عمل قادة الثورة التحريرية منذ اندلاع الثورة، على توظيف كل الوسائل المتاحة لدعمها خاصة من الجانب الإعلامي، لما له من أهمية في التعريف بالقضية سواء محليا أو دوليا، وهذا لدحض الأكاذيب والداعية التي يمارسها المستعمر قصد تغليط الرأي العام وإيهامه بأنها ثورة قطاع الطرق، فكان الإعلام أداة لتبليغ المواطنين بحقيقة ما يجري من صراع مسلح مع العدو، مع تعبئة الجماهير الشعبية لتلتف حول الثورة، ومع الانتصارات الميدانية التي حقتتها، أصبحت تحتل الصدارة في الصحف العربية والدولية خاصة لدى الكتلة الأفرو-آسيوية والشرقية التي ساندتها بقوة في المحافل الدولية، حتى تحقيق الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية.
فكانت قيادة الثورة تستعمل الصحف والبيانات الناطقة باسم الحركة الوطنية، وبيان أول نوفمبر 1954 وميثاق مؤتمر الصومام والسينما والمسرح، عمدت أيضا إلى استخدام الإذاعة لإيصال صوت الثورة إلى كل أصقاع العالم، والرد على الدعاية الفرنسية وتصريحات قادتها السياسيين والعسكريين، فكان للإذاعة الأثر الكبير في نفوس الجزائريين، وذلك عبر المحطات التي كانت في البلاد العربية، إلى جانب الإذاعة السرية بالجزائر، وعندما تأسّست الحكومة المؤقتة سنة 1958، تشكّلت وزارة الأخبار، التي تولت نشر أخبار مختلف نشاطات الثورة، التي سعت خلالها لبلوغ اتصال الثورة بالشعب وإبلاغ المواطنين حقيقة ما يجري من صراع مسلح مع العدو، تعبئة الجماهير الشعبية لتلتف حول الثورة بغية التحرر والاستقلال، مع تحصين المواطنين الجزائريين من الإعلام الاستعماري وحربه النفسية، استعملت الثورة مختلف وسائل الإعلام والاتصال.
تنسيق مؤتمر الصومام بين الأجهزة الإعلامية الناطقة باسم الثورة
ومع انعقاد مؤتمر الصومام الذي جاء بالعديد من الحلول، التي كانت تواجهها الثورة الجزائرية في مجال الإعلام والدعاية، الذي تطرّق في منهجه السياسي إلى هذا الجانب، حيث فصل في الجانب الذي عانت منه الدعاية الجزائرية والمتمثل في انعدام التنسيق بين الأجهزة الإعلامية الناطقة باسم الثورة، إذ تقرّر إلغاء كل طبعات جريدة (المقاومة الجزائرية) وتعويضها بجريدة المجاهد، وبالمقابل اعتمدت الثورة الجزائرية في بداية الأمر على إذاعات بعض الدول العربية التي وقفت إلى الثورة ومن بينها، إذاعة صوت العرب من القاهرة التي لعبت دورا حاسما في بث أخبار الثورة الجزائرية ابتداء من سنة 1955، ببث برنامج “جزائري يخاطب الفرنسيين” باللغة الفرنسية، برنامج “صوت جبهة التحرير الوطني يخاطبكم من القاهرة”، كان يبث من إذاعة صوت العرب باللغة العربية تعليق سياسي يومي، وبعد تكوين الحكومة المؤقتة أصبح يحمل عنوان: “صوت الجمهورية الجزائرية” يذاع بالفرنسية، وفي أواخر عام 1959، تحصلت الجبهة على جهازين كبيرين من القواعد الأمريكية، التي كانت تستعمل في ربط وحدات الجيش على المسافات البعيدة، اللذان استعملا في البث الإذاعي بعد إدخال عليهما بعض التعديلات، وهكذا بدأت إذاعة الجزائر تبث برامجها يسيرها جزائريون من جنود ومناضلين من جبهة التحرير الوطني، وفي عام 1957 شرعت قيادة الثورة في تكوين عدد من المتربصين في مجال الإشارة، من صفوف الطلبة المضربين عن الدراسة الذين التحقوا بالثورة منذ ماي 1956. وعلى المستوى المحلي لعبت الصحافة الوطنية دورا كبيرا في التعريف بالقضية الوطنية، فكانت جريدة المجاهد ترد على تعليقات صحافة المستعمر، بالاستعانة بمقالات كتبها صحفيون أجانب زاروا مواقع الثورة في الجبال وعايشوا المجاهدين، وحضروا المعارك، وبالمقابل عزز تأسيس وكالة الأنباء الجزائرية بتونس سنة 1961، العمل العسكري فكانت بمثابة الناطق الرسمي لجميع ما تصدره من بلاغات وتصريحات لتوزيعها على مكاتب وكالة الأنباء العالمية التي كانت تتفاعل حينها مع ما يجري من تطورات في الميدان، كما دافعت جريدة الوطن الناطقة بالعربية عن هوية الشعب الجزائري وحقه في الحرية والاستقلال، وفضحت الاستعمار وأساليبه الملتوية.
انتصارات الثورة جعل منها منارة الصحف العربية والدولية
ركزت ثورة التحرير على الدعاية والإعلام في مواجهة الاستعمار، حيث أخذت الحيز الأكبر في صحيفة العمل التونسية، التي تعد من أهم الصحف التي دعمت الثورة الجزائرية، لتعبئة الرأي العام بهدف دعمها، وفضح مزاعم الاستعمار الذي حاول تقزيمها والتقليل من شأنها، بدورها اهتمت الصحافة المصرية بالجانب الدبلوماسي للتعريف بالثورة التحريرية، وعلى سبيل المثال الطلب الذي قدمته المملكة العربية السعودية إلى مجلس الأمن لبحث القضية الجزائرية، كما كانت دول العالم الثالث والكتلة الأفرو-آسيوية السباقة لمساندة القضية الجزائرية في المحافل الدولية، من خلال وسائل إعلامها ومتابعة الأحداث المتعلقة بالثورة التحريرية، من جهته لعب إعلام دول الكتلة الشرقية دورا في دعم الثورة التحريرية فكانت يوغسلافيا، ألبانيا، المجر، كوبا وغيرها السباقة للتعريف بالقضية، حيث فضحت جريدة “بوربا”، الممارسات الفرنسية في حق الشعب الجزائري، المطالب بالاستقلال والحرية، كما غطت كل تطورات الثورة في المحافل الدولية.
الإعلام في مواجهة مغالطات ومزاعم الاستعمار
أثناء اندلاع الثورة التحريرية، زاد تركيز السلطات الاستعمارية أكثر بالإذاعة باعتبارها سلاحا فعالا في توجيه الرأي العام الوطني والدولي، إلى القضية الجزائرية العادلة، خاصة مع لجوئه لاستعمال الدعاية لتحطيم معنويات الشعب الجزائري وإضعاف ثقتهم بجيش التحرير الوطني، الذي أصبح يحقق عدة انتصارات في الميدان، من جهتها خلال السنتين الأوليتين، عملت الثورة الجزائرية لإيصال صوتها إلى الشعب الجزائري والعالم، وذلك عبر إذاعات الدول العربية، منها المصرية والتونسية، حيث لعبت إذاعة صوت العرب من القاهرة، دورا بارزا في التعريف بالثورة التحريرية عبر أصقاع العالم، من خلال تخصيصها ثلاثة برامج أسبوعية للجزائر، التي تذاع باللغتين العربية والفرنسية، حيث ومن خلالها أظهرت أهداف الثورة الجزائرية ورغبة الشعب في استرجاع سيادته والعيش الكريم، ومن أهم منشطي هذا البرنامج محمد عيسى مسعودي، الذي عمل على شحذ الهمم من خلال صوته الجوهري الداعم للثورة، وكانت هذه الإذاعة تبدأ برامجها بعبارة “هنا إذاعة الجزائر المكافحة” أو “صوت جبهة التحرير يخاطبكم من قلب الجزائر”، وكان يبث بالعربية والفرنسية والقبائلية. من جهتها قامت الإذاعة التونسية، بدور بارز لصالح الثورة، بتخصيصها برنامجا تونسيا تحت عنوان “هنا صوت الجزائر المجاهدة الشقيقة”، الذي يذاع ثلاث مرات في الأسبوع، وكان يبث الأخبار العسكرية بتركيزه على الانتصارات التي يحرزها الثوار في الساحات القتالية، والذي يدخل في إطار شحذ همم الفدائيين في الجبال، والترويج للانتصارات المحرزة، إضافة إلى التعاليق السياسية بهدف اضطلاع الشعب لما وصلت إليه الثورة فكانت بمثابة المرآة العاكسة لما يحدث من تطورات سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. كما عملت جريدة المجاهد، أيضا على تنوير الرأي العام بالأهداف التي تسعى الثورة لتحقيقها، والترويج للانتصارات على حساب المستعمر الذي استعان بأكبر قوة وهو الحلف الأطلسي للقضاء على الثورة التحريرية، المدعمة خاصة من دول العالم الثالث، وعنونت مقالها “لماذا نكافح؟” كتبت الصحيفة قائلة: “إننا نكافح لتحرير الجزائر تحريرا شاملا لكي يسترجع الجزائريون حياة اجتماعية مناسبة في نطاق الشخصية القومية الجزائرية وباعتبار التطور التاريخي في العالم”، وفي السياق ذاته، ومن أجل إظهار وحشية المستعمر للرأي العام الوطني والدولي، الذي استعمل كل الوسائل الوحشية للقضاء على الثورة التحريرية، كتبت الصحيفة في العدد الثالث مقالا تحت عنوان: “كيف يقتل جنود الاستعمار النساء الحوامل”، كما اهتمت الصحيفة أيضا بما قالته الصحافة الدولية عن الجزائر، فاقتبست العديد من المقالات، كما خصصت صفحات للحديث عن الأحداث كنصف الشهر السياسي ونصف الشهر العسكري، مع ردود الأفعال الدولية حول قضية الجزائر، قصد تنوير الرأي العام حول القضية. وبدروها سعت وكالة الأنباء الجزائرية التي تأسست سنة 1961، للتعريف بالقضية والتي تضمنت أخبارا سياسية وعسكرية وذلك باللغة العربية والفرنسية، فكانت الوجه الحقيقي للجزائر بالخارج، فكانت ركنا أساسيا من أركان الكفاح الوطني، وبالتالي أصبحت مصدر أخبار للثورة المصحح لصورتها عند تشويهها من طرف بعض الوكالات الأجنبية، وهكذا أصبحت للثورة أجهزة إعلامية فعالة من صحافة وإذاعة وسينما.
إطارات وتقنيّون رفعوا التحدي في 28 أكتوبر 1962
كان الفقيد محمد مهري، يقدّم من إذاعة دمشق برنامج “صوت الجزائر الثائرة”، وهو يحتوي على أخبار عسكرية وتعليق سياسي وتحليل إخباري، توقف هذا البرنامج عن البث سنة 1961 بعد انفصال سوريا عن مصر، إذ أعرب المسؤولون الجدد في سوريا على ضرورة مراقبة نص المادة الإعلامية، فرفضت البعثة الجزائرية وأمرت بوقف الحصة، وابتداء من سنة 1958 تمكّن حامد روابحية الذي كان رئيسا للبعثة الجزائرية ببغداد من تقديم برنامج إذاعي خاص بالثورة الجزائرية بعدما أذن له عبد الكريم قاسم بذلك، وبالموازاة مع ذلك، كان في ليبيا محطتين إذاعيتين هما: محطة طرابلس: كانت تبث حصة ثلاث مرات في الأسبوع، تتضمن أنباء عسكرية وتعليقا سياسيا، ولم تلبث الدولة الجزائرية غداة الاستقلال أن اتخذت التدابير اللازمة من أجل استرجاع مبنى الإذاعة والتلفزيون، لما يمتلكه هذا القطاع الحساس من أهمية في نقل السيادة الجديدة للدولة الجزائرية، وكذا ترسيخ القيم الثقافية الخاصة بالشعب الجزائري، بعيدا عن المسخ الذي استعمله المستعمر طويلاً.
ولد قابلية: الحكومة المؤقتة وفّرت كل وسائل الاتصال للتعريف بالثورة
أكد رئيس جمعية قدماء وزارة التسليح والاتصالات العامة، ولد قابلية، بمناسبة إحياء الذكرى الـ63 لتأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، أنه مهما يكن من أمر، فإن التاريخ سيقر في النهاية بفضل عمل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، التي كانت أداة ذات أهمية كبيرة للنصر النهائي ضد فرنسا الاستعمارية.
كما أشار ولد قابلية، أن الحكومة المؤقتة، كانت تتوفر على وسائل اتصال وتواصل مع صحفها وإذاعتها ومصالحها الدبلوماسية ومثليات في عديد العواصم والأمم المتحدة وكذا مصالح اللوجيستيك والأمن، حيث استطاعت إجهاض محاولات المراوغة والتقسيم في الداخل والخارج، سيما حول ثروات الصحراء وعزل فرنسا الاستعمارية في الأمم المتحدة، والفضل يعود إلى تكوين وإعداد ملف المفاوضات حسب أجندتها الخاصة وذلك بكل “ذكاء وصرامة” من أجل التوصل إلى النتيجة “الأكثر مطابقة لشروط “الحرية والسيادة”. مضيفا في السياق ذاته، أن الحكومة المؤقتة مرت بصعوبات كبيرة، بما أن مسارها لم يكن “دوما سهلا”، مرجعا سبب ذلك للآثار المدمرة لحرب قام بها الجيش الاستعماري الفرنسي ضد الشعب الجزائري بشكل “همجي”.
نادية حدار
elmaouid.dz 31.10.2021

