محطة أخرى تتطلب وقفة خاصة من عمر مآسي الشعب الجزائري على يد الاحتلال الفرنسي: مظاهرات 11 ديسمبر 1960، وما تم فيها من تغول للمعمرين قبلها وبعدها، خاصة في المدن ذات الكثافة السكانية الاستعمارية بامتياز ومنها وهران التي عرفت بدءا من الثامن من هذا الشهر من سنة 1960 وإلى غاية الـ16 منه، أبشع أنواع الاعتداءات على المواطنين “الأهالي” بعد المظاهرات التي قادتها عصبة التعصب الاستعماري التي لم تكن ترغب في رؤية البلد يتحرر من ربقتهم، وهم الذين جاءوا إلى هذا البلد حفاةً عراة، وصاروا بعد قرن ونيّف لهم أياد يبطشون بها وأقدام سود يمشون عليها، ومناخر يرفعونها وشوارب يلوونها وعصيّ ورصاص حيّ وأسلحة ثقيلة ينكلون بها، حتى صارت أمهم فرنسا تخشاهم وتحسب لهم ألف حساب، بل وتخشى انقلاباتهم العسكرية كما حدث بعد ذلك.
زيارة ديغول للجزائر المستعمَرة بدءا من مطار زناتة بتلمسان مرورا بمهد وسلة المعمرين، أو كما سماها الرئيس الراحل “رزمة الكولون”، عين تموشنت ثم وهران.. وصولا إلى العاصمة، كان يُراد لها توطئة مشروع ديغول الذي بدأ قبل سنة من ذلك ضمن ما يسمى “مشروع قسنطينة”، الملتفّ على مطالب الشعب الجزائري في الاستقلال التام والحرية والسيادة. هذه الزيارة التي سيزعم فيها ديغول للشعب الجزائري “أني فهمتكم”، مع أنه كان واهما أنه كان فاهما، ما كانت محاولة لطمأنة عتاة المعمرين على أن مجدكم مصان وبقاءكم مضمون، كان يراد منها أيضا امتصاص غضب الشعب الجزائري عبر وعود لم تعد تنطلي على أحد منهم.
مظاهرات لغلاة الكولون بدأت مع الزيارة للضغط على ديغول بأن “الجزائر فرنسية”، قابلتها مظاهرات للشعب الجزائري تطالب بالحرية للجزائر والاستقلال. مظاهرات أهدِر فيها الدم الجزائري وبلغ الجرم مداه عندما انكشف أمام مرآة العالم وأعينه وفي أروقة الأمم المتحدة، مما جعل التناقض يصل الذروة في أركان النظام الاستعماري نفسه عبر محاولة انقلاب غلاة الجنرالات على ديغول نفسه.
هذه المحطة، كانت إحدى المحطات الفاصلة في تاريخ نضال شعبنا ضد الاحتلال بكل ما أوتي من قوة ومن عمل ومن طول نفَس، رغم القهر وأشكال التنكيل والتعذيب. مناسبة، كان المعمرون وفرنسا الديغولية تريد من ورائها إسكات الغضب المتزايد للشعب الجزائري عن طرق ذر الرماد في الأعين مرة أخرى بعد ما التفّ الشعب حول نخبه السياسية الوطنية ممثلة في جبهة التحرير الوطني، الممثل الشرعي والوحيد لنضاله التحرري، مظاهرات أفضت إلى فضح النظام الاستعماري وتسجيل القضية الجزائرية في أروقة الأمم المتحدة لتدوّل القضية لأول مرة بعد ذلك، وهذا بعد سلسلة من الرفض الشعبي تلبية لنداء جبهة التحرير الوطني التي عرفت قياداتها كيف تستغل هذه الزيارة التي كانت ستكون لصالح المعمرين، وهذا عبر سلسلة من المظاهرات والإضرابات التي أربكت الآلة العسكرية والسياسية الاستعمارية وقوّضت فرص بقائها طويلا في هذا البلد.
هذه الأحداث وما تبعها من حوادث، مهَّدت الطرق أمام الاعتراف بحق الشعب الجزائر في تقرير مصيره بنفسه بعد مفاوضات عسيرة وشاقة أفضت إلى ما يُعرف اليوم باتفاقيات إيفيان.
هُزم الفكر الاستعماري وسقط مشروع ديغول كما سقطت قبله كل المشاريع الاستيطانية والعسكرية الكبرى أمام رغبة شعبٍ لم يكن يملك سوى إرادة من فولاذ وأغلال من حديد يكسرها لقاء حريةٍ واستقلال ينعم به.. وهذا ما حصل بعد سنة ونصف سنة من هذه المحطة في مسار نضال شعبنا الطويل والشاقّ والذي لا يزال متواصلا رغم الداء وكيد الاعداء.
عمار يزلي
الشروق أونلاين