Home تاريخ و تراث عندما غضب الداي حسن في مثل هذا اليوم…

عندما غضب الداي حسن في مثل هذا اليوم…

by Mohamed Redha Chettibi
0 comment
A+A-
Reset
“نحن في رمضان، أنا ذاهب لأنام”
في مثل هذا اليوم، 20 أبريل من عام 1796م، عادت سفن الأسطول الجزائري الحربي من مهمة عسكرية بحرية للرسو بمرسى مدينة الجزائر “المحروسة بالله” غانمة “13 سفينة شراعية تابعة للأسطول التجاري الدانماركي محملة كلها بالبضائع، بعضها غنية جدا، تُقدر قيمتها بحوالي نصف مليون دولار، و3 جنوية (من جنوة الإيطالية حاليا Ndlr) ذات قيمة متواضعة”. هذا ما نقله لنا جيمس كاثكارت (James Linder Cathcart)، الأسير الأمريكي لدى الجزائر آنذاك، في كتابه The Captives, Eleven Years a Prisoner in Algiers (الأسرى، 11 عاما أسيرا في مدينة الجزائر) الصادر سنة 1899م، حيث أوضح في مذراته هذه أن على متن هذه السفن الغنيمة كان يوجد أيضا حوالي 120 دانماركيًا.
السَّبب في هذا الهجوم الجزائري على دولة ترتبط معها بمعاهدة سلام وتدفع لقاءها أموالا طائلة سنويًا…؟ لأن قبل وقوع هذا التطور الخطير في العلاقات بين الجزائر والدانمارك، تعرَّضتْ سفينة دانماركية لِهجوم من طرف سُفن حربية تابعة لِمملكة نابولي، الإيطالية حاليا، في مياه البحر الأبيض المتوسط.
ربما لم تكن هذه الحادثة لتعرف التطورات التي عرفتها لولا أن كان على متنها 300 مُجَنَّد مُسْلِم مسافرين مِن تركيا إلى “المحروسة بالله” للالتحاق بصفوف القوات الجزائرية ووجدوا أنفسهم جميعا فجأةً أسرى مُصَفَّدين اقتيدوا إلى السّجون النَّابُولِيتانية.

الباشا لقنصل الدانمارك :

أعيدوا الأسرى المسلمين وإلا

“سأحرقك أنتَ وكل الدانماركيين في مدينة الجزائر

في جَبَّانَة اليهود بباب الوادي”

عندما علم الداي حسن في قصْر “الجُنَيْنَة”، المقابل آنذاك للـ “الجامع الجديد” والمحاذي لـ “دار عزيزة بنت الباي” الحالية، اشتعل غضبًا واستدعى فورًا قنصل الدانمارك متوعدًا إياه بعواقب خطيرة، من بينها إعلان الحرب على الدانمارك، إن لم تتم إعادةُ الأسرى الـ 300 إلى الجزائر، محمِّلاً ملك الدانمارك مسؤولية ما حدَث لعجزه عن حماية سفينته التي كانت تحمل راية دولته…
أمام صعوبة الظرف ودِقَّته والغضب الشديد في قصر “الجُنينة”، عرض قنصل الدانمارك على الداي حسن باشا إمَّا تعويض المَبالِغ التي أنفِقتْ على تجنيد هؤلاء المجَنَّدين أو ذهابه إلى تركيا وإتيانه بـ 300 مجند آخرين على نفقة الدانمارك، حسب شهادة الأسير الأمريكي وسكرتير الداي آنذاك جيمس كاثكارت. غير أن الباشا جَنَّ جنُونه وردَّ “بصوت كالرعد”، حسب كاثكارت، قائلا: “ماذا؟، وأترُكُ شعبي يُستعبَد في نابولي؟ هل تعتقد أنني يهودي أو نابوليتاني؟ أريد نفس الرجال الموجودين الآن في نابولي وليس غيرهم، ثم ماذا سيقول عني السُّلطان…؟ وماذا سيقول جنودي ذاتهم؟ سيقطعون رقبتي في أوّل يوم يأتون إلى القصر لِتَسَلُّمِ أجورِهم”. وأضاف الباشا غاضبا: “يجب عليَّ استعادة هؤلاء الموجودين الآن في نابولي وسأستعيدهم أو سأحرقك أنت وكل الدانماركيين في مدينة الجزائر في جَبَّانَة اليهود في باب الوادي. عُد إلى بيتك وفَكِّرْ في الأمر…”.
لكن عندما هدأ الداي، أرسل مَن يقول للقنصل إن المشكلةَ ليست شخصيةً معه هو بالذات وإنّما مع دولة الدانمارك، حسب جيمس كاثكارت، وإنه إكرامًا له لن يُعلِن الحربَ على بلاده، لكنه أَمَرَ قواته البحرية بالترصد لكل السفن الدانماركية في البحر والاستيلاء عليها والإتيان بها إلى مرسى “المحروسة بالله”، بمن فيها مِن رُكّاب وطواقم وبضاعة، حتى يصبح لديه نفس عدد الأسرى الجزائريين/العثمانيين الـ 300 في نابولي من الرعايا الدانماركيين في الجزائر. وقال الداي حسن، الذي لم نعد نعرف عنه اليوم سوى اسمه مقترنا بجِنَانِه، “جْنَانْ حَسَانْ” الواقع بين ساحل باب الوادي ووادي قريش في مدينة الجزائر وقد تَحَوَّلَ إلى مستشفى مايو العسكري في عهد الاحتلال، يضيف كاثكارت، “إذا أُعيد رجالي إليّ سأرد لكم سُفُنَكم وبضاعتَكم ورعاياكم، وإلا فإن بعد 40 يوما من عودة سُفُنِي الغازية إلى المَرْسَى فإنني سأصَادِر السُّفن والبضاعة (المحتجَزة Ndlr) وأستعبد جميعَ رعاياكم وأعلن الحرب على الدانمارك”.

الداي حسن متوعدا واشنطن:

“…أبلغ قنصلكم الـ “طوبال” أن دوره آتٍ، وأنت أيضا أيها المحتال…”

هنا، حاول القنصل الدانماركي شرح الموقف وتهدئة حاكم الجزائر، إلا أن هذا الأخير رفض الإصغاء إليه، وقال، على حد تعبير الأسير الأمريكي، “عد إلى دارك، نحن في رَمَضَان، أنا ذاهبٌ لأنام”، ثم التفت إلى الأسير غاضبا: “أما أنت، أبلغ قنصلَكم الـ “طوبال” (أي الأعرج أو “الكَعْوَانْ” بعامِّية مدينة الجزائر والذي كان في المدينة في مهمة دبلوماسية أمريكية طلبًا لمعاهدة سلام مع الجزائر Ndlr) بما فَعَلْتُ وقُلْ له إن دورَه آتٍ وأنتَ أيضا أيّها المحتال (…)” يضيف كاثكارت مؤكدا أن الباشا وهو يتوعده “وَضَعَ يدَه على اليَطَغَانْ (الخِنجر Ndlr) وأشار بطرف يده بحركةٍ مقلِّدة لِعملية ذبْح (…) المسيحيين (المُعدَمين Ndlr) عند باب القصر”، قصر الجنينة في ساحة الشهداء الحالية، مهددا إياه بإعدامه بعد توسطه في عملية السلام الأمريكي الجزائري الذي تأخر الأمريكيون لأسباب كثيرة ومعقدة، بعضها موضوعي، في التوقيع عليه.
على كل، بعد توتر شديد، كانت نهاية الأزمة الخطيرة مع الدانمارك سعيدة ولم تُسفك فيها الدماء. ففي مذكراته، كتب جيمس كاثكارت عنها قائلا إنه ترك مدينة الجزائر، وهو لا يزال أسيرا لدى الدّاي، متوجها إلى بلاده في مهمة دبلوماسية عاجلة لإنقاذ معاهدة السلام مع الدولة الجزائرية وتفادي أزمة خطيرة على المصالح الأمريكية في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي وإنقاذ رأسه أيضا.
وهو خارج “المحروسة بالله”، قال الأسير الأمريكي: “عَلِمْتُ لاحقا أن الأتراك عادوا (مِن نابولي إلى الجزائر Ndlr) وتم الإفراج عن السفن والبضائع” الدانماركية التي تم الاستيلاء عليها من طرف البحرية الجزائرية وجيء بها إلى مرسى “المحروسة” في مثل هذا اليوم، يوم 20 أبريل من عام 1796م.
لكن، يتابع كاثكارت، “الضباط والأطقم قد تَعَرَّضُوا للنّهب مِن قِبَل أطْقُم الطَّرَّادات (الجزائرية خلال الهجوم الانتقامي على السفن Ndlr)، ولم يتلقوا أي تعويض على الإطلاق”.
الداي حسن باشا يصفع الوسيط الأمريكي في قصر “الجُنَيْنة”
وربما كانت النهاية أسعد للأسير الأمريكي، لأنه نجح بدوره، ومعه الطاقم الدبلوماسي لبلاده، في إنقاذ العلاقات الجزائرية الأمريكية من الانهيار وتوقيع معاهدة السلام بين البلديْن بعد أشْهُرٍ ليستعيد حرّيته بعد 11 عاما من الأسْر تَعّرَّضَ خلالها لِكل أنواع الإهانات، على حد قوله، مثلما كان يقع للأسرى في حروب ومعارك تلك الحقبة وإلى اليوم، بما فيها تَلقِّيه صفعة، واحدة على الأقل، على خدِّه الأيْسَر مِن طرف الدّاي حسَن باشا في لحظة غضب وهو يتبادل معه النقاش كوسيط مُفوَّض من طرف المبعوث الأمريكي دُونَاْلْدْسُونْ (Donaldson) إلى مدينة الجزائر بشأن معاهدة السلام الأمريكية الجزائرية ولفدية أسرى واشنطن بـ “المحروسة بالله”.
وما حز في قلبه كثيرا حتى أنه ذَكَرَهُ في مذكِّراته هو أنه حين أخبر دونالدسون في مقر إقامته بفحص “المحروسة” بما وقع له مع الباشا، سَخَر منه هذا الأخير ورَدَّ ضاحكا: ولماذا لم تُعْطِه خدَّك الأيْمن حتى تكون قد طَبّقْتَ حَرْفِيًا ما قالَه السّيد المسيح…؟
هكذا كانت الجزائر آنذاك…وذِكْرى الأزمة مع الدّانمارك، التي انتهت بردًا وسلامًا، تمر علينا اليوم…
بقلم فوزي سعد الله
الصورة:
قصر الجنينة سنة 1830م بُعيْد احتلال الجزائر بأشهر قليلة متوسطا الصورة. على اليسار، يظهر جزء من الجامع الجديد في هذا البقعة التي ما زالت موجودة إلى اليوم بعد تهديم المحتلين العمران الجزائري الأصلي والمسماة منذ سنة 1962م: ساحة الشهداء…
https://web.facebook.com/photo/?fbid=10223346290788360&set=a.1172730601286

You may also like

Leave a Comment

روابط سريعة

من نحن

فريق من المتطوعين تحت إشراف HOPE JZR مؤسس الموقع ، مدفوعا بالرغبة في زرع الأمل من خلال اقتراح حلول فعالة للمشاكل القائمة من خلال مساهماتكم في مختلف القطاعات من أجل التقارب جميعا نحو جزائر جديدة ، جزائرية جزائرية ، تعددية وفخورة بتنوعها الثقافي. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة القائمة «الجزائر الجزائرية»

من نحن

جمع Hope JZR ، مؤسس الموقع ومالك قناة YouTube التي تحمل نفس الاسم ، حول مشروعه فريقا من المتطوعين من الأراضي الوطنية والشتات مع ملفات تعريف متنوعة بقدر ما هي متنوعة ، دائرة من الوطنيين التي تحمل فقط ، لك وحماسك للتوسع. في الواقع، ندعوكم، أيها المواطنون ذوو العقلية الإيجابية والبناءة، للانضمام إلينا، من خلال مساهماتكم، في مغامرة الدفاع عن الجزائر الجديدة هذه وبنائها.

ما الذي نفعله

نحن نعمل بشكل مستمر ودقيق لتزويد الجمهور بمعلومات موثوقة وموضوعية وإيجابية بشكل بارز.

مخلصين لعقيدة المؤسس المتمثلة في “زرع الأمل” ، فإن طموحنا هو خلق ديناميكية متحمسة (دون صب في النشوة) ، وتوحيد الكفاءات في خدمة وطنهم. إن إصداراتنا كما ستلاحظون ستسلط الضوء دائما على الأداء الإيجابي والإنجازات في مختلف المجالات، كما تعكس منتقدينا كلما رأينا مشاكل تؤثر على حياة مواطنينا، أو تقدم حلولا مناسبة أو تدعو نخبنا للمساعدة في حلها. 

مهمتنا

هدفنا الفريد هو جعل هذه المنصة الأولى في الجزائر التي تكرس حصريا للمعلومات الإيجابية التي تزرع الأمل بين شبابنا وتغريهم بالمشاركة في تنمية بلدنا.

إن بناء هذه الجزائر الجديدة التي نحلم بها والتي نطمح إليها سيكون عملا جماعيا لكل المواطنين الغيورين من عظمة أمتهم وتأثيرها.

ستكون الضامن للحفاظ على استقلالها وسيادتها وستحترم إرث وتضحيات شهدائنا الباسلة.

© 2023 – Jazair Hope. All Rights Reserved. 

Contact Us At : info@jazairhope.org