الذين ما زالوا يتهجمون على “البطاطا” استكبارا واحتقارا، نقول لهم: تخيلوا العالم بدونها وستعرفون حجم الكارثة التي ستحلبالبشرية…إنها الخبز الثاني للمعذبين في الأرض…وما أكثرهم، مع الأسف…
قبل حوالي 5 قرون، سافرت البطاطا لأول مرة خارج حدود بلادها بعد أن حزمت أمتعتها لتحط الرحال في القارة الأوروبية على متن سُفنالمغامرين الذين تلوا كريستوف كولومبس.
في العام 1534م، دخلت لأول مرة أيضا إلى أوروبا عن طريق إسبانيا الكاثوليكية، التي كانت في أوج عظمتها، كغنيمة حرب، لتجد نفسهامرغمة على الاحتكاك بثقافةٍ وشعوبٍ تختلف عن ثقافة وشعب الهنود الحُمر الذين كانوا أوّل من عرفوها وزرعوها في أمريكا اللاتينية. ومنأوروبا، سوف تنتشر في جميع بقاع العالم حتى أصبحت مادة أساسية لا يجرأ أحد على الاستغناء عنها على موائد الأغنياء والفقراءو“المعذبون في الأرض” على حد سواء.
هدية الهنود الحُمر إلى العالم
صَنَّفها القسُّ اللبناني الأب لويس معلوف في “منجد الطلاب” على أنها “نبات من أصل أمريكي من فصيلة الباذنجانيات، ثماره مختلفةالأشكال“. وتَحفَّظ العربُ تجاهها في بداية ظهورها في بلدانهم، لأنها جاءت على متن سُفن الجيوش الاستعمارية مُعزَّزة بآخر ما أنتَجتْهُالتَّرسانات الحربية الغربية، فتعاملوا معها بِتوجُّس وحذر شديديْن مادامت، برأيهم، من “بِدع” “الكُفَّار” و“أعداء” العرب والإسلام الذين ماأحبونا ولا تركونا لشأننا، ولا نحن صبرنا عن هواهم.
في البداية، اختاروا لها اسم “القلقاس الإفرنجي“، فيما خَصَّصُوا اسمًا مختلفا للبطاطا الحلوة فيه نكهة الأصول الأمريكية العريقة ما قبلالكولومبية، ويتمثل في “القلقاس الهندي” الذي هو عادة أكبر حَجمًا من البطاطا العادية. ولم يستقروا بعد عند اسم مُحدَّد لها، لأنهم مازالوايترددون بين كلمتيْ البطاطا والبطاطس التي تبدو أقرب لنظيرتها Patates (بطاطس) الإسبانية و“بُوتِيْتُوسْ” (Potatoes) الإنجليزية شائعةالاستخدام في المشرق العربي الذي تأثر بثقافة الاستعمار الأنجلوساكسوني.
وإذا كانت البطاطا مشهورة في كل أنحاء العالم، فإن العالم كثيرا ما ينسى أن لها قريبة في الصين لا تختلف عنها إلا من حيث الشكلتُدعى “البطاطا الصينية” التي وصفها لويس معلوف بأنها “نبتة آسيوية معرشة (…) لها جذور مختلفة وتُؤكَل كالبطاطا وتُزرَع في البلدانالحارة” كغيرها من أقربائها.
عانت البطاطا منذ بدايات وجودها في القارة الأوروبية من اضطهاد كبير. وقد اعترف الدكتور جان نيسبوم عام 1936م بالإجحاف القائم إلىغاية هذا العام في حقها والاحتقار الذي تعرضتْ له في كتابه الشهير “علوم وطبخ“.
لكن الفرنسي بارمونتْيي سبقه وطرح منذ القرن 18م قضيتها في المحافل العلمية والفضاءات الإعلامية، وملأ الدنيا صخبًا بالحديث والدفاععنها. بل ناضل طويلا من أجل رد الاعتبار لها. ولولاه، ربما، لَما أصبح الألمان خلال نهاية القرن الماضي أكثر شعوب العالم أكلاً للبطاطا، ولَمَاأبدع البلجيكيون في أساليب تحضيرها وطهيها حتى توصلوا إلى قمة اجتهاداتهم البَطاطِية وأكثرها شهرةً وشعبيةً، وهي “الفْريتْ“، أيْالبطاطا المقلية.
ولَوْلاَ بَارْمُونْتْيِي أيضا لأغْلَقتْ شركات “ماكدونالدس” و“كْوِيكْ” و“فْري تايْم” أبواب محلاتها العالمية المنتشِرة في جادات باريس ولندن وبرلينو نيويورك وتلك المحلات التي استولت دون حق على علاماتها التجارية دون اعتبار لـ: “حقوق التأليف” في الجزائر وقسنطينة ووهران وغيرهامن مدن وبلدات العالم التي لا تُجيد السير المحترَم في ركب الأمم. ويعود لهذا الباحث الفرنسي الفضل في تحرير الفرنسيين من عُقدهم تجاهالبطاطا وإقبالهم على أكلها رغم القذف والذَّم و“الإشاعات المُغرِضة“.
“خُبْزْ القَلِّيلْ”
في مطلع القرن 20م، تَكتلتْ مجموعة من الأطباء تلقائيا لتتهجَّم على هذه النِّعمة، التي يعتبرها الجزائريون “خبز القَلِّيلْ“، أيْ قُوت الفقير،وادَّعوا أنها تُسبِّب السّمنة وتُهيِّأ الظروف الملائمة داخل أجساد آكلي البطاطا لانقضاض مرض السّل عليهم. وقالوا عنها، والعُهدة علىالقائل، إنها عديمة القيمة من حيث فوائدها الغذائية، فَرَدَّ عليهم الدكتور جان نيسبوم مؤكِّدًا بالحجة والدليل بأن كل هذا الهرج والمرجإشاعات “خاطئة وليست سوى خزعبلات” معتمدا على أبحاث الدكتور الدانماركي هينداد التي دامت 33 سنة والتي اعتُبرتْ ثورة في العلومالغذائية آنذاك وأعادتْ للبطاطا مكانتها التي تليق بها والاحترام الجديرة به.
هذا العالم الدانماركي الذي بدأ أبحاثه حول البطاطا عام 1912م، توصل بتجارب ميدانية على صديق له إلى نتيجة ثورية مفادها أن للبطاطاقدرات غذائية هائلة ما دام صديقه عاش طيلة 6 أشهر كاملة دون أن تزيد وجبته عن 2.5 كلغ من هذه المادة يوميا مع قيامه بأشغال شاقَّةدون أن تَتَأثَّر أو تَتَغَيَّرَ صِحتُه قيد أنملة… هذا من الناحية الصحية، أما من الناحية الاقتصادية، فهذه التجربة بَيَّنَتْ أن الإنسان بإمكانهالعيش حياة عادية بـ: 35 سنتيما فقط يوميا، وهو سعر الـ: 2.5 كلغ من البطاطا في ذلك الوقت.
ثم حَسَمَ البروفيسور الألماني ألدرهالدن النقاش والجدل بشأن مدى غِنى البطاطا بالحريرات ونَسَف كل محاولات التشكيك في قيمتهاالغذائية قائلا: “لم يعد هناك أدنى شك في أنه يمكن العيش بالبطاطا فقط. إن هذه الأخيرة غذاء كامل“. وذهب إلى أبعد من هذا القول عندماأكد بأنها دواء يُشفي من الروماتيزم ومن أمراض أخرى كالقطرة.
عند هذا الحد، رَكعتْ أوروبا أمام عظمة البطاطا وسبَّحتْ بحمدها وتحوَّلت إلى ناشِر لرسالتها الغذائية ولبذورها حيثما حَلَّتْ جيوشُهاالاستعمارية حتى أصبح الإنتاج العالمي لهذه المادة يُقدَّر في عام 1984م بـ: 280 مليون طن، وهو اليوم في ارتفاع متزايد إلى أن بلغ عام2011م ما لا يقل عن 374 مليون طن، أيْ بمعدَل 12 ألف كلغ في الثانية الواحدة، قبل أن يبلغ 385 مليون طن في 2014.
وإذا كان الاتحاد السوفييتي، الذي وصلته البطاطا في كيس جلبه معه القيصرُ بْيير الكبير (Pierre le Grand) سنة 1697م من غربأوروبا، قد أصبح قبيل انهياره أكبر منتج للبطاطا في العالم بأسْره بـ: 70 مليون طنّ، تليه ألمانيا الغربية بـ: 26 مليون طن وفرنسا بـ: 14 مليون طن ثم الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الشرقية بـ: 13 مليون طن، فإن الصين قد قلبت الطاولة على الجميع وأطاحت بهذا الترتيب،وتحوَّلت إلى أكبر منتج في العالم لهذه المادة بأكثر من 72 مليون طن في سنة 2007م، تليها في ذلك الهند وروسيا…
البطاطا في إفريقيا تتجاوز أحيانا صلاحياتها الغذائية حيث لا تكتفي بملء البطون الجائعة فحسب بل تتسبب في تخريب العلاقات بينالنُّخَب السياسية والمؤسسات. وهكذا، في نيجيريا، على سبيل المثال، أصبحتْ البطاطا عام 1998م غذاءً يوميا طيلة أسابيع متتالية للنوابالبرلمانيين في هذا البلد في صيغة “كَاسْكْرُوطْ فْرِيتْ“، مما دفعهم إلى الإضراب عن العمل احتجاجًا على هذا الإفراط من أجل إعادة الأمورإلى نصابها وتصويب “إعوجاج” طَبَّاخي المؤسسة التشريعية.
البطاطا في السَّراء والضَّراء
أما في الجزائر، فقد أصبحت البطاطا منذ عقود طويلة تأكل الناس، وليس العكس، من كثرة ما داوموا عليها في مختلف الصِّيَغ والأشكالالتي تتحايل الأمهات يوميا في إبداعها للحيلولة دون الاضطرار إلى مأكولات أخرى أكثر تهديدًا للأمن المالي للأسرة وأكثر استنزافا للخزينةالعائلية.
وبالتالي فإن هذا الإدمان على البطاطا واضح بأنه ليس من باب العُشق والهُيام بل لقلة اليد التي تَجِد تَفَهُّمًا كبيرا لدى هذه المادة التي لاتُكثِر عادةً من مطالبها وتَحرِص على المحافظة على “رُخصِها“، فضلاً عن مزاياها الأخرى المتعددة في المطبخ ومرونتها الفائقة التي تسمحلها بالانسجام مع مُعظَم الوجبات وبالتعاطي مع غيرها من الخضر، وحتى الفواكه، واللحوم ومختلف المواد الغذائية.
لا يجب أن يُنسينا شواءُ عيد الأضحى وبوزلُّوفُهُ وكَرْشَتُه (الدُّوَّارَة) بأن البطاطا قابلة للأكل في هيئة سَلاطة بنفس المذاق اللذيذ التي تُوَفِّرُه لناعندما تُقبِل علينا في صيغة “جْوَازْ“، وتتعاطى مع الكُسْكُس النّد للنّد ودون عقدة نقص من اللَّحم الذي يُولِي له الجزائريون أهمية تفوق بكثيرقيمته الحقيقية وتُخفي أضراره وكوارثه على الصحة البشرية. بل هناك مَن أصبح يُخطئ بزلاَّت لِسان وخيمة العواقب في الآخرة عند حديثهعن الماء ويقول “وجعلنا من اللحم كل شيء حيّا“.
كما تملك البطاطا القدرة على رفع شأنها والاستئساد عند الضرورة في بيوت أهل التّرف المستأسِدين علينا والتَّحوَّل إلى طبق أرستقراطيراقٍ، وهي مُحقِّة في ذلك لأن المثل يقول “عزّ روحك يعزّك الله“، فتأتي إلى الموائد مُتمنِّعة “مُتدلِّعة” في شكل “كْبَابْ” جزائري أو “ضُولْمَة” عثمانية بنكهة قصبجية أو قسنطينية وتلمسانية.
وفوق كل ذلك، من باب الاعتراف بالفضل والإنصاف، الجميع يعلم أن البُورَاكْ لا يكاد يكون بوراكا ولا البْرِيكْ يستأهل اسمَه عن جدارة إذاغابت عن أحشائهما ولو بعض الجُزيئات من البطاطا. أما إذا قرَّرتْ هذه الأخيرة اقتحام “الكُوشَة“، الفرْن، في شكل “غْرَاتَانْ” فـ: “سَبِّحبنعمة ربِّكَ وحدِّثْ“. وهذا دون ذِكْر مَحاسِنها ومَفاتِنها للبطون وهي في شَكلها “الفْرِيتِي” الذي اكتسح المطابخ والموائد عبْر العالم دوناستثناء، لا سيَّما مطاعم الأكل السريع، موحدا بين الثقافات ولامًّا شَمْلَ البَشَر كأحد أهمّ وأبرز مظاهر ما أصبحنا نصطلح عليه بـ: العولمة.
في الجزائر، داخل المطابخ العائلية كما في المطاعم العامة، بلغتْ الجرأة بالبطاطا في المناورة وسرعة التَّكيُّف أن اقترَنتْ بزواج مُتْعة طالأمدُه مع البيْض، فأنجبتْ مولودا محمودًا بَهيّ الطلعة وبه شُقرَة سُمِّيَ منذ ميلاده على بَركة الله الـ: “فْرِيتْ أومْلاتْ“، ولم يُسعفنا الحظ حتىاللحظة هذه في أن نعثر على هذه البدعة البطاطية في غير الجزائر.
“نِيقْرُو بَطَاطَا خُبْزَة وَشْلاَظَة“…
اعترافا بالفضل وبالجميل، ومن باب الشهامة الجزائرية، التي كثيرا ما تَقْتُل، كُرِّمَتْ البطاطا بإطلاق اسمها على ملعب لكرة القدم بِحَيّلاَكْرْوَا في ضاحية القُبّة بمدينة الجزائر: “سْتادْ بطاطا“، وعلى محطة الحافلات الواقعة بين اسْطَاوَالِي وسيدي فْرَجْ (لاَرِي بَطَاطَا)، وأُدمِجتْفي الأهازيج الشعبية في السِّتينيات من القرن الماضي وربما حتى قبلها عندما كان الاطفال دائمي الهُتاف: “نِيقْرُو بَطَاطَا خُبْزَة وَشْلاَظَة“…
التكريم تجاوز التوقعات، إذ أصبحتْ البطاطا لقبًا لعائلات كبيرة في البلاد، بعضُ أفرادها اليوم من كِبار موظَّفي الدولة الجزائرية، مثلما هوالشأن في قطاع التربية وفي وزارة الخارجية. كما أَطلَق أنصارُ فريق وِدَاد الرّْوِيبَة لِكرة القدم، قرب مدينة الجزائر، اسمَ هذه “الخُضْرَة” لقبًا“تدليعيًا” على أقرب لاعب إلى قلوبهم وهو المرحوم “بَطَاطَا“، أيْ مَبْرُوكِي الذي توفي عام 1999م.
وسرعان ما استوعبت المجموعة الدولية في الأمم المتحدة، على خطى أنصار وداد الرويبة وغيرهم من الجزائريين، القدر الذي يجب أن تحظىبه البطاطا، فقررت أن تكون سنة 2008م “عام البطاطا” للتحسيس عالميا بفضلها على البشر والدعوة إلى الاعتناء بزراعتها لمواجهة الأزماتالغذائية. وأرفقت مسعاها بإطلاق اسم Patate (بطاطا) على أحد نجوم المجموعة الشمسية…
في مجال العلاج الاستعجالي، حوَّل الجزائريون البطاطا إلى دواء فعال ضد آلام الرأس ولتخفيف آلام العيْن عند مُمارِسي مهنة التَّلْحيم. كماخففوا بها من وطأة انتفاخ الكدمات في الرأٍس والوجه. ولجأوا إليها حتى إلى التعبير عن الغضب والاحتجاج في الملاعب الرياضية برشقالمنافسين والخصوم بها.
أما ما لم أتوقعْه أبدا، وربما لم يَخْلُدْ على بال، هو ما كتبه أحد مراسلي الصحيفة اليومية الجزائرية “اليوم“، التي نَسيتْ عند تأسيسها علىالأقل أن تكتب على صفحتها الأولى كما جرت العادة مع كل الصحف المستقلة كذبا ونفاقا بأنها مستقلة، فقد قال قبل أسابيع بأن هناك منيستخدم البطاطا في بلادنا في عمليات الإجهاض وبفعالية مثيرَة، لأن رحم المرأة، على حد قوله، بيئة خصبة لنمو هذه “الخُضْرَة” ومَنْعِالجنين من النمو والتَّطور… والعهدة على الراوي، لأنه لم يتيسر لنا التحقق من صحة هذا الزعم عِلميًا.
نترك الجواب لعلماء الأجنة وأمراض النساء الذين يتعين عليهم أن يقوموا باختبارات طويلة النَّفَس شبيهة بتجارب الطبيب الدانماركي الباحثالخبير في مجال التغذية هينداد، ولو أن هذا الأخير كان بإمكانه توفير الكثير من جهوده وسنوات عُمره لو استشار سكان مدينة معسكرالجزائرية والحقول المحيطة بها عن أسرار البطاطا التي تُعتبَر وطنهم الثاني بعد الجزائر.
أما الذين يتهجمون على هذه النعمة الإلهية استكبارا واحتقارا وذوي الألسنة الطويلة التي يتجاوز مداها حدود أفواهها، فنقول لهم: تخيلواالعالم بدون بطاطا بل الجزائر بدون بطاطا، لا سيما ونحن نغوص أقدامنا يوما بعد يوم في أزمة مالية تزداد حدة، وستفهمون حينذاك ماالذي تعنيه البطاطا في زمن تسوسنا فيه أنظمة بطاطا.
وصح فطوركم.
فوزي سعد الله
المصدر: الإعلامي فوزي (Fawzi Sadallah) سعدالله، لمقالة من عام 1999 في صحيفة “اليوم“، اليومية الجزائرية، أعاد نقلها على صفحتهفي الفيسبوك بتصرف منه. الرابط أدناه:
https://www.facebook.com/1318650157/posts/10219550189048189/?d=n