إن المجتمعات المتقدّمة و الراقية , إستطاعت أن تغرس هذه الثقافة التطوعية عبر نسج شبكة واسعة من شريحة المجتمع , لمؤازرة حكوماتها في الدفع بالنموّ و المشاركة في إيجاد الحلول الآنية لبعض مشاكل المجتمع و رفع عبئ كبير عن الدولة . وكمثال على ذلك سنعرض بعض الإحصائيات عن واحدة من البلدان الأوروبية الّتي تعتبر حاليا محرّك القارة العجوز .
مسح إحصائي مبسّط لثقافة التطوع في أحد المجتمعات المتقدمة , ألمانيا مثالا . (1)
المشاركة الإجتماعية هي الميزة السائدة تقريبا على كل الإلتزامات الإجتماعية الطوعية المتعلقة بالقضايا المجتمعية , و تجدها متجسدة في شكل منضمات خيرية , مجموعات حقوق الإنسان , جمعيات حماية المستهلك , جمعيات حماية البيئة … أو الجمعيات والمنضمات الأهلية بشكل عام . لكن الخدمات التطوعية هي أيضا من بين الأنشطة الإجتماعية الحيوية التي نجد لها متسع لا يستهان به داخل المجتمع الألماني .
ووفقا لدراسة ( Allensbach) , إزداد عدد الأشخاص اللذين يباشرون عملا تطوعيا بشكل لافت للنظر بين سنة 2016 من (14,36 مليون متطوع) ليصل إلى (17,11مليون متطوع) سنة 2020 , أي بنسبة 19,3 % من مجموع السكان . و في نفس السنة (2020) فضّل 25% من المتطوعين توجيه مجهوداتهم إلى الأطفال و الشباب , بالإضافة إلى ذلك فإن 27% من المتطوعين يزاولون عملا دائما ما عدى عملهم التطوعي , و 68% من المتطوعين يقضون ما معدّله خمسة(5) ساعات عمل تطوعي في الأسبوع .
إن التبرع لغايات إجتماعية خيرية (كعمل تطوعي خاص) هو طريقة أخرى للمشاركة الإجتماعية و المتمثلة بالتبرع بالمال . و بشكل عام بلغت التبرعات الخاصة في ألمانيا سنة 2019 حوالي 5,14 مليار أورو , وبلغت نسبة المتبرعين بالمال في ألمانيا 29% في نفس السنة . وتبرع كل شخص ما يعادل سبع مرات في سنة 2019 بمتوسط 37 أورو لكل عملية تبرع .
و يوجد أيضا التبرع لأهداف إجتماعية خيرية غير ربحية عن طريق مؤسسات و جمعيات . و وفقا للرابطة الفيدرالية للمؤسسات الألمانية , يستثمر الأشخاص بالأموال و الممتلكات في المؤسسات على شكل أصول بطريقة يمكن من خلالها إستخدام الدخل من الإستثمار لأغراض خيرية غير ربحية -investissement pour fin de bienfaisance non lucratif – طويلة المدى .
و من ناحية أخرى تذهب الجمعيات الخيرية مثل الصليب الأحمر الألماني , وبنوك الطّعام في ألمانيا , و مؤسسات دياكوني ( Diakonie) , أو كاريتاس (Caritas) إلى أبعد من تعزيز المساعدة الإجتماعية بل تقديمها بأنفسهم.
وفي عام 2019 كان هناك ما مجموعه 23230 مؤسسة تتمتع بالأهلية القانونية بموجب القانون المدني بألمانيا معظمها , في شمال الراين-فاستفاليا (Nordrhein-Westfalen) .
وفي سنة 2018 إعتبرت مؤسسات ( Bertelsmann Stiftung , Robert Bosch Stiftung GmbH و VolkswagenStiftung ) من أكبر المساهمين بحيث وضعت مؤسستا Robert Bosch و Bertelsmann على الترتيب 5,352 مليون أورو و 247,1 مليون أورو من أصولهما للإستثمار و التمويل النفعي غير الربحي لمجالات البحث و العلوم .
و وفقا دائما لتحاليل ( AWA) Allensbacher Markt- und Werbeträgeranalyse ( تحليل السوق و وسائل الإعلان) شارك المتطوعون بشكل رئيسي في النوادي الرياضية و المؤسسات الكنيسية و منظمات الإغاثة . وفي عام 2016 كان لدى الكنيسة البروتستانتية أكثر من 1,1 مليون متطوع .
وحسب تحاليل مقياس المسؤولية ( Verantwortungsbarometer ) لسنة 2018 , بلغ العمل التطوعي أعلى مستوى في ألمانيا بمقاطعة (Rheinland-Pfalz) . و كان حوالي 14% من السكان سنة 2017 , قد باشروا البدء بعمل فخري تطوعي أو عزّزوه بتكثيف النشاط , ومعظمهم كان بحوزته 5 سنوات خبرة و تمرّس في المجال التطوعي . أما ثاني أعلى مستوى للعمل التطوعي سنة 2018 فكان من نصيب مقاطعة Hamburg /هامبورغ .
لابأس كذلك أن نعطي مسحة إحصائية ديموغرافية صغيرة مبناها هو الدراسة التمثيلية للسكان , Verbrauch-und Medienanalyse(VuMA) (تحاليل الإستهلاك و الإعلام), والّتي توفي بأن هناك :
70,45 مليون نسمة , أعمارهم 14 سنة أو ما فوق يعيشون في ألمانيا . وقد تم إحصاء حوالي 11,73 مليون كمتطوعين في سنة 2018 , كانوا يتميزون بهياكل ديموغرافية مختلفة عن عامة السكان . كان غالبية المتطوعين في تلك السنة ما فوق (50) الخمسين عاما, وكان أقل من ربعهم بقليل يبلغ (70) سبعون عاما أو مافوق من العمر , بشكل عام كان لديهم مستوى تعليمي و تدريب مهني أعلى من عامة السكان , ثلثهم بحوزته شهادات جامعية , كما كان ثلث المتطوعين موظّفين بالكامل أو متقاعدين سبق لهم العمل , بالإضافة إلى ذلك كان لدى الأشخاص الذين يزاولون عمل تطوعي دخل عائلي صافٍ أعلى من بقية السكان . و في سنة 2019 مثلت المرأة 52,2 % من مجموع المتطوعين في ألمانيا , مع العلم أن النساء كنّ يمثّلن في نفس السنة 50,6 % من مجموع سكان ألمانيا .
بعد عرض هذه اللمحة الإحصائية المبسطة عن العمل التطوعي لأحد مجتمعات دول العالم المتقدم , يتجلّى لنا بوضوح مدى تغلغل ثقافة الإلتزام الإجتماعي والعمل التطوعي داخل النسيج المجتمعي عبر مختلف مستوياته , ومدى فعّاليته و تأثيره في عديد الميادين إيجابيا على الفرد كما على المجتمع .
الإستراتيجية من الدولة , المباشرة للمجتمع المدني و المنفعة للجميع .
أصبحنا اليوم نلاحظ أن الدول و خاصة النامية منها , صارت غير قادرة بمفردها على حمل كل أعباء المسؤوليات المنوطة بها و القيام بها دون التوجه إلى البحث عن سبل إضافية تقوّيها , فالدول المتقدمة تعتمد أساسا على تشبيك القدرات في مابينها رغم التفوق التّي تعرفه في مختلف الأصعدة , أما الدول المتخلفة أو التّي هي في طريق النمو , يصعب عليها ذلك كونها بالأساس غير محصّنة جيدّا , و في حالة ما إذا تأزّمت عندها الأمور فسوف لن تجد إلاّ المجتمع الذي تسوده . و عليه يجب الإستثمار في المورد البشري بأقصى القدرات و في جميع المستويات ,و إتاحة الفرصة لبروز مجتمع مدني مهيكل, لأن أهميتة تضاهي أهمية مجالات أخرى سيادية للدولة .
يتوجب على الدولة وضع إستراتيجبة مهيكلة لإرساء ثقافة الإلتزام الإجتماعي و العمل التطوعي , و ذلك بدءاً بالأجيال الناشئة عن طريق المؤسسات التربوية و التعليمية في جميع أطوارها , خاصة المبتدئة و المتوسطة و تعميقها في الأطوار المتقدمة كما سبق لنا شرحه تفصيليا في بداية الطرح , و أعطينا بعض الأمثلة النموذجية الّتي يمكن البناء عليها . و بهذا الطرح وبعد قطع مشوار 10 إلى 12 سنة تقريبا , ستتجذّر هذه الثقافة أوتوماتيكيا في المجتمع و نحصل على نسيج إجتماعي أوّلي متشبّع بالعمل التطوعي , وستتشكل نواة صلبة لمجتمع مدني منظّم ومهيكل شريطة أن تولي الدولة الإهتمام لهكذا مشروع , و أن تضع الإمكانيات اللازمة لإنجاح جميع المجهودات الّتي تنصبّ في هذا الإطار , عبر تأطيرها و صياغة القوانين و البرامج الخاصة بها , و توفير الموارد البيداغوجية و تشجيع القائمين على إرساء هذه الثقافة .
كما للدولة دور هام في حثّ شركائها من المؤسسات الادارية أو المؤسسات الاقتصادية وطنية كانت أو خاصة , على الانخراط كذلك في مجال الالتزام الاجتماعي عبر منضمات – fondations – ذات طابع قانوني عام أو مدني , ليكون مستوى التمويل و التكفّل مضبوطا و متوازنا . كما تسطيع الدولة إشراك جميع حاملي السجل التجاري كلّ في مجال نشاطه, بحثهم على سبيل المثال , بتخصيص 1% من حجم ساعات العمل سنويا أي مايعادل 20 ساعة أو 3 أيام عمل في السنة للعمل التطوعي, و بهكذا إشراك سيكون المردود حتما ضخما و في نفس الوقت يكون الجهد يسير على حاملي السجل التجاري . ومن المفيد أيضا أن تشرع السلطات في التفكير حتّى في إنشاء صندوق وطني للأعمال و البرامج التطوعية .
كذلك من واجب الدولة التفكير في إعادة صياغة تسيير دُور الشباب بإشراك جمعيات المجتمع المدني لتنشيطها و المشاركة في برامجها حتى تصبح هادفة أكثر في المحتوى و فعّالة , و من بين الاقتراحات التي نراها مناسبة هنا على سبيل المثال: إنضمام متطوعين مختصيين و خاصة الشباب منهم إلى برنامج بمثابة خارطة طريق متكاملة تحت رعاية الدولة و مساهمة المجتمع المدني لمحاربة خطاب الكراهية و الجريمة الالكترونية . ولا ننسى كذلك إعادة بعث الروح للحركة الكشفية (الكشّافة) و تشجيعها لكي تلعب ذلك الدور الاضافي في توعية و تثقيف الشباب , و ننتظر أيضا من السلطات من بعد تسهيلها عملية إنشاء الجمعيات بمجرّد التصريح فقط ( دستور 2020 ) , أن تسهّل كذلك عملية إقتناء العقارات لجمعيات المجتمع المدني , لتحصين البيئة التحتية و توسيع النشاط الجمعوي .
إذا شجّعت الدولة مجهودات غرس ثقافة الالتزام الاجتماعي و العمل التطوعي , فهي بذلك تكون قد غرست ثقافة روح المواطنة داخل المجتمع مباشرة , لأن العمل التطوعي يدفع مباشرة لإكتساب هذه الروح . نحن و من جانبنا نتمنى ان تتخذ الدولة قرار ترسيم يوم وطني للعمل التطوعي , يكون بمثابة تأكيد لأهمية و قيمة هذا العمل النبيل .
العمل التطوعي ينمّي المواطنة في المجتمع .
إن الإنتشار و التجذّر لهذا العمل النبيل في المجتمع يحسّن مستوى فهم ميكانيزمات أو قوانين المجتمع و بالتالي أيضا إحترامها , ويرفع لدى أفراده من مستوى الوعي تجاه قضايا ملحّة في حاجة إلى التضحية و التكاتف لحلّها , ومن ميزاته أيضا :
رفع مستوى المهارات البشرية و تقوية الترابط بين المواطنين و إمكانية تغطية نقص الأيادي المؤهلة في بعض المجالات .
يعزّز التوازن الاجتماعي , يستغل كثير من القدرات المهدورة و يعطي إمكانية الاقلاع لمحاولات كانت من قبل معلّقة أو في طريقها إلى الفشل .
يعطي التطوع صورة واضحة للمواطنين لمواضع العجز و الاختلال داخل المجتمع , ويسهّل لهم على إثر ذلك تشخيص الداء لإيجاد الدواء .
يرفع من مستوى المسؤولية لدى المواطنين , ويتيح المجال للشباب لإتخاذ قرارات مناسبة و مسؤولة , ساعة تحديد و ترتيب الأهداف المطلوبة لمشاريعهم .
خاتمة .
العمل التطوعي ليس هو ذلك المفهوم الجديد الذي نجهله و يجب علينا تعلّمه و التعرّف على أهميته , بل هو مفهوم راسخ في وجداننا نحن كمجتمع جزائري معروف بكرمه . بل يتوجب علينا كدولة و شعب , إعادة تفعيل هذا المبدأ النبيل بطريقة ممنهجة و مؤطّرة , لننتفع به أكثر و نساير متطلّبات مجتمعنا , ونخلص بالتالي إلى خلق روح المواطنة الّتي لا طالما نحلم بإكتسابها و إنتشارها بيننا كمواطنين جزائريين . إن المجتمعات الأكثر رقيّا هي المجتمعات الأكثر جهدا و بطبيعة الحال الأكثر مواطنة .
ونحن و من هذا المنبر jazairhope.org, لا نستثني أنفسنا من مؤازرة كل من ينشر هذا المبدأ النبيل , وما عَملَنا هذا إلا تطوعا لخدمة الوطن من خلال موقع تُديره مجموعة من المتطوعات و المتطوعيين الجزائريين , من داخل الوطن و خارجه ( أمريكا, كندا, أوروبا و آسيا ) لم تكن لهم صداقة مسبقة و لا حتى تعارف, و رغم التباعد الجغرافي و إختلاف المواقيت و إلتزاماتهم الوظيفية و العائلية, إلا أنه إستطاعت أن تجمعهم فكرة نبيلة, فسخّرؤا محاسن شبكة الإنترنت و جمّعوا مجهوداتهم عبر موقع إلكتروني لإعادة بعث الروح الايجابية و الأمل و للمساعدة في فهم نقائص مجتمعنا و المشاركة بالتفكير في إيجاد حلول لها حسب الإمكانات و القدرات الّتي تملكها , وذلك كلّه تطوعاً و إيمانا ب ” وتعاونوا على البرّ” .
تحياتي .
بقلم طوفان Toufan
(1) كل المعلومات المتعلقة بالمسح الإحصائي في الفقرة مأخوذة من موقع ( statista.de) .
جدول إحصاء نسبة النساءو نسبة الرجال من المتطوعين / إحصاء نوفمبر 2019 .
جدول عدد المتطوعين ( 2016 – 2020 ) / إحصاء 04 ديسمبر 2020 .





2 comments
لمّا يدعو فريق jazirhope الى شيئ نبيل و فيه من الجهد ما فيه، فيكون قد بدأ بنفسه حتما
الأخ Toufan ينتهي من بحثه المطوَّل : “الالتزام الاجتماعي و العمل التطوّعي عاملان مهمّان في عملية التغيير”
(هو طويل للدقة التي يتميّز بها المقال ليس الا) و ينشر الجزء الثالث و الأخير ليكتمل المعنى و تتبيّن الفكرة … فيتبلْوَر المراد و تتضح الغاية… و يا له من مراد و ما أنبلها من غاية ؛ كيف لا و أخونا Toufan يعطينا أنجع تجربة لواحدة من أقوى الدول في هذا الميدان :ألمانيا … غير أنه لم يقف على التجربة فحسب بل قام بعملية اسقاط على المجتمع الجزائري … فوالله نجح في ذلك لابعد الحدود…
شكرا أخي Toufan على المثابرة و الجهد و هنا تُثبت بأنك أول المتطوعين و الفريق كله من ورائك يحذو حذوَك بحول الله و قوته … كي نكون كالمثل الحي لمجتمعنا العريق المفعم بهكذا فضائل أصلا…
الحل لاكتساب مفهوم المواطنة يمرّ حتما بالتطوُّع
فالنتطوَّع يا شعبنا الأبي لخدمة البلاد و العباد… و لمّا نقطع شوطا لا بأس به، حينها يصعب على اي سياسي مهما كان مكره بأن يتلاعب بشعب راقي و ذو تاريخ نضالي كتاريخنا … حينها يستحيل الشعب الى دولة و الدولة الى شعب
شكرا لك أيضا رضا للمساعدة في إعداد هذا العمل.