يقوم الرهان الحالي والمستقبلي في العالم العربي على إمكانية مقاومة الأزمة الاقتصادية العالمية المقبلة والتي فتحتها الحرب الروسية على أوكرانيا وتداعيات الحرب الاقتصادية ضد روسيا التي لم يسبق لها مثيل. يقوم هذا الرهان على إمكانيات امتصاص الصدمات المقبلة بنسب متفاوتة حتى داخل إطار الدول التي فرضت العقوبات نفسها.
العالم العربي الذي لن يكون على أيّ حال، أسوأ حالا من بعض دول وشعوب القارة الإفريقية والأسيوية الفقيرة ولا أحسن حالا من دول الاقتصاديات الكبرى، لن يكون بالتأكيد هذا المدُّ المتمدِّد للتضخم ولأزمة الغذاء العالمية بدون تأثير، أقل ما نقول عنه أنه مؤلم، ولو أنه لن يكون بالضرورة قاتلا، باستثناء بعض البلدان التي تعرف وتعاني أصلا من قبل ذلك، شح الموارد المالية والغذائية والطاقوية وأزمات استقرار سياسي وأمني.
بالتأكيد، ستتفاقم أكثر الأزمة الاقتصادية، إن طال أمد الحرب ومعه العقوبات، وستتوسع وتتسع لتصبح أزمة أمن عالمي، خاصة في البلدان الفقيرة التي لن تتمكن من القدرة على الصمود، وقد تعرف موجات هجرة نحو الشمال أو حروب أهلية وانتفاضات ومجاعات حتى.. وهذا الأمر لم يعُد خافيا على أي متابع أو محلل اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي في العالم. الكل يدقُّ ناقوس الخطر ويحذر من أن “حربا عالمية ثالثة على الأبواب، بدايتها كانت أوكرانيا، ووسطها العقوبات الخانقة، ونهايتها لا أحد يتكهّن بها، ولو كان الكثير يتكهن بدايتها.
في العالم العربي، ليست كل دوله المنضوية تحت لواء الجامعة العربية على نفس القدرة على التحمُّل والتصدي والصمود أمام الأزمة الاقتصادية العالمية المرتقبة. لهذا، قليلٌ من هذه الدول ستجد نفسها في وضعية تسمح لها بالاستمرار في التنمية ولو على نحو أقل طموح، ومنها الدول النفطية بدرجات متفاوتة.
المحلل الاقتصادي الروسي “ألكسندر نازاروف”، يتوقع أن تكون الجزائر أقوى الدول العربية قدرة على امتصاص الصدمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الخانقة ضد روسيا، ويوعز ذلك إلى عدة أساب أهمها بنيتها الاقتصادية وانعدام مديونيتها الخارجية واستقلاليتها السيادية السياسية. وهو يرى أن هناك أكثر من دولة عربية بإمكانها أن تتجنب الأزمة، منها بعض الدول الخليجية والمملكة العربية السعودية بشكل خاص، ثم مصر، لكن الجزائر بالنسبة له هي في أفضل رواق وأحسن موقع من ذلك.
يرى نازاروف أن العالم يقترب من ذروة أزمة اقتصادية عالمية لن تذر دولة مهما كان وضع اقتصادها بما فيها الولايات المتحدة، التي ستعاني حسبه من انفجار تضخُّمي قد يؤدي إلى نتائج عكسية مما كانت ترجوه، بنفس الحجم أو أكثر، ستعاني الدول الأوربية من تبعات الأزمة. الاقتصاديات الكبرى ستنجو بحسبه، بفعل قوة اقتصادها مهما كان أثر الأزمة عليها، لكن الدول العربية، يقول نازاروف، ستتأثر أكثر بآثار الأزمة، وفقط دولة مثل الجزائر سيكون بإمكانها أن تصمد، كونها “تملك أفضل فرصة في كل شيء. فهي، وللحفاظ على استقلالها وعملتها الخاصة، تملك احتياطا كبيرا من الذهب ولها اقتصاد متوازن إلى حد ما”، أما السعودية، يضيف نازاروف، فلديها مشكلة مع الاستقلال الغذائي ونفطها مهمّ للغاية بالنسبة للولايات المتحدة والصين، لتتركه خارج سيطرتها. أما مصر، بالنظر إلى حجم اقتصادها، فقد تكون لها فرصة، لكن مشاكلها لا تقل عن ثقلها في العالم العربي.
عمار يزلي
الشروق أونلاين