لا يمكن أن يكشف وجه الثورة الجزائرية إلا من رأى إنسانا جزائريا
ولا يمكن أن يعرف طبيعة الثورة إلا من تكلم أو دخل حوارا مع جزائري أو جزائرية..
ومع احترامي للعشاق العذريين، ولدموعهم وصباباتهم، وأشواقهم أحسست بعد أن رأيت الجزائر أنها أكبر من جميع عشاقها، وأعظم من جميع ما كتب عنها..ولا أدري لماذا شعرت وأنا أقف على شرفة غرفتي في الفندق والميناء تحتي مهرجان من الضوء والماء والجواهر برغبة طاغية في البكاء أو الاعتذار من ’’ حي القصبة’’ بأزقته الضيقة وسلالمه الحجرية ومنازله الخشبية التي تخبئ البطولات فيها، كما يختبئ الكحل في العين السوداء.
كم هو جميل وجه الجزائر..!!
ومن أروع ما شاهدته في الجزائر أن كل جزائري تقابله يشعرك بأنه هو الثورة، فهي موجودة في نبرات صوته، وبريق عينه، وحركات يده وكبريائه وعنفوانه، وطبيعته المتفجرة، وطقسه الذي لا يعرف الاعتدال..
وعندما رجعت إلى فندقي سألت نفسي، ونهر من دموع الفرح والكبرياء يتدفق عني: يا ترى لو جاء ’’اراغون’’ أو ’’ بول ايلوار’’ أو ’’ بول فاليري’’ لقراءة الشعر في قاعة كابري فهل كان الأكسجين سينتهي من القاعة؟ وهل كان الجزائريون سيأخذون كرسيه كما فعلوا معي؟
وهكذا نرى أن الثورة الجزائرية بعد عشرات السنين من النضال لا تزال في داخل الثورة، ولا يزال كل جزائري مستنفرا وواقفا على خط النار وحاملا بارودته على كتفه تماما كما كان في نوفمبر ..1954
فتحية للوطن الجزائري العظيم، وتحية للثورة التي لا تأخذ إجازة.


