لم يخْلُ عصر في حياة الأمم من الشهامة و المروءة ، فتارة تكونان في الحب ، الاخوّة و الصداقة و تارة نراهما تتبلْوَران و تُسابق إحدى الفضيلتيْن الأخرى في الدفاع عن مقدس ما ، كالدين أو العشيرة أو الوطن (أرضا، مالا و عرضا) …وكلتا الفضيلتين إن تجلّتا في شخص أو مجموعة من الناس أو حتى شعب بأكمله، ستُضْفِيان عليه حلَّة من إجلال وتبجيل لا محالة… و يمشي حينها بين الأمم باسق القامة و مرفوع الرأس و الهامة… كيف لا و قد وضع روحه في كفة مقابل كرامته و عنفوانه في الكفّة الأخرى، مقسما بكل الأيْمان، ثم راضيا و مطمئنا بفقدان الأولى إن لم ينَلْ العيش الكريم… فأخلص في مراده و جزاه الله خير جزاء ، أنْ مكنه بالظفر بالكفتين جميعا.
كذلك بالنسبة للخيانة فهي رذيلة الرذائل، و لا تكاد تمرّ حقبة تاريخية إلا ووجدنا أثارها المدمِّرة … إذ لا يمكنها أن تعيش و تنمو في قلب انسان من دون كذب ، و كلنا يعلم ما الكذب !! إن رانَ على قلب شخص ما ، فهو مُلْبِسه الخزي و العار إن آجلا أو عاجلا
لقد عانى الشعب الجزائري كباقي الشعوب من مآسي الخيانة إبّان الاستعمار الفرنسي 1830-1962 كما أنه ظفر في الأخير باستقلاله و هذا بعد استماتة ، تكاد تكون منقطعة النضير، في الذّوْد على أرضه و عرضه
و بما اني لم اعاني ما عاناه اجدادي، ولم أكابد وحشيته، إذ أخذت رواياتهم من الأفواه و الكتب ، قد يتبادر لذهني أو قلبي أني :ا
- قد أتفهّم ما حاق بخونة الامس من خزي و عار جرّاء ما اقترفته أيديهم، قد أتفهم و اغفر خاصة و هم في تلك الحالة المزرية–
- قد أتفهم أن المستعمر أخافهم لدرجة أنهم فقدوا صوابهم –
- قد اتفهم خيانتهم للجهل و الفقر الذي عانوا منه –
- نعم والله قد اتفهم غير اني لن اقبل أن يتنفسوا هواء الجزائر مرة أخرى و الحمد لله قد قضَوْ و انتقل اغلبهم الى الله العدل فهو سبحانه من يحكم بينهم و بين شهدائنا
و لكن ما يغيضني اليوم و يحزّ في نفسي هم خونة اليوم ، فلا الجهل و لا الجوع و الحرمان يجعلني اتفهم مواقفهم المخزية ، فكلهم يعيشون الرفاه … وحتى الخوف من العدو له دواء إن ارادوا انابة و عودة … لكن هيهات أن تكون لمثل زيطوط و عبود و عبدو و غاني و فرحات و مخيوبة و عدي … شجاعة او مروء