بقلم المؤرخ الاستاذ فوزي سعد الله
121
في أحد الأيام الحزينة من سنة 1957 وفي خضم التوتر الذي ساد أثناء “معركة الجزائر” (Bataille D’Alger) اختطفه الجيش الاستعماري برفقة أخيه محمد الأكبر منه سنا من البيت بالقصبة العليا، واقتادهما إلى مركز التعذيب قرب مسجد سيدي مْحَمَّد الشريف. هناك، حدث ما حدث…، ثم أَلْقَى بهما في غرفة مظلمة…
مع طلوع الفجر، انتبه إلى أن أخاه الأكبر الذي توسد رجليه النحيفتين بعد أن أنهكه التعذيب لم يتحرك منذ لحظات طويلة… واكتشف فجأة أنه قد مات شهيدا بين يديه… تحت الصدمة، صرخ حْسيسَنْ صرخة عنيفة كالزَّئِير بلغ صداها مختلف أرجاء حي سيدي مْحمَّد الشريف قبل أن يفقد الوعي ويدخل في غيبوبة طويلة…
كانت هذه الفاجعة أول خطوة له نحو الاختلال العقلي الذي سوف يلازمه باستمرار منذ نهاية الستينيات حتى وفاته عام 1994م.
“مجنون القرية” و”تشَباتشِقْ اللَّيَالِي”
لكن في هذه اللحظات لم يكن يعلم أنه سيصبح بهذا التحول أكثر أهمية بالقصبة وببعض أحياء الجزائر الوسطى وباب الوادي مما كان عليه قبل هذه الحادثة وهو يَتمتَّع بِكُلِّ قُدُرَاتِه العقلية. تحول بالفعل تدريجيا إلى مَعْلَم اجتماعي- ثقافي في قلب العاصمة طيلة ثلاثة عشريات وأصبح أحد أهم توابلها من خلال أدائه، الذي لم يختاره، دور “مجنون القرية” (Le Fou du Village) بِبُعْدِهِ الفلسفي- الفكاهي بنجاح مثير.
حْسِيسن مانْيوسْ (Manius) هو اللقب الذي أصبح يُعرف به منذ أن أطلقه أبوه عليه لأول مرة ويكون قد تمّ اشتقاقه من كلمة La Manie الفرنسية التي تعني الهَوْس…
لا يحتاج مانيوس إلى التعريف أو التذكير به لأن الناس الذين عرفوه بالقصبة وزملاء المهنة بالبريد والمواصلات لازالوا يحنون إلى خفة روحه وعباراته القوية الذكية وصيغاته اللغوية الفريدة من نوعها التي سرعان ما كان الناس يتبنونها بسهولة كبيرة لدقتها وقوتها التعبيرية، وأيضا لنكهتها الساخرة اللاذعة التي تحتوي على شحنة كبيرة من الدهاء. فهو أول من اجتهد لترجمة مصطلح Les boîtes de nuit قبل جمعية الدفاع عن اللغة العربية وهياكل التعريب التي سبقتها، وذلك منذ بداية السبعينيات.
فاختار لها صيغة شعبية، كثيرا ما تداولها الناس آنذاك بالقصبة، وهي “تْشَبَاتْشِقْ اللَّيَالِي” وتَرْجَمَ La chauve – souris أي طائر الخُفَّاش، إلى “الطُّوبَّة الفَرْطَاسَة” وله الكثير من الإبداعات في هذا “المضمار”، كما يقال عند كلاسيكيي لغة الضاد.
الصهر المستحيل لعائلة شوفالْيِي
عندما شفي حْسِيسَنْ مَانْيُوسْ من صدمة فقدانه لأخيه، تابع دراساته وأصبح منذ 1962م مُعَلِّمًا للغة الفرنسية التي كان يتذوقها ويتقنها جيدا. خلال هذه السنوات، تعرف على زميلةٍ له فرنسيةٍ تنتمي إلى عائلة شوفاليي (Chevalier) الفرنسية العريقة التي كان نائب مدينة الجزائر آنذاك، الشهير جاك شوفاليي، أحد أبرز أفرادها. فنشأت بينهما صداقة وثيقة تحولت إلى حب قوي حَلِمَا معاً بأن يثمر بالزواج، خصوصا وأن المعلمة الفرنسية بقيتْ بالجزائر بعد الاستقلال… لكن أب مَانْيُوسْ رفض الفكرة متذرعا بأنه لا يرضى بأن يتزوج ابنه من فتاة أجنبية غريبة لا يعرف لها أهلا أو أصلا بالجزائر. في الوقت الذي كان حسيسن قصبجيا أصيلا ومتفتحا في نفس الوقت على زمانه وعلى الثقافات الأخرى…
بعد معارضة أبيه ارتباطه بالمعلمة الفرنسية، غاب حسيسن عن الأنظار بضعة أيام، حيث سافر إلى مدينة إيكسْ أونْ بْروفونْس (Aix-en-Provence) بمقاطعة مرسيليا الفرنسية وعاد مرفوقا بأب فَتاتِه ليُفْشِل مناورة أبيه وذرائعه. غير أن أمله خاب عندما سمع أباه يرد على الفرنسي شوفالْيِيه، الذي كان يتوسل إليه بأن يبارك زواج حْسيسن من ابنته، بأن كرامته كجزائري حارب الاستعمار لا تسمح له بمصاهرة الاستعمار… حدث ذلك بالمقهى- النادي الذي كان تابعا لفريق اتحاد الجزائر لكرة القدم بسوسطارة في أواسط الستينيات.
فكان هذا المشهد صدمة كبرى وحاسمة لِحْسِيسَنْ أثَّرَتْ كثيرا على معنوياته وأدخلته عالم الإدمان لبضع سنوات. ومنذ تلك الصدمة لم يسترجع توازنه النفسي أبدا وفقد طمأنينته حتى وفاته.
وهكذا، في سنة 1995م، في قمة اختلاله ونضجه في نفس الوقت، فارق حسيسن سَقَّايْ المعروف بـ: مانيوس الحياة عن عمر يناهز 52 سنة تاركا وراءه فراغا هائلا بسوسطارة والقصبة لم يُملأ أبدا بعده. وقد شُيِّعتْ جنازته بمقبرة القطار في أجواء مهيبة حضرها جمهور غفير من الذين عرفوه وأحبوه كما يحدث في جنازات الشخصيات والوجهاء، لأن مانيوس لم يكن شخصا عاديا… لا هو “مجنون” تماما، ولا هو عاقل تماما.. بل بقي طيلة حياته يتأرجح بين الحكمة والجنون بذكاء فائق ساعد الناس على رؤية أنفسهم في مرآة انتقاداته الساخرة… لقد كان بانتقاداته الساخرة واللاذعة للمخطِئين المرآةَ العاكسة لنقائص الناس ونفاقاتهم الداعية ضمنيا إلى تقويم الذات، بل كان ضمير القصبة في هيئة “مجنون القرية” الذي نال احترام محبين والمتبرِّمين من لسعاته، بمن فيهم كبار مجاهدي الثورة التحريرية الذين كانوا يعرفونه منذ أيام الثورة على غرار الحاج معروف وعبد الغني مارسالي و دِيدِي حميد شيبان وعمي الطّاهر بوعديلة وبوعلام التُّوم وإلياس هنِّي وياسف سعدي وغيرهم من الشخصيات الوطنية كالفنان المسرحي مصطفى كاتب والوزير السابق عبد القادر زيْبَق الذي كان له الفضل في توظيفه في فترةٍ من حياته بمؤسسة البريد والمواصلات….