عدنان محتالي
نعيش اليوم عصرا يتسم بالعولمة، لا يمكن فيه الإعتماد على القدرات الذاتية فقط، حيث تحتاج الدول المتقدمة إلى خيرات الدول المتخلفة و قوتها العاملة، فتقوم بإرساء قوانين جالبة للمهاجرين، كما تبقى مكامن الخيرات و معابرها التجارة متاحة، و تستعمل الحرب إذا إضطرت لذلك، و تحتاج الدول المتخلفة إستثمارات الدول المتقدمة أو ما يعرف بالإستثمارات الأجنبية المباشرة Foreign Direct Investments و إختصارا FDI، فهي ضرورية لإستقطاب رؤوس الأموال، الخبرات التقنية في الإنتاج، و خبرات التسيير من أجل التسويق.
تعتمد الشركات الساعية إلى الإستثمار في بحثها عن مرشحين مربحين على تقارير وكالات التصنيف الإئتماني الخمسة التالية:
– Standard & Poor’s Insurance Ratings Services
– A.M. Best Company, Inc
– Fitch Ratings
– Kroll Bond Rating Agency, Inc. (KBRA)
– Moody’s Investor Services..
تعتمد هذه الوكالات في إعدادها لتقارير تقنية تقيم و تصنف فيها وجهات الإستثمار، على بيانات و تقارير المؤسستين الماليتين الأكثر إنتشارا في العالم، و هما صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، مؤسستان تملكان مكاتب في كل الدول بدون إستثناء.
قام البنك الدولي يوم 22 ديسمبر، بإصدار تقرير سوداوي و صادم حول الجزائر، حيث قال أن:
-
تآكل القدرة الشرائية للمواطن و تفاقم التضخم (و هي حقائق لا يمكن إنكارها.
-
الإنتعاش النسبي لأسعار المحروقات قلل من حاجة الجزائر للتمويل الخارجي.
-
تجاهل فيه البيانات و المؤشرات لسنتي 2020 و 2021 رغم توفرها، و اعتمد على بيانات سنة 2019.
-
تنبأ بحدوث الزلازل و إنزلاقات للتربة و حرائق مدمرة (و هي ظواهر تحدث في كل الدول دون إستثناء)، و ذكر أن الجزائر تبقى وجهة خطرة رغم إستعمالها لنظام ORSEC أو DRM بالإنجليزية.
-
أن عجز الميزان التجاري (الذي تم عكسه إلى فائض طفيف) سيتفاقم بسبب إنتشار الكوفيد (الذي تم التحكم فيه بطريقة جيدة) و بسبب سرعة و كثافة الإصلاحات الإقتصادية (التي تتجنب الإستدانة الخارجية).
-
أشار البنك في بياناته أن حجم الإستيراد قد بلغ 50 مليار دولار، و هو رقم غير صحيح، قدمه ليبرر إدعاءاته بوجود عجز للميزان التجاري.
-
كما تجنب التقرير ذكر قوانين الإستثمار، سواء القديمة أو الجديد، و هو أمر مفاجئ.
-
جاء التقرير متضاربا مع تقرير آخر قدمه صندوق النقد الدولي صدر في 02 ديسمبر 2021.
من الواضح أن الهدف من وراء التقرير السوداوي هو ضرب التصنيف الإئتماني للجزائر كوجهة إستثمارية، ذلك أن دول الجوار كتونس و المغرب ، الغارقة في الديون و الهشاشة و التهديدات الصحية و الأمنية، لم تنل هذا التوصيف السيئ لبيئتها الإستثمارية، و يأتي هذا التقرير لمعاقبة الجزائر على:
-
سياساتها المالية مقاومة الضغوط من أجل الإستدانة الخارجية و العودة إلى مرحلة فخ الديون الهرمية.
-
مواقفها السياسية التي تتعارض و مصالح اللوبيات النافذة في مؤسسات نظام Briton Woods الإقتصادي.
-
تفضيل المغرب كوجهة أحسن للإستثمار لفك الخناق عنه في ظل ما يواجهه من هشاشة و إختناق بسبب الأزمات المتراكمة عليه و خطر إنهيار نظامه السياسي.
في ظل ما يعيشه الواحد فينا من صعوبات مالية، و عدم قدرة على بلوغ حد الرضى في توفير حاجياته الأساسية و الكمالية، فإنه لا يلاحظ، بل لا يأبه إلى حجم الحصار و التضييق الذي تتعرض لهما الجزائر، إبتداءا من حرمانها من الولوج للمنظمة العالمية للتجارة، مرورا بإجبارها على الإتباط بالتحويلات المالية عن طريق مؤسسات مالية فرنسية، و وصولا إلى إصدار التقارير السوداء المنفرة لرأس المال الأجنبي، أما العارفون لسطوة هذه المؤسسات النيو-إستعمارية، يدركون أن ما تقوم به الجزائر يعد إستماتة و بسالة، بل و إنتصارا في بعض الأحيان، لكن هؤلاء لا يودون الإصطدام بالجموع الغفيرة التي تتوجع من نوبات تذبذب العدس و الزيت و الحليب.
وعليه أخي القارئ ، تذكر جيدا التكلفة الباهظة التي ستدفعها، مقابل توقك للإنعتاق من هيمنة المنظومة العالمية، لنشوتك عند سماع كلمة “قطع دابر فرنسا”، أو لحملك علم فلسطين في إنتصار القادم للفريق الوطني.
كاتب جزائري
raialyoum.com
