مفيدة قويسم 17.09.2013
djelfa.info

التاريخ نهر فياض تستمدّ الأمم من روحه قوة الدفع والاستمرار في مسيرتها، ومن أجل أن يبقى ذلك النهر متدفقا قادراً على العطاء لابدّ أن يرفد بكل أسباب القوة التي تمنحه استمرارية أبدية وحيوية خالدة، وتاريخ ثورة الجزائر لن يكتمل دون نفض الغبار عن تاريخ الثورات الشعبية في كل ربوع الوطن، والتي عبّدت الطريق لثورة التحرير الكبرى وكان لها دور كبير في معركة الكفاح المرير.
ها نحن اليوم نقف عند شخصية عظيمة ثارت ضد الاستعمار الغاشم، شخصية لم تهدأ ولم تستكن والمستعمر على أرض الوطن، إنها شخصية مقاوم بطل لم ينزل من على حصانه حتى وافته المنية وهو يقارع الاستعمار في نواحي الجلفة، الاغواط، ورقلة و تقرت، هذا الرجل الذي لم يسجل التاريخ له إلا القليل في قصائد قديمة تحمل في طياتها مواقفه التاريخية، كأحد أبطال أولاد نايل، شاع خبره وكثر الحديث حوله عبر الذاكرة الشعبية والمذكرة الفرنسية والمقررات العسكرية، عن مسيرة خاضها برفقة الغيورين على هذا الوطن من صانعي ملحمة تاريخ أبطال الجزائر.
من يكون هذا البطل؟

ومما تداول عن مآثره أنه كان متفوقا في الأدب والفقه والتوحيد والحكمة، يشهد لعائلته بعلو المكانة حيث كانوا يجوبون المدن والزوايا ويدرِّسون القرآن الكريم وأصول الدين، عُرف بالنبوغ في العلم الصحيح والتقوى والشجاعة لا تحركه الأهواء وردود الأفعال، ذو وعي سياسي لا يستهان به وحنكة في تسيير المعارك له شهرة كبيرة بين عروش الارباع وأولاد سيدي نايل، وشاعر يضرب به المثل، كان يشرف بنفسه على تنظيم الصفوف وتوزيع المهام على الفصائل الدفاعية والهجومية للمجاهدين من أتباعه.
عقده الذي إشتهر به بين عروش التل والصحراء
من بين التنظيمات التي إشتهر بها البطل بين عروش التل والصحراء ما كان يُعرف بـ ” عقد التلي بن بلكحل” ، وكانت تضرب به الأمثال خاصة عند سكان الجنوب نظراً لتشكيلاته البديعة في ذلك الزمان، والتي توحي بحسن التنظيم، ويتمثل العقد في موكب الإبل المحملة بالنساء والمؤونة والخيم وتتبعه قطعان المواشي، أما فصائل الفرسان فقد كانت تبدو على شكل أجنحة ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة بينما كان القائد ” التلي بن بلكحل” يتقدم الركب في كوكبة من الفرسان حاملا راية الجهاد.
مسيرته وكفاحه مع الأمير عبد القادر الجزائري والعروش الثائرة

ويمكن القول أنّ أول ما انتظم في منطقة الجلفة دولة الأمير عبد القادر في أرقى شكل لها، فقد قسّم دولته إلى 8 مقاطعات، حيث اعتبرت منطقة الجلفة المقاطعة الثامنة والتي ترأسها كأحد نواب الأمير “سي عبد السلام بن القندوز” ثم تولاها فيما بعد ابن أخيه ” سي شريف بن لحرش”، ونظم الامير منطقة الجلفة إلى 06 مناطق فرعية قام عليها اشخاص هم زعماء القوم، ابطال محاربون وشيوخ زوايا، ومن بين العوامل التي شكلت القوة والعلاقة بين الامير والمنطقة هي الانتماء الثقافي الديني الى الطريقة الرحمانية المساندة للطريقة القادرية بالإضافة إلى الإمكانيات المادية، خيول ليس لها مثيل وثروة ورجال وشجاعة بكل تركيباتهم كوحدة متحدة ذات اخلاق وأهداف موحدة وجهد مشترك خاضوا معارك مع الأمير في الشمال وداخل الولاية.
تجول البطل ” التلي بن بلكحل” مع جيش الأمير أو العاصمة المتنقلة “الزمالة” شرقا وغربا وكان يوفر الحماية والدعم لجيش الأمير في حلّه و ترحاله ففي سنة 1845 رافق الأمير عبد القادر إلى سيدي بوزيد ومن ثمّ إلى قعدة القمامتة، مخلدا كلمته الشهيرة التي ترددها الأجيال الى يومنا هذا ” العرب قع خالفة” وفي طريقهم مروا بقصر زنينة أين تلقاهم أهلها بحفاوة الترحاب وزودوه بالمؤونة والذخيرة، وصلى بهم الأمير وطلبوا منه الدعاء، و قد دعا لهم بدعائه الذي تناقلته الروايات ” اللهم أعطي لهذا البلد بركة جبلين” …
انتفاضة “التلي بن بلكحل” ..
كان للبطل برفقة الأمير عبد القادر عدة معارك نذكر من بينها معركة “واد يسر” في 05 فيفري 1846 والتي تكبد فيها العدو خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد. ومعركة “واد السبع” في 07 فيفري 1846 ، تليها في 13 مارس من نفس السنة معركة “عين الكحلة” وفي 22 مارس اشتباك قرب مدينة زنينة، ثم إلى نواحي بوكحيل اين التحق بالأمير والتحقت بهم جموع من أبطال الأرباع بقيادة “أحمد بن سالم بن دهقان”

معاناته في آخر أيامه ..
في شهر جانفي من عام 1854 ظهر البطل في معركة برفقة “أحمد بن سالم بن دهقان” قرب تقرت وحينها جرح وألقي عليه القبض من طرف “سليمان بن علي” قائد تقرت، كما ألقي القبض على رفيقه “أحمد بن سالم ” الذي جاء لنجدته، مكثا إلى أن خلصتهم زوجة قائد تقرت والتي كانت من عرش الحجاج ولديها الروح القبلية، فراحت تغري الحراس بالمال ليسهلوا لهما الفرار من السجن، ولما سهل لهم الفرار كانت تنتظرهما كل من معركة “عين الناقة” برفقة أولاد ملخوه ، لتليها معركة “جبل كبرتين”، ثم معركة “حاسي الفتاح” …
وفي 15 جانفي 1854 شنّ “التلي بلكحل” مع أتباعه هجوما على جيش المستدمر الفرنسي بالقرب من “تماسين” وأصيب الشيخ البطل أثناء هذه العملية بإصابة بليغة أسر على إثرها، وبعد مدة من الاعتقال أصدر الحاكم العام عفوا في حقه نظراً لتقدمه في السن مع فرض الإقامة الجبرية، وفي تلك الفترة وصفه “لخضر بن حرفوش” (رفيقه وكاتبه ) بقوله ” تخلى عنه رفاقه وتشتت أنصاره وبقي وحيدا آخر حياته”…وهكذا ضاقت السبل بشيخ المقاومين إلى أن وافته المنية غرقاً في “واد الحاجية” كما ورد في بعض الروايات..
2 comments
tres interessent merci
يالها من ملحمة …
شكرا Toufan