“الإلياذة أحسن سجلّ لتاريخ الجزائر حتى اليوم.. أحسن كِتاب فيه وعنه وله، وحتّى إذا ما كُتب هذا التاريخ يوما ما بصفة كاملة شاملة، فستبقى إلياذة الجزائر أروع تاريخ للجزائر وأكثره وقعا في النفوس وأسهله على الحفظ والتذكّر والاستشهاد في معرض الاستشهاد والاحتجاج”.
بهذه الكلمات وصف وزير التعليم الأصلي الجزائري السابق مولود قاسم نايت بلقاسم “إلياذة الجزائر” وقدّم لها عندما نُشرت سنة 1972، وهي أطول قصيدة كُتبت عن الجزائر، ألّفها “شاعر الثورة الجزائرية” الراحل مفدي زكريا.
عندما ألقى مفدي زكريا “الإلياذة” في الجزائر سنة 1972 بحضور الرئيس هواري بومدين، لم تكن تحوي سوى 610 أبيات، ثم أكملها فيما بعد لتستوي عند ألف بيت وبيت.
ثلاثة رجال
“إلياذة الجزائر”، ديوان شعري كبير بلغ ألف بيت وبيت، دوّن فيه مفدي زكريا قصة الجزائر منذ فجر التاريخ إلى ما بعد الاستقلال.
لم تكن “إلياذة الجزائر” من بنات أفكار مفدي زكريا بل هي اقتراحٌ من وزير التعليم الأصلي الجزائري السابق مولود قاسم نايب بلقاسم، ووجد هذا الاقتراح طريقه إلى التجسيد بقلم “شاعر الثورة”.
ويروي نايت بلقاسم قصة ولادة “الإلياذة”، قائلا “طلبنا من المناضل الكبير، الشاعر الملهم، شاعر الكفاح الثوري السياسي، وشاعر الكفاح الثوري المسلح، الأستاذ مفدي زكريا، صاحب الأناشيد الوطنية.. أن يضع لنا نشيدا جديدا يجمع هذه الأناشيد”.
ويضيف “وقد تحمّس مفدي لفكرة نظْم هذه الإلياذة بمجرد أن تلقّى رسالتي في بدء 1972م، وعبّر عن استعداده المطلق لتنفيذها”.
لم يكن سهلا على مفدي زكريا أن يؤلّف “الإلياذة” بمفرده، بالنظر لما حوته من مخزون تاريخي كثيف جدّا ومعلومات غزيرة ضاربة في قعر التاريخ، فوجد نفسه بحاجة إلى مَددٍ معرفي من رجلين هما مولود قاسم نايت بلقاسم، والباحث التونسي في التاريخ عثمان الكعّاك.
وعن مساهمتهما في “الإلياذة”، كتب نايت بلقاسم “وتعاونا نحن الثلاثة: المرحوميْن مفدي زكريا وعثمان الكعاك وكاتب هذه السطور، في وضع المقاطع التاريخية، فكنا نتهافت ليلا، وكانت البادرة في هذا الهتاف الليلي تعود غالبا إلى مفدي، الذي كان ينظم الإلياذة ليلا”.
نشيد الأناشيد
روى مفدي على طول “الإلياذة” استبسال الملوك الأمازيغ من ماسينيسا ويوغرطة ويوبا الأول وغيرهم في الدفاع عن بلدهم ضد الغزو الروماني، وبعدها الغزو البيزنطي والوندالي.
ينتقل زكريا خلال “الإلياذة” في سرد تاريخي منتظم، فيحكي قصة دخول المسلمين إلى الجزائر ويتحدّث عن قبول الأمازيغ الإسلامَ وتعايشهم مع العرب.
ويمضي مفدي قاصًّا أيام الجزائر في فترات الحماديين والزيانيين والرستميين والحفصيين وما عرفته من نهضة علمية وأدبية دون أن ينسى ذكر أعلام تلك النهضة، ثم يخلُص إلى الفترة العثمانية وكيف تسيّدت الجزائر البحر الأبيض المتوسّط بأسطولها.
وبين ثنايا “الإلياذة” يتغزّل مفدي بالجمال الأخّاذ للجزائر في مدنها وجبالها وطبيعتها.
بعدها تأخذ الإلياذة نفَسا مأساويّا عند الحديث عن انقضاض الاستعمار الفرنسي على الجزائر وما عاناه الشعب من تقتيل وتجهيل واستعباد، ثم خاض في مقاومة الأبطال من الأمير عبد القادر وصولا إلى ثورة نوفمبر التي تظفّرت بالاستقلال، وكان الختام بالحديث عن الاستقلال ومنجزاته وبناء الدولة.
تبنّى مولود قاسم نايت بلقاسم “الإلياذة” كونها من بنات أفكاره، وذكر في تقديمه لها “سمينا نشيد الأناشيد هذا: إلياذة الجزائر!”، وتحدّى نايت بلقاسم “إلياذة هوميروس” الشهيرة” قائلا “.. وإن كانت تمتاز عن إلياذة هوميروس بالفارق العملاق، فبينما هذه الأخيرة، أي الإلياذة اليونانية، تروي الأساطير، نجد الإلياذة الجزائرية قد خلّدت أمجادا حقيقية وسطرت تاريخ ووقائع وأحداثا هي من روائع الدهر لا من خلقِ الجنّ ولا من اصطِناع شاعر، ولكن من صنع الإنسان الجزائري في الميدان”.
وكانت “الإلياذة”، ولا تزال، موضوع بحث للكثير من الكتاب والباحثين الجامعيين والأدباء، منها: قراءة في إلياذة الجزائر وتأملات في إلياذة الجزائر والثابت اللساني في إلياذة الجزائر.
أبيات من الإلياذة
يقول مفدي زكريا في مطلع “الإلياذة”:
جزائر يا مطلع المعجـزات**ويا حجة الله في الكائنات
ويا بسمة الربّ في أرضه**ويا وجهه الضاحك البسمات
ويقارن مفدي بين تاريخ الجزائر وتاريخ الأمم السابقة، ويتلُو مُفاخرا:
وأوقفْتُ ركب الزمان طويلا**أُسائله: عن ثمود… وعاد…
وعن قصة المجد… من عهد نوح**وهل إرمٌ… هي ذات العماد؟
فأقسم هذا الزمان يمينا**وقال: الجزائر.. دون عناد!
ويتغنى مفدي بثورة نوفمبر في هذا البيت:
نوفمبر جل جلالك فينا**ألست الذي بثّ فينا اليقينا
وختم “الإلياذة” بأبيات جاء فيها:
بلادي بلادي الأمان الأمان**أُغنّي عُلاك بأي لسان؟
جلالك تقصُر عنه اللُّغى**ويُعجزني فيك سحر البيان
إليك صلاتي وأزكى سلامي**بلادي بلادي الأمان الأمان!
وعلى طول القصيدة التزم مُفدي بِلازمة شعرية يُدرجها بعد كل مقطع، يقول فيها:
شغلْنا الورى وملأنا الدنا
بشِعر نردّده كالصلاة
تسابيحه من حنايا الجزائر