بقلم المؤرخ الاستاذ فوزي سعد الله
143
تقريبا، لا يوجد في مدينة الجزائر التاريخية، “المحروسة بالله”، التي يُطلق عليها منذ عهد الاحتلال اسم “القصبة”، مَن لا يعرف هذا الحمّام الشعبي القديم.
هذا الأخير يقع في حومة سوسطارة، التي هي اختزال لـ “السور والسطارة” أو بالأحرى الستارة، وهو الاسم الذي كان يُطلق على الجزء من السور المنحدر من هذه البقعة التي نشاهد في الصورة، أي السور والستارة، انطلاقا من الأعلى حيث “دار السلطان”، مقر الحُكم، الى غاية البحر بعد المرور بباب المدينة المعروف بـ “باب عَزُّون’ في الجانب السفلي لهذه الحاضرة من جهتها الجنوبية الشرقية.
وإذا كان الحمّام ذاته معروفا وعلى كل هذه الشعبية محليا، فإن اسمه أصبح مجهولا منذ أكثر من نصف قرن، على الأقل، منذ أن غاب اسمه من واجهته ومدخله الذي ما زال الى اليوم صامدا مثلما كان.
هذا الحمام هو “حمام بريهمات” نسبة للأسرة التي كانت تملكه وهي عائلة بريهمات المنحدرة من الأندلس. وكانت من عائلات النخبة الجزائرية في العهد العثماني بعد ان حلت بالبلاد بعد انهيار حكم المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 1492م.
أما معنى بريهمات فليس سوى تصغير لكلمة “إبراهيم” في وسط اجتماعي معروف بميله لصيغ التصغير في الأسماء منذ أن شاعت هذه الصيغ في الربوع الاندلسية وراجت في مختلف أوساط سكانها هناك الى ان نقلوا معهم تقاليدهم اللسانية الى مهاجرهم ومنافيهم الاسلامية على الضفة الجنوبية للبحر الابيض المتوسط.
كانت أسرة بريهمات الاندلسية تملك عدة ديار في مدينة الجزائر العثمانية، ولعل أشهرها تلك التي امتلكتها ليس بعيدا عن “قهوة العريش” في الحومة التي تحمل نفس الاسم، أي قهوة العريش، والتي تقع على مرمى حجر من الحمّام في الجهة العليا وبمحاذاة سور المدينة الجنوبي الغربي وأيضا عند أقدام “القلعة” الحصينة الساهرة على أمن أهل “البهجة” منذ نهاية القرن 16م الى سنة 1830م والتي أصبحت تُعرف بـ “دار السلطان” منذ أن حولها الداي علي خوجة سنة 1816م الى مقر الحُكم وتوفي فيها بعد نحو عام تاركا مقاليد السلطة لخليفته وآخر دايات الجزائر الداي حسين بن علي، أو الحسين، على الأرجح، بن الحسين…
كانت أسرة بريهمات الاندلسية صاحبة الديار والحمام معََا بيتا من بيوت العلم والثقافة في مدينة سيدي عبد الرحمان الثعالبي. ولعل أحد أشهر أبنائها المثقفين الشيخ بريهمات الذي كان خبيرا وعارفا أيضا بفن الغناء والموسيقى الحضرية المحلية المسماة منذ نحو قرن: الموسيقى الأندلسية، فيما كان يقال لها في العهد العثماني “صنعة غرناطة” أو بشكل مختصر “الصنعة”…
وإن كنا لا نعرف إن كان للشيخ بريهمات تلاميذ في الموسيقى، بغض النظر عن الذين تتلمذوا عليه في العلوم الاخرى، الا أننا نعرف أن المغنية الشهيرة في مدينة الجزائر، منذ نهاية القرن 19م والى غاية وفاتها سنة 1932م، اللاّ يامْنة بنت الحاج المهدي كانت ثمرة حهوده وتعليمه، على الاقل في بداية مشوارها وهي فتاة صغيرة ما زالت تصدح بصوتها وهي تلعب في وسط الدار او على السطوح بين أترابها في “القصبة”…
حمّام بريهمات اذن أكثر من كومة حجارة وتراب مرتبة حول هيكل بناء استحم فيه واستمتع كل من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال على مدى أجيال في هذه البقعة التاريخية من مدينة الجزائر… حمّام بريهمات تاريخ، إذن، وثقافة برمزية تراثية قوية، فضلا عن كونه فضاء اجتماعيا كان يدب بالحياة وليس أيّ حياة، لأنها كانت حياة “المحروسة”. و الى وقت قريب، كانت عقارب ساعته لا تزال تحكم وتيرة حياة الناس اليومية وزخمها، ولو نطق لكان قادرا على أن “يْعَمَّرْ ألف كتاب” مثلما كان يقول الحاج محمد العنقاء في أغنيته الشهيرة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي “الحْمَام اللي وَالَفْتُه مْشى عليَّ..ما بقى لي نسمع صوتُه في اغصاني”…
لكل، هذا، رجاءََ، لا تتركوا حمّام بريهمات يمشي، انهيارا كما تنهار كل بنايات وديار وقصور مدينة الجزائر التاريخية بلا مبالاة، بعد نحو عقد من الزمن من إغلاقه. لا تتركوا الحمّام الذاكرة يمشي مثلما مشى وطار ذات يوم حَمَام الحاج محمد العنقاء وتركه يغني بحرقة في قاعة ابن خلدون بالعاصمة الجزائرية وعلى سطوح “القصبة” في أعراس وافراح جزائر الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي …
العنقاء يغني “لحْمَام اللي والفته مشى علي…” : https://youtu.be/5fEClwygUxA