إقتصاد الجزائر vs الإقتصاد الدولي……
مقارنة الناتج المحلي الخام (PNB) بين الدول لايعطي اي فكرة عن قوة الدول إقتصاديا ……. للحصول على فكرة أولية عن قدرة بلد ما إقتصاديا … يجب أن تنظر على الأقل إلى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (PIB par habitant ) سيعطي هذا فكرة فقط وليس كل الفكرة….لان البلد الاول في العالم حسب تصنيف صندوق النقد الدولي او البنك العالمي من حيث نصيب الفرد من الناتج الإجمالي هو قطر…لكن هل يعني هذا أن قطر تنتج التكنولوجيا ؟ وتملي قواعد اللعبة الاقتصادية ؟ طبعا لا، قطر في المرتبة الأولى لأن عدد سكانها لايتجاوز ربما 300 ألف نسمة لكن يملكون الكثير من حقول النفط…..
فيما يخص ترتيب ال (PIB) الخاص بالبلدان الخالقة للثروة تأتي الولايات المتحدة الأمريكية قبل اليابان ومنطقة اليورو والصين ….الجزائر تحتل المرتبة 87 وهذه مرتبة لايستهان بها بالمرة، وقد يكون ترتيب الجزائر الفعلي أحسن بكثير لان الجزائر تفتقر الى الإحصائيات وسواء البنك الدولي او صندوق النقد الدولي، يعتمد كل منهما على المبادلات الرسمية فقط في تصنيف الجزائر بينما هناك سوق موازية كبيرة جدا.
لكن لأخذ فكرة كاملة عن القوة الاقتصادية الحقيقية لبلد ما يجب النظر الى مدى قدرته على تحديد قواعد اللعبة الاقتصادية، في ثلاث مجالات، التي يجب على الآخرين اتباعها، وتطويرها ، وإضفاء الشرعية القانونية عليها ، وتنفيذها ، والتحكم فيها. وكل مرحلة من هذه المراحل مهم جدا….هذه المجالات تتدخل فيها الدول والمنظمات غير الحكومية والمافيا واللوبيات والجهات الفاعلة الخاصة …..
ال 3 مجالات هي:
1 – الإنتاج (La production): ففي مجال التكنولوجيا العالية جدا ، الصحة ، الترفيه (divertissement) ،نجد ان أكبر شركتين او ثلاث في العالم هي شركات أمريكية….هنا الجزائر خارج دائرة المنافسة…
2 – المعرفة (Le savoir) : تم الى حد الآن توزيع أكثر من 900 جائزة نوبل….. 40٪ منها ذهبت الى علماء أمريكيين …
الجزائر هنا أيضا خارج دائرة المنافسة، رغم جهود الدولة العظيمة في تقريب المؤسسة التعليمية من الطالب في كل مراحل الدراسة من الابتدائي حتى الجامعة ، من خلال بناء المئات من المدارس والجامعات … لكن للأسف المادة التعليمية مازالت بعيدة عن العلم الحديث ولازالت ترسخ أمور خرافية من الموروث البائد وليس غريبا ان نرى طبيبا متخرجا من احسن جامعاتنا يلجأ بنفسه الى الرقية والحجامة وأذكار الصباح والمساء….والى امثال بلحمر للتدواي…في حين يرى بنفسه ان فيروس الكوفيد أغلق مكة نفسها…..!
3 – المحاسبة (La finance):
قواعد المحاسبة الدولية كتبتها شركات دولية … أظهرت قدرتها الكبيرة على التأثير في الاقتصاد الدولي من خلال حماية الحوت الإقتصادي الكبير بشكل يجنبها الشركات الكبرى الخسائر الناتجة من تقلبات السوق الدولية….وحماية الملكيات الفكرية …. هناك أسطول من هيئات التحكيم الدولية التي تسمح بالطعن في الكثير من القرارات والدخول في متاهات تحكيمية لسنوات…. هنا حتى الولايات المتحدة لاتتحكم في هذا الأمر…بل الشركات المحاسباتية الدولية…
خلاصة: بالنظر الى النقطتين 1 و 2 فإن الولايات المتحدة الامريكية تبقى القوة الاعظم اقتصاديا لحد الآن……الصين مازلت ملاحقا مهما ..
وضع الجزائر في كل هذا ؟….
واضح ان الجزائر كالكثير من الدول الناشئة ليس لها دور مؤثر او مشاركة في كتابة قواعد لعبة العولمة الإقتصادية …بل تعتبر جزءًا من القواعد العالمية التي كتبها آخرون ، لكن وبالرغم من ذلك يمكن للجزائر تحديد بكل سيادة البديل الاقتصادي الوطني الخاص بها، لانها لاتقع تحت رحمة المديونية ، ويمكن للجزائر تحديد شكلها الاجتماعي الخاص بها أيضا، وتستطيع التحكم بكل سيادة في نتائج هذه الخيارات الخاصة… وهذا سيكفينا فخرا…بشرط ان يتم بناء الاقتصاد على اسس سليمة هذه المرة….
تحية لكل من يشتغل بإخلاص في هذا البلد، للناس التي تحترم الانجازات المحققة رغم كل الصعوبات ورغم اعداء الخارج وخاصة أعداء الداخل، وتقديرنا العظيم لكل من يشارك ولو بكلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين……