نسِي الأوروبيون الحرب الدائرة في أوكرانيا، وفقدانهم الكثير من المقاعد لصالح الصين وروسيا وغيرهما، وأزمة الغاز التي قد تُعيِّشهم شتاءً قاسيا، والتفتوا إلى أزمة تبدو أخطر، لأنها تتعلق بعصب الحياة وهو الماء.
الجفاف الذي ضرب معاقل الغذاء في أوروبا، ومحا الصور الخضراء التي كانت تصبغ الحقول والحدائق في أوروبا، ونقص المياه في الأنهار المعروفة والأودية التي تشق مختلف المدن الأوروبية، ودرجات الحرارة التي صارت لا تنزل عن الأربعين مئوية، والحرائق التي أبادت مصدر الأوكسجين، جميعها زلزلت القارة العجوز ورسمت على وجهها مزيدا من التجاعيد، وصار التفكير في الحياة قبل الأبّهة، وفي الماء قبل الكافيير، إدراكا منهم بأن الانتصار في الحرب العالمية المائية غير مضمون، إذا علمنا بأن الاستشراف العلمي تحدَّث عن تغيُّر مناخي، سيهدد حياة البشر والشجر والحيوانات.
يُقال إن مختلف الحكومات في القارة العجوز ما صارت تجتمع إلا وكان الحديث عن الجفاف هو عنوانها الرئيس، بل إن حكومات في جنوب القارة العجوز دعمت تشكيلاتها بحقائب الماء والغابات والمجمّعات المائية والسدود وجعلتها حقائب سيادية لا تختلف عن حقيبتي الداخلية والدفاع، فقد أدركوا بعد أن طالهم الجفاف، بأن الماء هو عصب الحياة، وفهموا بأن التقدّم الذي بلغوه صنع جزءا منه المناخُ المعتدل والسيّال بمائه، وبأن الشقاء الذي عاشته القارة السمراء وجنوب آسيا وأمريكا الوسطى، صنعه أيضا المناخ الجاف.
وإذا كانت معارك الزمن السالف قد اندلعت، وطال أمدها بسبب الصراع حول منابع الماء، وحتى اسم غزوة بدر كان مشتقا من آبار بدر التي يتدفق منها الماء، فإن الحروب العالمية القادمة قد تكون من أجل مصادر المياه التي تتقلص في كل حين.
عانت الجزائر في هذه الصائفة من تغيّر رهيب في مناخها، ونافست المدنُ الساحلية، قلبَ الصحراء، بدرجات حرارة بلغت 47 في مدن مرتفعة وأخرى تطل على البحر، كما عانت جميعا من حرائق الغابات التي دمّرت الرئة الأهمّ في البلاد، وصار من الضروري دق ناقوس الخطر، لأن البلاد تفقد في كل سنة مزيدا من الغابات ومن المياه السطحية والجوفية، وإذا تواصل الوضعُ على حاله فإننا سنعرّض بلادنا لمخاطر هي أشد قسوة من الحروب، كما قال الوزير الأول البريطاني في آخر تصريح له عن الجفاف الذي ضرب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وقد يغيب عنها الماء.
تواجه الأممُ الحروب، بإعلان طوارئ تفكير وعمل في الحكومات وبتجنيد الشعب وتوعيته ومطالبته بالجلد والصبر والتعاون، وضخّ ميزانيات كبرى للتسلّح، وهي الآن تواجه أكبر خطر يهدِّدها بطرق جديدة وعصرية تختلف عن المشاريع التقليدية، وسيكون من الأجدر أن تباشر الجزائر التحضير لمواجهة هذا الطارئ العالمي من خلال تأمين مائها، الذي سيؤمّن غذاءها ومعاودة إحياء مشروع السدّ الأخضر الحضاري، ليس بالتطوع، وإنما من خلال مشروع أمة كبير يصنع غابات وأحراشا في قلب الصحراء، كما كان الحال في فلوريدا والمكسيك وبعض بلدان الخليج العربي.
عبد الناصر بن عيسى
www.echoroukonline.com