بن يغزر أحمد 21.12.2020
كثيرا ما يتم الربط بين التنمية باعتبارها فعلا وهدفا اقتصاديا وبين وفرة الموارد بمختلف أشكالها وخاصة الطبيعية والمالية، وما من شك أن ذلك منطقي، فالموارد هي من المدخلات التي لا يمكن تصور نهضة اقتصادية بدونها، ولكن هل تكفي الموارد لوحدها لتحقيق أهداف التنمية؟ الجواب حتما لا، وهل عدم توفرها بالقدر اللازم يعني حتمية الانحباس في التخلف؟ الجواب حتما أيضا لا.
لم يعد خافيا أن الدول التي تملك المال والموارد لا تضمن بالضرورة تحقيق التنمية، والأمثلة في الواقع كثيرة، وأن العكس -أي فقدان الموارد- لا يعني بالضرورة العجز، فاليابان نموذج عن المناطق ذات الموارد المحدودة، والموقع الصعب، والمساحة الضيقة… ولكنها كانت ولا تزال تنتصب مثالا في تحقيق النهوض الاقتصادي حتى استحق نموذجها أن يوصَف لفترة طويلة بالمعجزة، فأين يكمن السر؟
تخطئ الكثير من المحاولات عندما توكل أمر التنمية لمن يوصفون بالتكنوقراط، كما لو أنها مجرد عملية تقنية، أو مجرد إجراءات إدارية منعزلة، وإذا كان للسياسي الفرنسي جورج كليمنصو (1841- 1929) مقولة فحواها أن “الحرب أعقد من أن تُترَك للعسكريين وحدهم” فعلى منوال هذه المقولة يمكن القول وإن في ميدان آخر إن “التنمية أصعب وأعقد من أن تترك للتكنوقراط وحدهم”
ولعله من المفيد في هذا السياق استدعاء المثال الذي ذكره مالك بن نبي عن الدكتور شاخت الذي وضع مخطط التنمية الاقتصادية لألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، والذي حولها من خلاله إلى قوة أوروبية بارزة، لكن عندما استدعته إندونيسيا ليحاكي تجربته الناجحة فيها كانت النتيجة سلبية تماما وفشلت فشلا ذريعا رغم أهمية ما تتوفر عليه أندونيسيا من إمكانات ومقدرات مادية وبشرية بالمقارنة مع ألمانيا.
على المستوى الفني والتقني لا يمكن التشكيك في كفاءة شاخت كما يقول بن نبي وهو الذي أنجز لألمانيا ما أنجزه، لكن المسألة تتجاوز كفاءة شخص، إلى بيئة تُصنع لتكون حاضنة للتنمية ليس باعتبارها فقط منجزا ماديا، لكن باعتبارها تجليا ملموسا لإرادة قوية من شعب أو أمّة لصناعة مصير مميز.
يرفض البعض الاقتناع بهذا المنطق بالاستناد إلى ما يسميه منطق العلم، وجاذبية العولمة، وأن ما يصلح هناك لابد أن يصلح هنا، وعدا ذلك مجرد تهويمات فلسفية، وقد لا يصدر هذا الرفض قولا صريحا، لكنه يظهر حالا وأفعالا، ومن ذلك افتتان البعض بما يُنتج هنا وهناك من رؤى تنموية، وتخطيطات تطويرية، فيريد استنساخها معزولة عن البيئة الثقافية والفكرية والقيمية التي أنتجتها، والتي توفر لها ربما أسباب النجاح والاستدامة.
على أنه سيكون من الخطأ أن يُفهم الكلام السابق كأنه دعوة للإعراض عن الاستفادة من التجارب المختلفة زمانا ومكانا وانتماءً، فذلك أبعد تماما عن هدف هذا المقال، لكن الأكيد أن ثمة فرقا كبيرا بين الوقوف الواثق على الأرضية الذاتية والتطلع من خلالها إلى ما عند الآخر، وبين الوقوف المرتجِف والمنبهر على أرضية الآخر ومحاولة تمثل واستنساخ تجربته.
كما أنه من الخطأ أيضا أن يُفهم من هذا الكلام أنه علينا الانطلاق من الصفر، أو اختراع العجلة من جديد، فالتجربة الإنسانية متراكمة عبر الزمن وعريقة وثرية، وهي ملكٌ لكل الناس يمكن لهم جميعا أن يستفيدوا وينهلوا منها، لكن هناك أشياء لا يمكن نقلُها ولا شراؤُها ولا استنساخُها، لأنها لا تقبل ممن يريد امتلاكها إلا أن يبدعها، وتحقيق الانعتاق من التخلف وبناء النموذج التنموي هي مما يندرج تحت هذا الاستثناء.
لقد حاولت الجزائر مثلها مثل الكثير من الدول بعد تخلصها من محنة الاحتلال الأجنبي أن تستنخ تجارب تنموية وفق نموذج كان له بريقه لزمن، وأقصد به النموذج الاشتراكي، ونصت مواثيقها حينئذ أنه “اختيارٌ لا رجعة فيه”، بل كان كل من يشكك في ذلك يتهم بـ”الرجعية” و”العمالة للإمبريالية”، فماذا كانت النتيجة؟ ومن جديد عادت لتبني قيم الرأسمالية واقتصاد السوق تجاوبا مع الاتجاه العالمي في منتصف الثمانينات من القرن الماضي.
والمشكلة هنا لا تتعلق بأصل النموذج الاشتراكي، ولا بأصل النموذج الرأسمالي، لكن المشكلة هي في أصل نمط التفكير الذي يتعامل مع التنمية والنهضة بالطريقة الخطأ، وعوض أن يفكر في التأسيس لذلك وفق البيئة الثقافية والنفسية والاجتماعية للمجتمع ويضع لها ما يناسبها، فإنه يحاول استنبات نماذج كانت بذورها في بيئات أخرى لها خصوصياتها وسياقاتها.
ثمة علاقة قوية وطردية بين التنمية وبين مجموعة قيم تصنعها وتؤسس لها، وبدون هذه القيم فإن كل محاولات تحقيقها تؤول إلى الفشل وقد تؤدي إلى نتائج عكسية، وهو ما يقتضي عملا بيداغوجيا تكون الدولة هي عموده الفقري، وتعضده كل المنظومات الأخرى الرسمية والمدنية ليتحول إلى سلوك جماعي عادي لا يفرضه فقط قانون، ولا تضمنه حصرا رقابة إدارية وتنظيمية.
ونقصد بالقيم القناعاتِ العقلية والأخلاقية العميقة التي تشكل تصور الفرد والمجتمعات عن الحياة وعن الصواب والخطأ وتوجه السلوك والأعمال، وتصنع الحوافز والدوافع، وهي بهذا المعني قد تكون فردية وقد تكون جماعية، كما أنها ذاتية المنطلق وقوتها في درجة القناعة بها والالتزام العملي بها.
الاستثمار في بناء هذه القيم وتعميقها يعدُّ رافدا في إنجاز التنمية، وضمان ديمومتها، ولذا نلاحظ اليوم أن المؤسسات الاقتصادية الكبرى في العالم تعطي لقيم المؤسسة كل الاهتمام، وتضعها ضمن مخططاتها وتحدد لها الميزانيات اللازمة.
وعلى عكس ما يُتصور لأول وهلة، فإن قيم التنمية ليست مجرد مواعظ أخلاقية يُشحن بها الفرد حول العمل والالتزام والإتقان، لكنها منظومة من التصوّرات والقواعد والمفاهيم تتم عملية التنشئة عليها بشكل مستمر، وتؤسَّس على مجموعة من الحوافز المادية والمعنوية وبذلك تصير جزءا لا يتجزأ من شخصية الفرد، وبالتالي يصبح تجاوزُها بأي شكل محل مقاومة ورفض.
يُعبَّر أحيانا عن هذا المعني بسلامة سلم القيم الذي يضبط السلوك الفردي والاجتماعي، والذي يكون محل إجماع شبه كامل أو على الأقل يمثل الخروج عنه شذوذا في نظر الكتلة الغالبة في المجتمع، من ذلك مثلا اعتبار العمل هو الوسيلة الوحيدة للترقية الاجتماعية، تقدير قيمة العلم، الالتزام بالقانون، تقديم المصلحة العامة على المصلحة الفردية، احترام الفضاء العام…
وعندما يتعلق الأمر بالتنمية بالمفهوم الاقتصادي، فإن هذه القيم تأخذ أشكالا عملية أكثر وضوحا يمكن ملاحظتها وقياسها وإدراك عائدها، ومن ذلك مثلا إتقان العمل، استثمار الوقت، الروح الجماعية، الإخلاص للمؤسسة…
يبقي السؤال المهم: من المسؤول عن تثبيت تعميم هذه القيم؟
عندما يتعلق الأمر بقيم يراد لها أن تصير معالم اجتماعية، تتبناها الكتلة الاجتماعية الواسعة، فإن دور الدولة يصبح مركزيا سواء من خلال قوانينها، أو مؤسساتها التعليمية والتربوية والتوجيهية بشكل عام، ولكن بشكل خاص من خلال ممثليها والقائمين على شؤونها فهم الذين يعطون المثال على تجسيد هذه القيم عمليا.
من جهة أخرى، يعضد دور الدولة الأدوار التوعوية للنخب المؤثرة، وكذا كل المؤسسات المجتمعية كالجمعيات، والمنظمات المهنية والنقابية، والهيئات الدينية، ووسائل الإعلام وقادة الرأي، والرموز الجماهيرية ذات التأثير، ليس على شكل حملات موسمية دعائية، ولكن بعمل مدروس واستراتيجية بنائية ممتدة في الزمن مدركة لوسائلها وأهدافها.
إن مثل هذه المهمة -كما هو واضح- لا يمكن التعاملُ معها وفق منطق المهمة التقنية، ولا يمكن أن تُحمل إلى نخب تقنية، قد تملك مهارة التنفيذ، وقد تملك القدرة على إنزال وهندسة الأفكار على المستوى الميداني، لكن صياغة التنمية والنهضة كرؤية شاملة، وكمنظومة قيادية محفزة للمجتمع بكل مكوناته، هي أكبر وأهمّ من توضَع بين يديها حصرا.
echouroukonline.com
3 comments
فعلا التنمية قيم….لذالك يجب سرد قيم التنمية في كل قطعات الاقتصاد و إدراج موشرات اخلاقية لنجاعة المشروعات في نفس أهمية المؤشرات الاقتصادية…..الدكتور مشكور ربما علي متابعة هذا الموضوع بآخر يحلل و يسعد قيم التنمية
للإجابة على السؤال المهم : من المسؤول عن تثبيت تعميم هذه القيم ؟
حبذا لو تفضّلتم بروفيسور أحمد بن يغزر أن تتبعوا هذا المقال بآخر , كإجابة على التساؤل المطروح لعله تلتقطه آذانا صاغية و نحن قادمون كما تعلمون على إنتخاب برلمانا جديد و هذا في إطار مرحلة تجديد مؤسسات الدولة .
مع فائق الشكر و الإحترام .
مقال قيّم سيدي الكريم و هذا لاتِّبعاكم المنهجية التي أضفت عليه الكثير من المنطقية و هذا في سرد الفكرة و ربطها بالتي سبقتها و كذا التي تليها… ربط الفقرة بالفقرة بهكذا منهجية ،أكسب المقال الكثير من التماسك في المضمون، لأن الشكل، لا محالة ، جميييييل …
كم راق لي، حين تطرّقتم للسؤال المتعلق بالجهة المنوط بها القيّام بهكذا عمل جبّار، ادماجكم لفئتين غاية في الأهمية و هما : قادة الرأي، والرموز الجماهيرية ذات التأثير؛ إذا أراهما المحرك الأساس لمثل هكذا مشروع نبيل (طبعا للدولة و مؤسساتها و حتى جمعيات المجتمع المدني دورها ، و أراه تأطيري و تنظيمي أكثر منه إبداعي)… كما قلتم سيدي في مقالكم : “هناك أشياء لا تقبل ممن يريد امتلاكها إلا أن يبدعها، وتحقيق الانعتاق من التخلف وبناء النموذج التنموي هي مما يندرج تحت هذا الاستثناء.”…
سوف أعطي مثالا ،و قل لي سيدي هل كان فهمي لمقالكم سليما ام حاد عن ما قصدتموه:
” إن أخذنا فريقنا الوطني لكرة القدم بلاعبيه و فئة من مشجعيه كنموذج، و مدربه جمال بلماضي كزارع لبعض القِيَم في نفوس هذا الجمع (النموذج) … السؤال ما نوع تلك القيَم التي بثّها هذا الرجل (رمز جماهري و حتى قائد رأي) كي يخلص لمثل تلك النتائج و النجاحات و الأكثر منه ( وهذا الذي يهمّنا في موضوعنا) : كيف استطاع أن يجعل من أغلبية الشعب الجزائري يؤمن بأنه قادر على الفوز بكأس العالم مثلا؟؟
أُتيح لبلماض مناخا سليما من طرف الدولة ( و حتى قبل ما يُعطىَ ما أعطي من إمكانات، كانت المبادرة منه وحده حيث حث اللاعبين و اقنعهم بأن يأملوا و لا ينكسروا لاأول عاصفة تصيبهم، فنجح في الامتحان و جاءت الدولة تسعى سعيا كي تؤمن للرجل و اشبله المناخ النقي ) و النتيجة ظاهرة جليّة للعيان…”
القيم التي غرسها بلماضي في الشعب بأكمله (مستعينا بنتائجه الإيجابية طبعا) هل هي: بالعمل الدؤوب و المثابرة و حب الوطن و ..نستطيع تحقيق المستحيل ؟ أم شيئا آخر أعظم و بمراحل … أنا في رأيي المتواضع، فإن الرجل (مستعينا بنتائجه الإيجابية طبعا) التي حصل عليها بالعمل و المثابرة و حب الوطن و… استطاع أن يزرع الأمل في النفوس و الإيجابية … فشعبنا أحاطت به السلبية و التشاؤم من كل مكان (يصنعها الأعداء كل يوم) فبات لا يثق بشيء إيجابي واحد، ناهيك عن أن يرى نفسه منعتقا من رق التبعية ( الأمل هو الحل ، مستعينين طبعا ببعض النتائج الإيجابية و في مختلف الميادين)
شكرا على هذا المقال المميّز