Home اقتصاد الجزائر ترضخ مرة أخرى لفرنسا؟

الجزائر ترضخ مرة أخرى لفرنسا؟

by Mohamed Redha Chettibi
0 comment
A+A-
Reset

 

هذه هي الصورة التي يحاول البعض ترسيخها في مخيال من يقرأ خبر إمضاء سوناطراك و شركة توتال الفرنسية لعدد من العقود في التاسع من جويلية الماضي.
الكل اليوم مهتم بمتابعة الزيارة التاريخية للرئيس إلى الصين، لكن فئة مريضة مهتمة أكثر بهذا العقود الممضاة بين الشركتين النفطيتين الجزائرية و الفرنسية، محاولين تصويرها على أنها انبطاح جزائري لفرنسا أو أن السلطات في الجزائر تتظاهر بالعداء تجاه فرنسا لا غير، و بالفعل، فقد نجح هؤلاء في بث الشك في نفوس العديدين، خصوصا أصحاب العبارة “قطع دابر فرنسا”، في هذا المنشور سنقوم بشرح ما حدث فعلا، و سنقوم في نفس الوقت بإسكات الناعقين، و وضع التواقين إل فك الإرتباط مع فرنسا في صورة أكثر واقعية، الذين يصبحون عرضة للتهكم و التنمر بسبب فهمهم الخاطئ لخبايا السياسة، و حدوث تناقضات منطقية، بين هذا الفهم، و ما يتمنونه و يحدث في الواقع.
في نوفمبر 2022، صرح عرقاب وزير الطاقة و المناجم ، أن من يريد كميات إضافية من النفط و الغاز من الشركاء الغربيين، فعليه بالإستثمار في قطاع المحروقات بالجزائر، حيث أن قانوني المحروقات و الإستثمار الجديدين يجعلانا الإستثمار فيها خيارا جيدا، و لقد كانت الشركة الفرنسية توتال من بين 3 شركات أبدت استعدادها للإستثمار، رفقة اوكسيدونتال و ايني، لكن و مع تجدد توتر العلاقات بين البلدين، بدأت الشركة الفرنسية بالمماطلة.
ما لم يعلمه مسؤولو الشركة الفرنسية هو أن سوناطراك كانت تخبئ لها مفاجئة غير سارة، حيث أنها، و بسبب التماطل المذكور أعلاه، و بسبب الأزمة بين البلدين ، قامت بسحب صفقة انشاء مصنع البوليمار بالمنطقة الصناعية بأرزيو شرق وهران، من توتال، و هي صفقة نالتها سنة 2018 لكن الأشغال لم تبدأ بسبب قلة الموارد المالية و أزمة كورونا، و حفظا للوجه، أعلنت سوناطراك أن الشركة الفرنسية انسحبت من بحت إرادتها، و هو أمر غير صحيح طبعا، حيث تم في نفس يوم الإعلان عن تحويل الصفقة للشركة البريطانية Petrofac و الشركة الصينية China universal engineering ، و قد بلغت الصفقة 1.5 مليار دولار.
و لقد سببت هذه التنحية صدمة للجانب الفرنسي و أعادته إلى وعيه، خصوصا مع اقتراب الشتاء و بروز ضرورة توفير ما تحتاجه فرنسا من طاقة في ظل تراجع عدد المفاعلات النووية الفرنسية و البدائل الأمريكية الأكثر ثمنا.
كل هذا دفع الفرنسيين إلى اتخاذ قرار بإستثمار مبلغ 739 مليون دولار في عمليتي استكشاف و استغلال في منطقتي TFT II و TFT SUD، إضافة إلى تمديد عقود قديمة و كذا بعض مشاريع الطاقات البديلة، و من المرجح أن يساهم هذا الإستثمار، فضلا عن العائد المادي، في رفع انتاج الجزائر بمايكافئ 60 ألف برميل يوميا، أي زيادة في الاتنلج الوطني بنسبة 6%، و كذا 55 مليار متر مكعب من الغاز، و بعض المواد الأخرى كالـ Condensate.
لا بأس أن نستفيض في الشرح للقارئ، عن التحديات التي كان و لا زال يواجهها قطاع المحروقات في الجزائر.
عانى القطاع ابتداء من 2013 شيخوخة للآبار المتوفرة، حيث نظب او انخفض الضغط عن الكثير منها، و تزامن ذلك مع تزايد كبير في الإستهلاك الداخلي، و في نفس الوقت، واجهت الجزائر عزوفا للإستثمار فيها، لعدة أسباب، بعضها كيدي، حيث تعمدت بعض الشركات الكبرى عدم الإستثمار في الجزائر من أجل أن تحرمها مما تحتاجه من موارد مالية للتنمية، و بسبب حجم المخاطرة الكبير، حيث تتجنب حاليا الشركات الطاقوية كسوناطراك القيام بعمليات استكشاف الأبار من خلال شركات مناولة، ذلك أنها غير مجدية و تنطوي على مخاطرة كبيرة، و تفضل بدل ذلك، جلب شركات استكشاف تملك تكنولوجيا متطورة و تملك رؤوس أموال ضخمة، و مستعدة للمخاطرة، حيث تقسم المساحات التي يرحج انها تحتوي على مكامن طاقوية، و تقدمها لهذه الشركات تحت عقود امتياز، فإذا استطاعت الشركات اكتشاف نفط او غاز يتم استخراجه وفق شراكة مجزية لكلا الطرفين، و إذا كانت القطع فارغة او بها كميات غير مجدية، تتحمل الشركة المستكشفة خسائر الصفقة وحدها، و في ظل التخمة العالمية في المواد الطاقوية المشهودة قبل الحرب، الأوكرانية، واجهت الجزائر و الكثير من الدول، متاعب كبيرة في ايجاد شركات استكشاف.
كل هذا تغير مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، و التوقف عن استيراد الطاقة الروسية، حيث أصبحت الجزائر البديل اكثر تنافسية اليوم، الأمر الذي جعلها تبدأ في التخلص من الحصار و اللا إهتمام الذي كان يعانيه قطاعها الطاقوي.
بالعودة إلى شركة طوطال، أصبحت لدينا الآن صورة أوضح حول المسألة، فالفرنسيون اليوم بحاولون تدارك ما خسروه مع الجزائريين، لكن الأمر لا يتوقف هنا، فالكل اليوم يعلم أن العملاقين الأمريكيين Cheveron و ExxonMobil على أعتاب عقد صفقة استكشاف و استغلال ضخمة بعد الخسائر التي تكبدوها في استكشافاتهم قبالة السواحل البرازيلية، و الأكيد أن الشركتين ستنالان حصص مهمة و دسمة لإستكشافها، كل هذه الأسباب جعلت الرئيس المدير العام لتوتال يأتي إلى الجزائر زاحفا مرفوقا بشيك قيمته 700 مليون دولار و تكنولوجيا انتاج الهيدروجين منخفض الكربون، و لك أن تشاهد الصور التي تنعدم فيها ملامح الندية، حيث لا يوجد تقريبا أي اثر للشركة عدا ذاك العلم الصغير.
الآن و قد بددنا لديك فكرة الرضوخ الجزائري، لابد أن نعالج الجزء الثاني من التساؤل، كيف لدولتين تشهدان توترا حادا، أن تعقدا صفقة بهذا الحجم؟ لابد أن التوتر خدعة!
لنشرح ما يحدث، يجب أن نبتعد عن الجزائر قليلا، و نتجه إلى الحدث الرئيسي اليوم. ألا و هو الحرب بين روسيا و أوكرانيا، هل تعلم أن مجموع قتلي الطرفين قارب أو فاق 200 ألف؟ و هل تعلم أن أنبوب غاز قادم من روسيا مازال يمر عبر الأراصي الأوكرانية، فيزودها بالغاز و يمر في اتجاه أوروبا؟
ليكن في علمك أخي القارئ أن العلاقات التجارية و الإقتصادية عموما، هي علاقات براغماتية إلى أبعد الحدود، و من الصعب أن تتعرض للتغيير ما لم يكن للتغيير أغراض سياسية، و نحن نعلم أن العلاقات الجزائرية الفرنسية لطالما شهدت فترات هدوء و دفئ و فترات اضطراب، و من المستبعد أن يتغير هذا الوضع كثيرا على المدى المتوسط.
يجب أن نعلم أيضا، أن المواد الطاقوية تشكل استثناء مهما جدا، ففي حين أن بقية السلع يكون فيها الزبون هو الملك، ففي حالة الطاقة، البائع هو الملك، خصوصا إلى قلت بدائل الزبون و إذا ورط نفسه بإنشاء مشاريع أنبيب، حيث سيبقى رهينة مورده، و ستكون كلفة التغيير باهضة جدا، و عليه ، فإن وجود أزمة بين الجزائر و فرنسا قد لا يؤثر على طبيعة العلاقة الطاقوية بين البلدين، بل يمكننا القول إن استمرار عمليات التوريد يصب في صالح الجزائر بما أنها حافظت على التبعية الطاقوية الفرنسية لها و لو بشكل طفيف، و أن هذه التبعية مرشحة للتعاظم في المستقبل.
في الأخير، أود أن أعيد البعض إلى الواقع، و أخص بذلك الفئة التي تتمنى بشدة ابتعاد فرنسا و الجزائر عن بعضهما البعض، في الحقيقة، هذا منانا جميعا، لكن العلاقات بين الجزائر و فرنسا جد معقدة و حتمية إلى أبعد الحدود، و أن فك الإرتباط صعب جدا، في ظل وجود هذا الكم الهائل من الجزائريين في فرنسا، و كذا بسبب مسؤوليات فرنسا مما قامت به في الجزائر من جرائم، و بحكم القرب الجغرافي و العلاقات الإقتصادية، لكن ما هو واقعي و ما يجب العمل عليه، هو علاقات أكثر انصافا للطرف الجزائري، علاقات أكثر ندية أو علاقات عادية، و العمل على سد لفجوة القوة بين البلدين و لربما قلب موازينها يوما ما، و لهذا فإن ترديد او حتى التفكير في عبارة “قطع دابر فرنسا” اليوم هو سذاجة سياسية، هو فعل لم تتشكل بعد عوامل تجسيده.
https://web.facebook.com/Geopolalgeria

You may also like

Leave a Comment

روابط سريعة

من نحن

فريق من المتطوعين تحت إشراف HOPE JZR مؤسس الموقع ، مدفوعا بالرغبة في زرع الأمل من خلال اقتراح حلول فعالة للمشاكل القائمة من خلال مساهماتكم في مختلف القطاعات من أجل التقارب جميعا نحو جزائر جديدة ، جزائرية جزائرية ، تعددية وفخورة بتنوعها الثقافي. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة القائمة «الجزائر الجزائرية»

من نحن

جمع Hope JZR ، مؤسس الموقع ومالك قناة YouTube التي تحمل نفس الاسم ، حول مشروعه فريقا من المتطوعين من الأراضي الوطنية والشتات مع ملفات تعريف متنوعة بقدر ما هي متنوعة ، دائرة من الوطنيين التي تحمل فقط ، لك وحماسك للتوسع. في الواقع، ندعوكم، أيها المواطنون ذوو العقلية الإيجابية والبناءة، للانضمام إلينا، من خلال مساهماتكم، في مغامرة الدفاع عن الجزائر الجديدة هذه وبنائها.

ما الذي نفعله

نحن نعمل بشكل مستمر ودقيق لتزويد الجمهور بمعلومات موثوقة وموضوعية وإيجابية بشكل بارز.

مخلصين لعقيدة المؤسس المتمثلة في “زرع الأمل” ، فإن طموحنا هو خلق ديناميكية متحمسة (دون صب في النشوة) ، وتوحيد الكفاءات في خدمة وطنهم. إن إصداراتنا كما ستلاحظون ستسلط الضوء دائما على الأداء الإيجابي والإنجازات في مختلف المجالات، كما تعكس منتقدينا كلما رأينا مشاكل تؤثر على حياة مواطنينا، أو تقدم حلولا مناسبة أو تدعو نخبنا للمساعدة في حلها. 

مهمتنا

هدفنا الفريد هو جعل هذه المنصة الأولى في الجزائر التي تكرس حصريا للمعلومات الإيجابية التي تزرع الأمل بين شبابنا وتغريهم بالمشاركة في تنمية بلدنا.

إن بناء هذه الجزائر الجديدة التي نحلم بها والتي نطمح إليها سيكون عملا جماعيا لكل المواطنين الغيورين من عظمة أمتهم وتأثيرها.

ستكون الضامن للحفاظ على استقلالها وسيادتها وستحترم إرث وتضحيات شهدائنا الباسلة.

© 2023 – Jazair Hope. All Rights Reserved. 

Contact Us At : info@jazairhope.org