Home تاريخ و تراث الحايك والعجار.. بين الماضي العريق والحاضر غير القارّ

الحايك والعجار.. بين الماضي العريق والحاضر غير القارّ

by Mohamed Redha Chettibi
0 comment
A+A-
Reset

بقلم المؤرخ فوزي سعد الله

 

إذَا تْسَالْنِي نَعْطِي لَكْ الأَخْبَـارْ نُورِيكْ مَا نْظَرْتْ بْعَيْنِي
زَلِّيتْ بْالأَقْدَامْ وشُفْتْ بْالأَبْصَارْ حَتَّى لْقِيتْ مَنْ سَلْبَتْنِـي
الزِّينْ والبْهَاء والحُسْنْ المَسْرَارْ يُومْ الخْمِيسْ آشْ أدَّانِي
لْقِيتْ فَاطْمَة مَسْبُوغَةْ الأَشْفَـارْ مْشِيتْ مَنْ هْوَاهَا فَانِي
بن سَهْلَة (شاعر)

 

صمد في وجه الملك الإسباني فيليب الثاني، قاوم الموضات القادمة من الخارج طيلة قرون طويلة، ولم تزحزحه عن مكانته في فن الأزياء الجزائرية عملية حرقه في ساحة الشهداء قبل الاستقلال من طرف نساء جنرالات فرنسا.. بالعكس،” الحايك ” ورفيق دربه “العْجَارْ” تَحَوَّلاَ إلى إيقُونَة من أهم إيقونات قصبة الجزائر “المحروسة بالله”، ولم ينسحبا من المنافسة في أسواق الأزياء إلا بعد أن تخلى عنه أهله طواعية وضمن استمرارية المبدأ الأخلاقي- الروحي الذي يقوم عليه…
شق كل واحد منهما طريقه بمفرده ذات يوم في عوالم الموضات النسوية إلى أن جمعهما القدر بمدينة فاس المغربية ثم بمدينة الجزائر قبل بضعة قرون، ليلازما بعضهما البعض حتى اليوم ملازمة الطابع البريدي لغلاف الرسائل..
بداية المشوار
تضرب جذور كل منهما في أعماق الحضارات والأديان الشرقية التوحيدية، فالحايك ليس سوى أحد أحفاد البُردة والخمار اللذين اشتهرا في الجاهلية وصدر الإسلام بالجزيرة العربية، وله قرابة كبيرة بجلابيب الراهبات النصرانيات منذ ما قبل الإسلام كما بأزياء النساء العبريات منذ مملكتي يهوذا وإسرائيل.
أما سبب هذه القرابة المثيرة فيرجع إلى اشتراك الأديان التوحيدية الثلاثة في مبدأ أخلاقي عالمي يتمثل في ستر المفاتن النسوية.

Peut être une image de 1 personne et texte qui dit ’139 ALGER. Marresque d'Alger. Edition des Galeries de France Alger’

لكن أصول العجار يَبْدُو أنها تعود إلى بدايات الإسلام فقط حينما اتخذ شكل نقاب إسلامي، ثم تطور إلى ما يعرف بـ”البُرْقَع” ببغداد والشام حتى اليوم، قبل أن تجري عليه فاس ومدينة الجزائر بعض التعديلات إثر لجوئه القسري إليهما من الأندلس عندما ضاعت من يد المسلمين في 1492م، وتَحَوَّلَ اسمه إلى العجار، الكلمة الفصيحة التي ورد ذكرها منذ القرن 9م في “لسان العرب” لابن منظور.
عندما وَقَعَ الإسبانيُّ دْيِيغُو دِي هَايِيدُو في الأسر بمدينة الجزائر بين 1578م و1581م، كان الحايك والعجار مترسخيْن في ثقافة اللباس المحلي منذ أمد طويل حسب ما رواه في كتابه Topographie et Histoire Générale d’Alger الذي نشر في 1612م. فقد كتب في إحدى صفحاته عن نساء المدينة بأنهن كُنّ “عندما يخرجن (من بيوتهنNdlr) (..) يسترن ما تحت العينين والجبين من الوجه (..) بساتر أبيض خفيف (..)، ثم يلففن الرأس بعباءة من القماش الصوفي الناعم(..) أو من نسيج الصوف، أو حتى من الحرير، يُسَمَّيْنَهُ “الحَايَكْ”(..)”، مُعَلِّقاً بأن نساء البهجة “كن يخرجن في الشوارع على درجة من السترة حتى أن أزواجهن في حد ذاتهم يعجزون على معرفة هويتهن(..)”. قبل أن يضيف بأن “السيدات من الخاصّة (..) فإنهن يصطحبن معهن عددا من الجواري الزنجيات (..) والبيضاوات المسيحيات” اللواتي في غالب الأحيان لا يسترن وجوههن بالعجار. شهادة دييغو دي هاييدو بخصوص شيوع الحايك وزميله لم تكن شهادة فريدة آنذاك، بل سبقه إلى تأكيده بخمس سنوات الفرنسي “دوبراف” (De Brèves). أما أقدم شهادة، حسب معلوماتنا، ليس فقط عن وجود الحايك بل تتعرض حتى لأقدم لقاء بينه وبين رفيق دربه العجار فتعود إلى بداية القرن 16م، بحيث ذكر الدبلوماسي الأندلسي- المغربي “المتنصّر” بالفاتيكان حسن بن محمد الوزاني، الشهير في أوربا بـ: ليون الإفريقي (Léon l’africain)، بأن النساء الفاسيات كن يرتدينهما معا في نفس الوقت، وأطلقن على الحايك اسم “الكْسَا” أي الكساء… ولم تبق الجزائر بعيدة آنذاك عن هذه الموضة التي جمعت عناصرها من المشرق والأندلس وأضفت عليها لمسات محلية.
المَلْحَفَة، بُوعْوِينَة وحَايَكْ المَرَمَّه
لم ترتد الأندلسيات العجار، لكنهن لبسن الملحفة التي لا تختلف عن الحايك سوى في الطول بحيث لم تتجاوز أسفل الخصر وأحيانا تتدلى إلى أسفل حسب المناطق والأقاليم، وغَطَّيْنَ الوجه عادة بأحد أطرافها باستثناء العينين. وعندما لجأت الغرناطيات إلى تلمسان فرارا من القمع المسيحي، جلبن معهن هذه الموضة وكَيَّفْنَها مع الموطن الجديد، إذ زدن في طول الملحفة حتى القدمين لتصبح حايكاً بأتم معنى الكلمة السائد اليوم، لكن دائما دون عجار.

Peut être une image de 7 personnes, plein air et texte qui dit ’RUE Jomone’

فاشتهرت في الجزائر هذه الطريقة في ارتداء هذا الزي بطريقة “الحايك بوعوينة” في العقود الأخيرة على الأقل، وبقيتْ مستعملة حتى اليوم، ليس في تلمسان فحسب، بل في كامل الغرب الجزائري، أين أطلقت النسوة على هذا الرداء آنذاك اسم “الكْسَا الغَرْبي” أي المَغْرِبي. ولعل هذا ما جعل باحثا كبيرا من حجم الفرنسي جُورْجْ مَارْسِي (Georges Marçais) يُعَلِّق بأن “التلمسانيات يبدو عليهن، ولا غرابة في ذلك، الالتزام بعادة نساء غرناطة (..) (اللواتي) كن يغطين أسفل الوجه بحايكهن مُمسكات به باليد اليمنى على مستوى أعلى الأنف. لذلك فَلاَ سَاتِر للوجْهِ لديْهِنَّ”.
يتمتع هذا الزي بمناعة قوية وقدرة فائقة على الصمود، فالمصادر الغربية أكدت أن محاكم التفتيش الإسبانية المسيحية بقمعها الرهيب وإبادتها لم تنجح في القضاء على الملحفة الأندلسية بعد سقوط غرناطة في 1492م، بل استمرت هذه الأخيرة في الرواج حتى في أوساط النساء المسيحيات، اللائى أسمينها “المَلاَفَا” (almalafa) إلى غاية نهاية القرن 17م. وذهبت قوانين الملك “فيليب الثاني” التي منعت استعمالها أدراج الرياح، لينتهي الأمر عند يأسه إلى “الحل النهائي” الذي تمثل في الطرد الجماعي لبقايا المسلمين والمسلمات في إسبانيا بين سنوات 1609م و1614م.
قبل انصهار مختلف الجاليات ببلادنا في قالب ثقافي موحد ومتجانس في بداية العهد العثماني، كانت نساء مدينة الجزائر التركيات الأصل والنصرانيات اللائى اعتنقن الإسلام يرتدين الحايك والعجار مع بعض في نفس الوقت بحيث لم تنجح الأعين الأوربية والأمريكية الفضولية في رؤية أكثر من العينين والجبين…لأن العكس “لا يجوز”… وهو ما يؤكده حتى في القرن الثامن عشر لُوجْيِي دُو تَاسِي الذي لم يكن من الصعب عليه فهم بأن “التركيات”، قاصدا دون شك نساء الأتراك اللواتي لم يَكُنَّ بالضرورة تركيات إلا في حالات محدودة بل كان أغلبهن جزائريات، “لم يظهرن خارج بيوتهن إلا بمنديل أبيض يسترهن من الذقن إلى أسفل العينين”. أما الأندلسيات الأصل والتلمسانيات، المتأثرات بالثقافة الغرناطية والقرطبية، المقيمات بهذه المدينة، فقد فضلن الالتحاف بـ”الحايك بوعوينة” الذي وصفه الرحالة الفرنسي لُوجْيِي دُوتَاسِي بـ:”ما يشبه القناع” عند تناوله للنساء العربيات، وهو دون شك يقصد نساء البلد دون تمييز بين مختلف انتماءاتهن القبلية والإقليمية، وذلك أثناء زيارته للجزائر في تلك الحُقبَة. قناع لم يمر دون إثارة انتباه واهتمام فارس آرْفْيُو (Chevalier d’Arvieux) الذي كتب عنه في مذكراته، التي نشرها في باريس عام 1735م، بأنه شاهد في أزقة مدينة الجزائر نساء المدينة متحجبات بشكل لا يظهرن فيه سوى عين واحدة، مُعَلِّقًا بأنه، في تقديره، موضة تلمسانية تشترك فيها معهن نساء الموريسكيين في عاصمة الإيالة.
على كُلٍّ، استمر وجود هذا “القناع” بالعاصمة إلى غاية منتصف القرن 18م قبل أن يزول بعد أن أنضجت المبادلات الثقافية-الاجتماعية بين جاليات المدينة هوية جديدة مشتركة جامعة لخصوصيات كل فئة اجتماعية أصبح فيها الحايك والعجار زيًّا عاما وشاملا لجميع النساء، خصوصا وأنه كان زي نساء السلطة والأثرياء اللواتى يتباهين به عند زيارة الحمامات العاصمية الفخمة، حَمَّامَات النخبة، مثل حَمَّام “الفْوِيطَة” وحَمَّام “إيتو” و”حَمَّام سِيدْنَا” بالقصبة السفلى. ومن المؤسف أن فُونْتُورْ دُو بَارَادِي (Venture de Paradis) عجز عن التمييز بين الحايك والعجار معتقدا بأنهما قطعة واحدة وليسا اثنتين وإلا كان قد سَهُلَ التدقيق في هذه المسألة. لقد كتب في 1789م يقول بأن كل نساء مدينة الجزائر يرتدين رداء ساترا “يُغَطِّي كُلَّ الوَجْهِ والجَبِين باستثناء العينيْن” وإن هذا الحايك منسوج من الصوف الرقيق “مَصْنُوعٌ في إمبراطورية المغرب” الأقصى.
Peut être de l’art
القنصل الأمريكي وِيلْيَامْ شِيْلَرْ، الذي عاش سنوات في الجزائر في القرن 19م وعاصرَ احتلالَها من طرفِ الفرنسيِّين، لم يكن أفضل منه ولا قدَّمَ تفاصيلَ أكثر بِقدر ما أكَّد تلك النزعة التَّهَكُّمِيَة أو الاحتقارية التي كانت سائدة عند “الكفار” تجاه الثوب الخارجي للمرأة الجزائرية عند خروجها من البيت. النزعة التي لم تتغيَّرْ، مع الأسف، حتى اليوم بل تعيش ازدهارا غريبا منذ أن ظهر الحجاب الإسلامي في أوربا وأمريكا، رغم أن مجتمعات هذه البلدان لا تكفُّ عن إعطاء الدُّروس للمسلمين ودَعْوَتِهِم إلى إحداث ثورة في ذهنياتهم حتى ينسجموا مع “التطور”. فقد تحدث شِيْلَرْ عن ثوب المرأة في مدينة الجزائر وهي خارج البيت بأنه “حايك أبيض يُغطيِّ جسمَها كُلَّهُ، من الرأس إلى العَقِبِ، بحيث تبدو كأنها شَبَحٌ مُتَحَرِّكٌ…”.
إلى أغلب مدن الشرق الجزائري، وعلى رأسها مدينة قسنطينة، انتقلَ العجار وتَعَمَّمَ استعمالُه منذ القرن 18م، مع تكييفات طفيفة من حيث طولِه، غير آبِهٍ بالقيل والقال الذي كانت تُروجه كتب الرحّالة والقناصلة الغربيين… ولم تندمج في هذه التحولات الجديدة سوى النساء الريفيات أو ذوات الأصول الريفية الحديثات العهد بالمدينة. أما الخصوصية القسنطينية التي تتمثل في ارتداء المْلاَيَة، أي المَلاءَة، إلى جانب العجار أو البُرْقَع في هذه المدينة وبقية المدن والجهات التي تدور أو دارت في وقت ما في فلكها الثقافي فتُرْجِعُها بعض الروايات إلى التأثير الشيعي منذ انطلاق الحركة الفاطمية في فج مْزالَة وبني عزيز في سطيف قبل قرون من قدوم العثمانيين إلى البلاد.
Peut être une image de debout et texte qui dit ’147 ALGERIE Femmes au Cimetière d'El-Kator (le vendredi). LL.’
غير أن ما تذهب إليه مصادر أخرى فشيء آخر تماما على غرار الباحث الفنان حَسَان دَرْدُورْ، بحيث ورد في كتابه عن تاريخ مدينة عنابة بأن الملاءة السوداء دخلت في التقاليد بالمنطقة حزنا على مقتل صالح باي الذي عنه “قَالُوا العْرَبْ قَالُوا مَا نَعْطُوا صَالَحْ وَلاَ مَالُه” ثم خانوه وقدموه هدية لمبعوث الداي ليقطع رأسه بحد السيف. أما قبل هذه الحادثة السياسية الحزينة، يؤكد السيّد دَرْدُورْ بأن السيادة كانت للحايك الأبيض. غير أن هذا الظهور للملاءة السوداء لم يكن فريدا من نوعه عبر التاريخ لِسَبَبٍ بَسيطٍ يتمثل في ارتدائه من طرف النساء الأندلسيات في عنابة وحتى في بَنْزَرْتْ في تونس حزنًا على ضياع وطنهن مُرسية الأندلسية وسقوطها بيد الإسبان في سنة 1266م. وعندما جاء الاستعمار في 1830م كان هذا الأسلوب الالتحافي قد أصبح زيا وطنيا ورمزا من رموز الهوية الجزائرية، في الوقت الذي كان يتراجع فيه باستمرار في المغرب الأقصى تاركا مكانه للجَلاّبة، وأصبح بالتالي الزي الوحيد للمرأة خارج بيتها في
أغلب جهات الوطن منذ منتصف القرن 19م رغم ضغط التغريب الاستعماري ومدرسة “جُولْ فِيرِي”….”
فوزي سعد الله: “قصبة الجزائر..،”. دار الهداية. 

You may also like

Leave a Comment

روابط سريعة

من نحن

فريق من المتطوعين تحت إشراف HOPE JZR مؤسس الموقع ، مدفوعا بالرغبة في زرع الأمل من خلال اقتراح حلول فعالة للمشاكل القائمة من خلال مساهماتكم في مختلف القطاعات من أجل التقارب جميعا نحو جزائر جديدة ، جزائرية جزائرية ، تعددية وفخورة بتنوعها الثقافي. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة القائمة «الجزائر الجزائرية»

من نحن

جمع Hope JZR ، مؤسس الموقع ومالك قناة YouTube التي تحمل نفس الاسم ، حول مشروعه فريقا من المتطوعين من الأراضي الوطنية والشتات مع ملفات تعريف متنوعة بقدر ما هي متنوعة ، دائرة من الوطنيين التي تحمل فقط ، لك وحماسك للتوسع. في الواقع، ندعوكم، أيها المواطنون ذوو العقلية الإيجابية والبناءة، للانضمام إلينا، من خلال مساهماتكم، في مغامرة الدفاع عن الجزائر الجديدة هذه وبنائها.

ما الذي نفعله

نحن نعمل بشكل مستمر ودقيق لتزويد الجمهور بمعلومات موثوقة وموضوعية وإيجابية بشكل بارز.

مخلصين لعقيدة المؤسس المتمثلة في “زرع الأمل” ، فإن طموحنا هو خلق ديناميكية متحمسة (دون صب في النشوة) ، وتوحيد الكفاءات في خدمة وطنهم. إن إصداراتنا كما ستلاحظون ستسلط الضوء دائما على الأداء الإيجابي والإنجازات في مختلف المجالات، كما تعكس منتقدينا كلما رأينا مشاكل تؤثر على حياة مواطنينا، أو تقدم حلولا مناسبة أو تدعو نخبنا للمساعدة في حلها. 

مهمتنا

هدفنا الفريد هو جعل هذه المنصة الأولى في الجزائر التي تكرس حصريا للمعلومات الإيجابية التي تزرع الأمل بين شبابنا وتغريهم بالمشاركة في تنمية بلدنا.

إن بناء هذه الجزائر الجديدة التي نحلم بها والتي نطمح إليها سيكون عملا جماعيا لكل المواطنين الغيورين من عظمة أمتهم وتأثيرها.

ستكون الضامن للحفاظ على استقلالها وسيادتها وستحترم إرث وتضحيات شهدائنا الباسلة.

© 2023 – Jazair Hope. All Rights Reserved. 

Contact Us At : info@jazairhope.org