Home تاريخ و تراث هكذا كان الجيجليون في مدينة الجزائر في العهد العثماني…

هكذا كان الجيجليون في مدينة الجزائر في العهد العثماني…

by Mohamed Redha Chettibi
0 comment
A+A-
Reset

 

بقلم المؤرخ الكتور المحترم فوزي سعد الله

Aucune description de photo disponible.

لم تكن الجماعات الإثنية التي تشكل منها سكان مدينة الجزائر في العهد العثماني تعيش منطوية على نفسها ومنقطعة عن بعضها البعض وكأن جدرانا كجدار برلين، الشهير في القرن الـ 20م، كان يفصل فيما بينها مثلما قد يُتصور اليوم.
بالعكس، كانت هذه الهيكلة آلية تنظيمية للحياة الاجتماعية/الاقتصادية وتقسيما اجتماعيا للعمل محكما أثبت نجاعته عبر السنين، ولم يكن يخضع لمقاييس إقصائية مثلما اعتقد رحالة ودبلوماسيون أوروبيون ومن تبنوا بعدهم نظرتهم السطحية، او حتى المبيتة، لحياة الجزائريين.
وإذا تخصصت جماعة إثنية في حرفة من الحرف آنذاك، فهذا لم بعن أبدا أن بقية الحرف والصنائع والوظائف كانت محرمة عليها.
على سبيل المثال، لا الحصر، عُرف أهل جيجل، أو الجيجلية كما كانوا يُسمون في وثائق ارشيف العقود والممتلكات ومختلف المستندات، باحترافهم صناعة خبز البايلك، أي الجيش والمؤسسات العامة، وبالتالي كانوا يشتغلون كُوَّاشين. بينما نَعرف، بفضل عائشة غطاس وأمينة حمودي ومصطفى أحمد بن حموش وخليفة حَمَّاش وآخرين، أن الأرشيف الجزائري العثماني يقول إن هذه الجماعة المستقرة في “المحروسة بالله” بعد قدومها من جيجل، الواقعة على الساحل الشمالي الشرقي للجزائر، امتهنت وظائف أخرى متنوعة اعتُقد لوقت طويل أنها كانت حكرا على غيرها، على غرار الجهاد البحري دفاعا عن البلاد…
رياس البحر…يحي الجيجلي الجزيري…صالح الجيجلي
بن علي…والرايس عيسى بوربون الجيجلي…والآخرون…
وهكذا، فإننا نعرف، من بين مَن نعرف مِن خلال الأرشيف، علي الحَرًار بن سعد الله الجيحلي بن احمد الذي يدل لقبه المهني على أنه امتهن صناعة الحرير التي كانت خلال العهد العثماني وعلى مدى أجيال شبه محتكَرة من طرف الأندلسيين الذين قد يكون هذا الحرار ذاته، أيْ بن سعد الله الجيجلي، منحدرا منهم، وتحديدا من أندلسيي جيجل….
ونعرف أن عددا آخر من جيجلِيِّي المدينة “المحروسة بالله” قد فضَّلوا النشاط في مجال آخر عالي الأهمية آنذاك، وكانوا مِن بين مَن اختاروا تحدي المخاطر في البِحار. نذكُر من بينهم كلاًّ من الرايس يحي الجيجلي الجزيري، والرايس صالح الجيجلي بن علي، والرايس سعيد بن رابح الجيجلي، والرايس عيسى بُوربُونْ الجيجلي، وصالح رايس بن علي الجيجلي، وكذلك الرايس عيسى بن زايد الجيجلي الذي كان من الاثرياء نسبيا باعتباره أحد مُلاّك السُّفن التي كانت تُستخدَم في التجارة البحرية كما في الغزوات ضد الأعداء، بالإضافة ألى الرّيس خلف الله بن محمد الجيجلي الذي تذكُرُه وثائق الأرشيف على أنه قام بحبس حِصص مِن حقوقه في كُوشَة، أي مخبزة، بحومة جامع كَتْشَّاوَة، وهي الحومة التي ما زالت قائمة إلى اليوم بمحاذاة ساحة الشهداء في قلب المدينة التاريخية مقابِلةً الجامع الجديد، حبسها على آخِر حُكّام الجزائر في العهد العثماني الدَّاي حسين باشا بن علي الإزميرلي (1818م/1830م)…
عن الأملاك، والثروات، والاندماج في المدينة ….
وإذا كان الرايس خلف الله بن محمد الجيجلي قد امتلك حصصا، على الأقل من إحدى مخابز “بهجة” سيدي الثعالبي عبد الرحمن، وقد لا تكون ملكيته الوحيدة، فإن ممتلكات الجواجلة وثرواتهم لم تنحصر أبدا في المخابز، ولم يكونوا جميعهم بالضرورة مجرد أُجَرَاء من الطبقة العاملة متواضعة الحال في مخابز الغير، بل شملت ممتلكاتُ بعضِهم الدّيار والجِنان ومختلف العقارات والمحلات التجارية وحتى السفن والمراكب مثلما هو حال الرايس عيسى بن زايد الجيجلي.
ونعرف مثلا أن “الحاج العربي بن شعبان أمين الجيجلية”، أي جماعة الجْوَاجْلَة، في مدينة الجزائر، والذي كان متزوجًا من “عايشة بنت الجَقْمَاقْجِي”، كان يملك جنةً ، أي ضيْعة، في فحص الأبْيَار على بعد بضعة كيلومترات فقط من “دار السلطان الجديدة” القائمة الى اليوم بحومة الباب الجديد… مِثلما نعرف من الارشيف أيضا أن ساعد بن موسى الجِيجْلِي كان هو الآخر يمتلك ضيعة غير بعيدة عن الأبيار، وتحديدا بفحص عين الزّبُّوجَة. وامتلك عبد النبي الحيحلي بن محمد الشريف جنة بفحص حَيْدَرَة الذي أصبح اليوم امتدادا لمدينة الجزائر بعد توسع عمرانها… فيما امتلكتْ رُوزَة بنت صالح الجِيجْلِي على الأقل كُوشَة من كوشات المدينة، تقول الباحثة أمينة حَمُّودي في دراستها “أوقافُ ونشاطات جماعة الجيحلية بمدينة الجزائر في العهد العثماني من خلال وثائق المحاكم الشرعية”.
في إحدى الوثائق، نجد أن الحياة الاجتماعية لجماعة الجيجلية لم تكن حبيسة حدود الجماعةوجدران مخابزها وديارها بل انفتحت على بقية الحماعات الإثنية/الاجتماعية في المدينة عبر الاختلاط العميق بها بالزواج. فإذا كان الحاج العربي بن شعبان أمين الجيجلية في مدينة الجزائر قد تزوج من عايشة بنت الجقماقجي، الذي قد يكون عثمانيا كما يوحي لقبه ومهنته، فإن وثائق أخرى تقول إن الجيجلية رَحْمُونَة بنت ابراهيم بن عَزُّوز الجيجلي، حسب أمينة حمودي، قد تزوجت من الحَسَن سعيد بن موسى الصَّايْجِي، أي المُشتَغِل بالمُحاسَبة، وكثيرا ما كان الصَّايْحِيَة آنذاك من العثمانيين… بينما، تضيف الباحثة، كان سعيد بن أحمد بن عبلة الجيجلي متزوجا من “عْوِيشَة بنت جَلُّول البُلَيْدِي” مالكة جنّة بفحص بني مَسُّوسْ… ونعرف بفضل وثيقة أخرى أن هناك مِن الجواجلة مَن طاب له المقام في البَلدات المجاورة لمدينة الجزائر، ومِن بينهم، على الأقل، علي الجيجلي البُلَيْدِي، نسبة إلى بَلدة البُلَيْدَة التي أسسها الأندلسيون بالتعاون مع قبيلة أولاد سُلطان وتمويل خير الدين بربروس، تحت إشراف مهندس الري وخبير الفلاحة الولي الصالح سيدي أحمد الكبير الأندلسي، ابتداء من سنة 1534م… وكان الجيجلي البليدي صاحب جنة سَجَّل الأرشيف أنه باعها لرحل عثماني، قد يكون عسكريًا، اسمه حسين الانْجِشَارِي…
بعيدًا عن التصورات النمطية والقوالب الجاهزة عن حياة الجزائريين في عاصمتهم قبل 1830م، تقول وثائق الأرشيف بوضوح: هكذا عاشتْ جماعة الجيجلية في مدينة الحزائر خلال العهد العثماني واندمجتْ، ومثلهم فعلتْ الجماعات الأخرى، فيصبح في ظرف بضعة أجيال كل مَن استهوته الحياة الدائمة بها وعاداتها وتقاليدها ولسانها وموسيقاها وطقوسها، وذاب في ثقافتها، مِن الحَضر و”البَلْدِيَة”، فيما يبقى مَن يبقي ارتباطُه أقوى بمسقط رأسه وقريته جيجليًا برانيا إلى أن يختار ذات يوم بين هذه وتلك أو تغير الظروف، التي كثيرا ما لا تستشير أحدًا عند اتخاذ قراراتها، قدرَه ووِجهتَه ومستقبله…

You may also like

Leave a Comment

روابط سريعة

من نحن

فريق من المتطوعين تحت إشراف HOPE JZR مؤسس الموقع ، مدفوعا بالرغبة في زرع الأمل من خلال اقتراح حلول فعالة للمشاكل القائمة من خلال مساهماتكم في مختلف القطاعات من أجل التقارب جميعا نحو جزائر جديدة ، جزائرية جزائرية ، تعددية وفخورة بتنوعها الثقافي. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة القائمة «الجزائر الجزائرية»

من نحن

جمع Hope JZR ، مؤسس الموقع ومالك قناة YouTube التي تحمل نفس الاسم ، حول مشروعه فريقا من المتطوعين من الأراضي الوطنية والشتات مع ملفات تعريف متنوعة بقدر ما هي متنوعة ، دائرة من الوطنيين التي تحمل فقط ، لك وحماسك للتوسع. في الواقع، ندعوكم، أيها المواطنون ذوو العقلية الإيجابية والبناءة، للانضمام إلينا، من خلال مساهماتكم، في مغامرة الدفاع عن الجزائر الجديدة هذه وبنائها.

ما الذي نفعله

نحن نعمل بشكل مستمر ودقيق لتزويد الجمهور بمعلومات موثوقة وموضوعية وإيجابية بشكل بارز.

مخلصين لعقيدة المؤسس المتمثلة في “زرع الأمل” ، فإن طموحنا هو خلق ديناميكية متحمسة (دون صب في النشوة) ، وتوحيد الكفاءات في خدمة وطنهم. إن إصداراتنا كما ستلاحظون ستسلط الضوء دائما على الأداء الإيجابي والإنجازات في مختلف المجالات، كما تعكس منتقدينا كلما رأينا مشاكل تؤثر على حياة مواطنينا، أو تقدم حلولا مناسبة أو تدعو نخبنا للمساعدة في حلها. 

مهمتنا

هدفنا الفريد هو جعل هذه المنصة الأولى في الجزائر التي تكرس حصريا للمعلومات الإيجابية التي تزرع الأمل بين شبابنا وتغريهم بالمشاركة في تنمية بلدنا.

إن بناء هذه الجزائر الجديدة التي نحلم بها والتي نطمح إليها سيكون عملا جماعيا لكل المواطنين الغيورين من عظمة أمتهم وتأثيرها.

ستكون الضامن للحفاظ على استقلالها وسيادتها وستحترم إرث وتضحيات شهدائنا الباسلة.

© 2023 – Jazair Hope. All Rights Reserved. 

Contact Us At : info@jazairhope.org