بقلم الكاتب : طاهر حليسي
عندما دُعيت إلى مهرجان تشاكا السينمائي، وهي بلدية نائية في محافظة “الأغريجنتو” بجزيرة صقلية، لم أكن أتصور أنه يمكن لبلدية ضائعة، تقع على بعد المئة كيلومتر عن “باليرمو” الشهيرة بعصابات المافيا، أن تحتضن مهرجاناً دولياً كبيراً، هو الثاني بعد مهرجان موسترا البندقية، كما لم أكن أتخيل أبداً أن تلك القرية التي يتوقف عنها النقل العمومي كل عطلة الأحد تملك محطة تلفزيونية وإذاعية تبث على مدار اليوم والساعة.
كنت قد قررت أن أحمل معي بعض الهدايا التي تمثل عمقاً تراثياً للبلد فلم أجد أفضل من حلويات الجوزية القسنطينية، ورسمة تجسد شعار “ثابزيمت” أو “البزيمة” أو “الخلالة” وهي رسمة بديعة يندر ألا تجدها في لباس النساء التقليدي، شرق الجزائر وفي بعض مدن الجنوب وشمالها، وفي تونس الواقعة في امتداد متغلغل من الشرق وجنوبه المتاخمين، سواء أكان اللباس بربرياً أمازيغياً أو عربياً صحراوياً، لقد وحدت تلك الحلية المستخدمة كدبوس لشد اللباس أو كرمز تزييني “غرافيكي” أنيق شكلياً ومبهر بصرياً، بين العرب والأمازيغ في وسم مشترك، مثلما فعل الكسكس، ومثلما فعل عشاء يناير/كانون الثاني في الأوراس في مطلع السنة الامازيغية، حيث يحتفي الشاوية الأمازيغ وعرب الشرفا والسراحنة، بتلك العادة الفلاحية، معاً منذ قرون مديدة، دونما جدل سخيف يثار، لعلهم كانوا يعرفون بما حازوه من رصيد تعايش وتصاهر مشترك يمتد لقرون خلت بأن الثقافة للإنسان والسلالة للحصان.

ولما دخلت إلى صاحب محل متخصص في الموروثات التقليدية، وهو شاب كنت ألتقيه يومياً زمن الطفولة في حي شيخي وفي دار جيراننا وهم من عائلة نايت السعيد، العائدة أصولها إلى منطقة قلعة بني عباس بأقبو ببجاية، في جهة القبائل الصغرى، لم يكن هو يعرف بالتحديد ضالتي التي لم أكن لأطلعه عليها، قبل أن أجيل بصري في الرفوف المزدانة بالفساتين والأحذية العريقة، وبالإكسسوار الفخاري والنحاسي القديم، غير أنه لما عرف بأنني مقبل على السفر إلى إيطاليا توقف ملياً قبل أن يتوارى خلف المحسب، مخرجاً لي لوحة ضرب فيها شعار فضي قائلاً:
– لن تجد هدية أفضل من هذه.
صعقت بأنه قدم لي ما كنت أنوي أن أسأل عنه.. تلك الرسمة
“الخلالة” التي كنت أفتش عنها بين بقج القش، والمعروضات المبعثرة، لكأن ذلك التاجر الحاذق كان متلصصاً على مخيّلتي، أو صار كائناً “زهروياً” نفذ متسللاً إلى أعماق طويتي.

على السلامة واش راك؟
أيقظتني الجملة المرحبة التي تعني “كيف حالك؟”، من شبه سبات مهلك بعد رحلة متعبة امتدت بلا توقف من الجزائر إلى روما ومن روما إلى مدينة باليرمو، ومن باليرمو إلى تشاكا، ولأن الجملة كانت بلهجة محلية جزائرية وتونسية ومغربية، ظننت أن محدثتي تنحدر في الأصل لتك الأوطان غير أن اسمها الذي قدمت به نفسها كان إيطالياً خالصاً: سيرينا سابيلا.
لاحقاً عرفت منها أنها أتقنت اللغة العربية واللهجات المغاربية بحكم إجازتها في الدراسات العربية الإسلامية من معهد الدراسات الشرقية بمدينة البندقية، وأنها تخصصت في رسالة القشيري الصوفية، وحتمت عليها فروض المعرفة أن تدرس لمدة ستة أشهر بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس في المغرب، حيث أتقنت هناك اللهجة المغربية الشبيهة تماماً باللهجة الجزائرية، لا بل إنها راحت تحدثني عن وهران وفن الراي وكتب ياسمينا خضرا.
أدركت منذ الوهلة الأولى أن لسيرينا حدوداً ثقافية أبعد عن الجغرافيا الإيطالية، فهي ابنة صقلية ولربما ورثت إرهاصات فكرية من القرنين اللذين جعلا الجزيرة ضمن إطار الحضارة الإسلامية، بكامل مكوناتها العربية والإفريقية والبربرية، لذا لا تتعجب أبداً إن رأيت أمامك صقليين يبرعون في إعداد أكلة الكسكس، الذي صار تراثاً إنسانياً بعد خصومة كاريكاتيرية ودرامية بين بلدان وأنظمة مغاربية. كما أن لغتهم المختلفة لحناً، عن الإيطالية مليئة بالمفردات العربية، إذ يمكنك أن تسمع لدى الصيادين كلمة “شباكو” وتعني الشبكة، وكلمة مازارا وتعني المزارة، وكلمة كاستلبلوطا وهي مكان يعني قلعة البلوطة.
لذلك فحينما عرض الفيلم الجزائري “10 ملايين سنتيم” الذي كتبته ياسمينا خضرا وأخرجه بشير درايس، عقبت في نهاية العرض وبلغة مفعمة بعتب المحبين: “صحيح أن الفيلم يقدم حقبة سوداء وحمراء عن عشرية الإرهاب في الجزائر، لكن دوماً ما أتساءل، لماذا تصرون على عرض الجوانب المظلمة بدل تقديم الوجه المشرق في ثقافتكم؟”.
أعرف أن لديكم أشياء جميلة يندر من يقدمها لهذا العالم المتسابق في صناعة الصورة والنمط، ثم في نطاق عام يخص بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، أنا أعرف أن هناك شخصيات عظيمة في عالمكم الثقافي، غير أني لا أفهم لماذا تتحدث عنكم، دائماً وأبداً، تلك الأصوات السيئة بالوكالة.

الكاتب و الصحفي الجزائري طاهر حليسي الثاني على اليمين
وقبل أيام من ختام المهرجان الذي دام أسبوعاً كاملاً، تصادف أني قدمت الكاتبة الكبيرة أحلام مستغانمي للجمهور الإيطالي، ولدواعي السفر تعذر على أحلام وابنها غسان حضور حفل إسدال الستارة لذا رافقتهما إلى باليرمو مع الصديقة صباح بن زيادي، وأنا حريص على العودة إلى تشاكا كي أقدم هديتي “الثمينة”.
وقبل أن أعود ليلاً في شبه رحلة مغامرة عسيرة، انتهت بسلام بعدما أضعت الطريق ليلاً حتى وجدتني في قرية متلاشية في الريف الصقلي، لولا أن سائقاً مدبب الوجه حاد التعابير يشبه السفاح “سالوزو” أعادني بسيارته الخاصة بعدما ركن حافلته، من مسافة تكاد تقارب الثلاثين كيلومتراً.
تجولنا في قلعة البالاتينا العجيبة، وهي كنيسة عظيمة بناها المسيحيون النورمانديون فيما تكفل الحرفيون المسلمون المستقدمون من شمال إفريقيا، بضرب سقوفها بزخرفات بديعة، ماتعة الألوان، بهيجة الأشكال، في عز الحروب الصليبية المدمرة.

قلعة البالاتينا
وفي طابق بتلك القلعة يوجد البرلمان المحلي لصقلية، وتحته متحف تاريخي بعدة طوابق يروي تاريخ الجزيرة، بيد أن سره الكبير كان مخبوءاً في دهاليز تحت الأرض، معدة بإتقان نحو غرف بالطابق السفلي، فقد أصرت مضيفة أن تدخلني إليه، فوجدته مليئاً بالمخطوطات العربية والإسلامية والأواني والزخارف والحلي البربرية والعربية، وقد هالني أن يحتفي القوم هنا بتراث غريب عنهم، وافداً إليهم، مستقراً بينهم مدة قرنين كاملين، لكن شيئاً آخر أذهلني، ففي خزانة حائطية زجاجية رأيت حُلي “تابزيمت” موضوعة هناك بعناية فائقة، كأنها جوهرة عبقرية يحتفى بها منذ أزل أثيل.

لقد صارت “الخلالة” جزءاً من التراث التاريخي لصقلية وإيطاليا، أنا الذي كنت أعتقد أن هديتي النادرة تلك مجرد تراث محلي ووطني يتيم. في واقع الحال لقد نقلت الجيوش الإسلامية المشكلة من بربر وعرب ذلك الموروث إلى هناك قبل ألف سنة. سبقني الأغالبة والفاطميون إلى باليرمو قبل أن تطأ قدماي أزقتها القديمة، وأسواقها الصاخبة، وبلاط متحفها الفاخر.
وفي تلك اللحظة شعرت كما لو أنني تاجر مبتدئ في سوق التاريخ الإنساني، يبيع أعواد الثقاب لقبائل النار.
https://arabicpost.me/opinions