين البلدين منذ 200 سنة، بسبب عدم توفر الرغبة في التخلي عن المدرسة الكولونيالية والنظرة الامبريالية التي تخدم مصالح النخبة التي تحكم الغرب.
كان وزير العمل والضمان الاجتماعي، السابق الهاشمي جعبوب، على حق عندما وصف فرنسا بـ”العدو التقليدي والأبدي” للجزائر، وقبله بعقود وصف الجنرال جياب الامبريالية بالتلميذ الغبي، فرنسا لا تريد الخير للجزائر ولا تحب أن تراها قوية مستقلة في مواقفها، وأكثر من ذلك، لا تحب فرنسا رؤية رئيس جزائري قوي قادر على التعامل بنديّة معها وهو ما لم يخفيه سفراء فرنسا في الجزائر خلال السنوات الأخيرة.
لا يمكن أن تقبل فرنسا، رئيسا جزائريا قويًا يمنع الشركات الفرنسية من الاستمرار في افتراس الجزائر ونهبها في السر والعلن، أو يوقف عملية تهريب احتياطيات الصرف من خلال تضخيم الفواتير أو يعمل على تنويع شركائها واستثمار ثرواتها الباطنية وتطوير زراعتها وإنتاج محاصيل استراتيجية تمكنها من تحقيق الاستقلال الحقيقي والفعلي بعد تحقيق استقلالها السياسي قبل 60 عاما.
فرنسا مقتنعة بأن خسارة الجزائر، تعني خسارة كل افريقيا، ولهذا فهي لن تتوقف في العمل على اسقاط الجزائر، وهو ما يجعل مبادرات “حسن النية” تجاه الدولة التي قتلت 5.3 ملايين جزائري منذ 1830، مجرد مضيعة للجهد والوقت ومجرد حرث في مياه البحر الأبيض المتوسط.
إن سياسة الرئيس عبد المجيد تبون، التي تتمحور حول بناء جزائر جديدة رافضة لأيّة وصاية أو تدخل أجنبي، تزعج ولا تروق لمن يعنيهم الأمر وفي مقدمتهم فرنسا، خاصة في سياق المواقف الواضحة التي أكدها الرئيس تبون عندما أعلن بكل وضوح أن الجزائر تتعامل بندية مع فرنسا وأنها لا تحترم سوى من يحترمها، وأنها ترفض أن تدخل تحت جناح أي طرف.
فرنسا ودولتها العميقة، التي جندت سفرائها السابقين واعلامها لاستفزاز الجزائر، مرعوبة من فتح ملف الذاكرة، لأنه سيكشف جرائمها التي لا تسقط بالتقادم، وعلى رأسها الملف السري المتواجد بوزارة الدفاع الفرنسية، الذي كشفه مرصد التسلّح، الذي يفيد بوجود نفايات مشعة مدفونة في الصحراء الجزائرية، والذي سيذكّر كل العالم بجرائم فرنسا الاستعمارية التي قامت بتجارب دمار شامل نووية وكيماوية وباليستية في صحراء الجزائر، والتي لازالت تخلف ضحايا وأضراراً جسيمة بالإنسان والبيئة إلى اليوم.
الهلع الفرنسي تحول إلى حقيقة ماثلة للعيان، بعد التصريحات الأخيرة للرئيس عبد المجيد تبون، التي طالب فيها فرنسا رسميا وعلنيا ولأول مرة من رئيس جزائري، بتطهير الصحراء الجزائرية من المخلفات النووية التي فامت بها، ونحن عشية ذكرى تفجير اليربوع الازرق في 13 فبراير 1960 بمنطقة تنزروفت برقان في الجنوب الغربي.
لم تتصور فرنسا يوما أن يصل جزائري إلى الحكم ويتجرأ عليها بالكيفية التي أظهرها الرئيس عبد المجيد تبون، ولهذا فهي بدأت تحرك اذنابها وكلابها وعملائها لاستهدافه والتشويش عليه وعرقلة مشروعه، بل لن تتوانى فرنسا والحركى الجدد الذين شرعت في تهريبهم من الجزائر في العمل على قطع الطريق على السيد الرئيس للاستمرار في بناء مشروعه والمضي به إلى منتهاه لأنه سيحرر الجزائر نهائيا.
aljazairalyoum.dz