314
كانْ يَا مَا كانْ..حَمِّيدُو بن عْلِي الخيّاط..في “بَهْجَةْ” سيدِي عبد الرَّحمن…استشهد يوم 17 جوان…
“ضَبْعاتْ النساء تْجيبْ سْبُوعَةْ الرّْجَالْ”
قضى حميدو طفولته مترددا بين محل أبيه “عمي علي” في قصبة الجزائر يتعلم فنون الخياطة وبابي دْزِيرَة و السَّرْدينْ، أين كان يشبع فضوله حول عالم البحار وأساطير الرياس.
ولد حميدو حوالي سنة 1770م من قبيلة عربية نزحت من الضواحي إلى المدينة. بدأ مساره العسكري البحري وهو في العاشرة من عمره نُوتِيًا في إحدى السفن بعد تجربة صغيرة في عالم الخياطة بمحل أبيه في القصبة. ومن أسفل الرُّتب البحرية، ارتقى النُّوتي (Matelot) حتى أصبح أميرالَ الأسطول الجزائري في العشرية الأولى من القرن 19م.
حميدو بن علي الذي وصفه المؤرخون والرحالة الأوربيون بالوسيم والجميل الوجه، المتعدد اللغات (العربية، الإيطالية، الإنكليزية وحتى الإسبانية والتركية).. عرف انطلاقته البحرية الأولى التي رفعته إلى مصاف كبار قادة البحر في مدينة الجزائر ومرساها العتيق، ثم طلبه باي وهران بعد شيوع نجاحاته في المعارك والغزوات وأمَدَّهُ بِشَبابيكِه (سفن متوسطة وخفيفة الحركة) لِيُغِيرَ بها على السواحل والجزر الإسبانية والبرتغالية.
وبقدر ما سطع نجمه في البحر المتوسط، كان حُسّاده يترصدونه بالوشايات والمؤامرات لدى الداي والباي، وعاش بضع سنوات صعبة في تسعينات القرن 18م وبداية القرن 19م اضطرته للهجرة إلى تونس وحتى إلى بيروت بلبنان أين أقام حوالي سنة حتى جاءه عفو الداي الحاج علي ودَعْوَتُه للعودة إلى البلاد في 1808/1809م.
حقق حميدو بعد إعادة الاعتبار له، انتصارا خارقا للعادة أكد به قدراته وعبقريته البحرية، بحيث استولى ببضعة مراكب جزائرية ضعيفة العُدَّة والعدد على مجموعة من السفن الكبيرة البرتغالية المجهزة بأحدث ما أنتجته ترسانات البرتغال من مدافع وقذائف، وكان أضخمها وأجملها السفينة الشهيرة بـ “البُرْتُوغِيزَة” التي عربها الجزائريون وعلى رأسهم الحاج الشريف الزهار في القرن 19م، إلى “البَرْدْقِيزَة” والتي لازمها حميدو طيلة ما تبقى من حياته، حيث قضى نحبه عليها في 1815م أثناء معركته الشهيرة ضد الأسطول الأمريكي.
بتكليف من الداي “غَسَّال التشوَالقْ” أعاد تنظيم القوات البحرية الجزائرية بما يجعلها قادرة على مواجهة الاعتداءات الأوربية المتزايدة على البلاد وجَعَلَهَا مدرسة قائمة بذاتها، وحرص أثناء انتصاراته على معاملة الأعداء معاملة إسلامية نبيلة، شهدوا له بها جميعا، وقد أثنى عليه كثيرا أحد أسراه الإيطاليين، وهوالمؤرخ بانانْتِي، وحتى القنصل الأمريكي الذي حاصره ويليام شِيْلَرْ.
حميدو الذي رفع راية الجزائر شامخة في البحار والمحيطات بمساعدة أصدقائه الأوفياء الحاج يعقوب وعَلْوَاشْ ودحمان وْلِيدْ بابا الشْريف.. كانت عودته من الغزوات البحرية إلى مرسى مدينة الجزائر عيدا كبيرا يهرع له السكان والقادة والأعيان ليستقبلوه بطلقات المدفعية والبارود والزغاريد والزُّرْنَة…ويوزع عليهم بالمناسبة الهدايا التي غنمها من سفن الأعداء.
في 17 جوان 1815م، انتهت أسطورة الرايس حميدو في عرض مياه جبل طارق بقذيفة أمريكية، حزنت لها الجزائر كثيرا وبكاه الناس وعزل الداي أحد أكبر أعوانه الذي تسبب في خروج حميدو إلى البحر رغم الظروف والإمكانيات غير الملائمة. لقد كانت وفاته كارثة بالنسبة للبحرية الجزائرية وخسارة كبيرة للبلاد.
حميدو بين أهله و”الكفار”
استشهد حميدو بن علي الخياط في عرض البحر من أجل الجزائر التي رفع رأسها عاليا طيلة أكثر من عشرين سنة، رفقة أعوانه المخلصين الرِّيَاس شَلَبي، دَحْمَانْ وْليدْ بابا الشريف، حاج سْليمَانْ وعَلْوَاشْ…
بعد 181سنة، لم يبق من هذا البَحَّار العظيم سوى صفحتين أو ثلاثة تتناول بطولاته في “مذكرات الحاج الشريف الزهار”، المخطوط الذي حققه أحمد توفيق المدني، إشارات متفرقة له في المؤلفات التاريخية للدكتور مولاي بلحميسي… وترجمة الدكتور محمد العربي الزبيري لكُتَيِّب المستشرق الفرنسي ألْبيرْ دوفولْكْسْ تَمَّ نشره في بداية السبعينات، بالإضافة إلى تخصيص عبد الرحمن الجيلالي لثلاث صفحات له في سياق حديثه عن “عداء أمريكا للجزائر” في كتابه “تاريخ الجزائر العام”.
لكن مادامت أعرافنا قد جعلت “الجزائري عزيزا في كل مكان إلا في بلاده”.. فإن حميدو لم ينجح في الشذوذ عن هذه القاعدة وسوف يجد التكريم والاحترام الذي يليق به خارج وطنه.
تحتوي مكتبة الكونغرس الأمريكية على وثائق هامة عن مسيرته البحرية، ويمتلك أرشيف البحرية الأمريكية كمية معتبرة من المراجع العامة والمختصة حول حياته وحول تقنيات واستراتيجيات القتال البحري التي كان يعتمدها في زمانه. وقد أشاد به الباحث ج. بارنبي في كتابه “الجزائر في عهد القراصنة” (Algiers in the Age of Corsairs) كما تحتفظ البحرية الأمريكية حتى اليوم برايته الخاصة وربما بأشياء شخصية له أخذوها من سفينة “المَسْعُودَة” في 1815م.
لِحَمِّيدُو مكانة كبيرة أيضا في البحوث والمؤلفات التاريخية الفرنسية والإيطالية الكلاسيكية، جَسَّدتها أعمال أحد أسراه، الإيطالي بانانتي والفرنسي اوجين بلانتي وألبير دوفولكس، وحتى المؤرخين المعاصرين تعرّضوا له مثل الإيطالي سالفاتوري بونو.. وغيرهم.
ماذا لو كان حميدو أمريكيا أو فرنسيا أو إنكليزيا… هل كان سيعرف نفس المصير واللامبالاة..؟ أعتقد انه لو كان كذلك لما تعرض على الأقل للسطو على سيف تمثاله كما وقع له بباب الوادي قبل بضع سنوات على مسافة بضع خطوات من احدى أكبر المؤسسات الأمنية الجزائرية.
الرايس حميدو في آخر معاركه: “ديكاتور” (Decatur) يُحَيِّي رايته ويأخذها إلى أمريكا
عندما كان الرايس حميدو بن علي في أوج قوَّته وشهرته في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، كانت اوربا تتآمر على الجزائر في مؤتمر فيينا سنة 1814م بعد معركة واترلو بين فرنسا وبريطانيا. وقبل ذلك كانت الحرب الطويلة بين بريطانيا ومستعمرتها القديمة الولايات المتحدة الأمريكية قد هدأت بعد التوقيع على معاهدة غانت في 1812.
أما في الجزائر فقد طغت الفوضى السياسية على البلاد من خلال الانقلابات العسكرية المتواصلة وعدم كفاءة عدد من الدايات والقادة، في ظل ثورة سياسية-دينية، تزعمتها الزاوية التيجانية وكذلك الزاوية الدرقاوية طيلة العقد الأول من القرن19م ضد السلطة المركزية بمدينة الجزائر…
عودة الاستقرار إلى أوربا وتردي الأوضاع في الجزائر، كان مؤشرا إلى دخول البلاد عهدا صعبا لم تكن جاهزة له، لذلك سوف تتحمل البحرية الجزائرية كل المصائب القادمة من أوربا. ولقد كان الرايس حميدو وسفينته المشهورة “البردقيزة” (البرتغالية) أول من دفع ثمن هذه التحولات الإستراتيجية الدولية.
توقفت الولايات المتحدة الأمريكية عن دفع إتاوة 24600 دولار سنويا في 1812م بقرار من الكونغرس الأمريكي بعد أن انتهت حربها مع الانكليز، وقرر هذا الأخير التفرغ لإعادة النظر في علاقات بلاده مع الجزائر بالدخول في حرب معها.
في يوم 17 جوان 1815م التقى الرايس حميدو خلال إحدى خرجاته البحرية على رأس سفينتين فقط من أسطوله بأسطول أمريكي من 11 سفينة كبيرة، وكانت “بردقيزة” حميدو وتابعتها لا تحتويان سوى على 11 مدفعا مقابل 300 مدفع لدى الأمريكيين. ومع ذلك انطلقت المعركة.. انطلقت صدفة قرب مضيق جبل طارق بشراسة، رفض حميدو الانسحاب منها رغم إلحاح أعوانه نظرا لعدم تكافؤ الموازين، ووفق فلسفة “النِّيفْ والخْسَارَة” تشابك الرايس مع رُعاة البقر الأمريكيين بشجاعة كبيرة ودهاء نالا إعجاب واحترام أعدائه وكذلك البحارة البرازيليين والأوربيين الذين كانوا يتابعون من بعيد المعركة الدائرة في عرض مضيق جبل طارق.
وبعدما أصيب بجروح منذ بداية القصف الأمريكي تلقى حميدو قذيفة تزن 12,5كلغ انشطر جسده لها إلى نصفين، فألقاه نائبه أحمد وَلْدْ عمر باش رايس في البحر، حسبما أوصى به، حتى لا يقع في قبضة “الكفار”… وواصل الباش رايس المعركة التي دامت 5 ساعات، إلى أن نفذ بارود البحارة الجزائريين، أو ساعتين ونصف حسب الرواية الأمريكية آنذاك، قبل أن ينجح الأمريكيون في الاستيلاء على “البردقيزة”… وما إن وطأت أقدامهم سطحها حتى سارعوا إلى البحث عن الرايس الشهيد الذي أخضع رئيسهم توماس جيفرسون طيلة سنوات طويلة للسياسة الجزائرية في البحر المتوسط وبعض مناطق المحيط الأطلسي، واغتاظوا كثيرا لموته… وحَيَّا قائد السفن الأمريكية ديكاتور العَلَمَ الجزائري والراية الخاصة بحميدو وأخذها بإكبار داخل صندوق أنيق إلى الولايات المتحدة أين وصفهما لقادة بلاده بأنهما “لضابط جزائري محترم”.. وهما الآن محفوظان في متحف أرشيف البحرية الأمريكية.
بعد هذه المعركة، شهدت العلاقات الجزائرية-الأمريكية تطورا نوعيا بحيث أصبح الداي أقل قوة تفاوضية مما كان عليه في السابق واضطر لإلغاء الإتاوة على أجداد جُو بَايْدنْ وبِيلْ كْلينْتُونْ وشْوَارْزْكُوفْ.
بعد 207 سنة من استشهاده…ماذا بقي من الرايس حمّيدو؟
عندما أرادت الجزائر تخليد ذكرى أميرالها الكبير الرايس حميدو، أطلقت اسمه في نهاية الثمانينات على مرقص ساحلي يقع بين نادي الصنوبر وموريتي في العاصمة. وعندما تحركت همم الجزائريين وجاشت نخوتهم، بنو لحميدو تمثالا قرب “قاع السور” بين “رْمِيلة لَعْوَادْ” والمديرية العامة للأمن الوطني في باب الوادي. في نفس الفترة تقريبا استبدلت السلطات المحلية اسم حي لابوانت بيسكاد باسم الرايس حميدو والذي أصبح يشمل دائرة بأكملها تبدأ من بولوغين حتى نواحي ميرامار، وهي دائرة ساحلية تطل على أجمل خلجان وشواطئ غرب مدينة الجزائر.
هذا كل ما بقي من ذكراه البائسة بعد 207 سنة من استشهاده، وقد زادها بؤسا تجريده من سيفه قبل سنوات، وهذا “عيب” كبير وإهانة لشخصية عسكرية في مرتبته، غير أنه متعود على ذلك ما دام الداي حسين بن علي اضطر لِتوقيع وثيقة الاستسلام لفرنسا في 5 جويلية 1830م يُقال إن الجنرال دوبورمون كان قد أعدَّها في قصر حمِّيدو الشخصي الكائن بالأبيار والمعروف بـ “جْنَانْ الرَّايَس حَمّيدُو”…
عَيبْ عْليكُمْ عَارْ كَشْفـة *** ياَ أهْلْ بلادي يَـا سْخــافْ
دَرْتوُهَا مَرْتْبَة وْحَرْفــة *** نْكَرْتوُا الخِيرْ وَالأصّْنَــافْ
سُومَتْكُمْ مَا سْوَاتْ عَلْفَة *** فِي سُوقْ السَّبْتْ وَالجْيَافْ
كلمات مصطفى التومي وأداء الحاج محمّد العنقاء
فوزي سعد الله: قصبة الجزائر، الذاكرة، الحاضر والخواطر. دار الهداية. الجزائر 2011م
https://web.facebook.com/photo?fbid=10221626305389800&set=a.1172730601286