بقلم: عدنان محتالي
85
تعيش فرنسا منذ 3 ليالي رعبا حقيقيا على خلفية الإحتجاجات العارمة و التخريب الكبير الذي تقوم به الجالية الجزائرية و بمساندة بقية الجاليات، ردا على اغتيال الشرطة لمراهق ذو أصول جزائرية يبلغ من العمر 17 سنة، من خلال طلق ناري على مسافة الصفر، من خلال هذا المقال، سنخوض في الموضوع بشكل مغاير عن المألوف.
أولا و قبل كل شي، يجب أن نضبط تقسيما للجالية الجزائرية في فرنسا، و يمكن تقسيمها إلى 3 فئات.
1- الحراڤة الجزائريون الذي يعيشون على التراب الفرنسي دون وثائق.
2- الفرنسيون ذوو الأصول الجزائرية من الجيل الثاني و الثالث.
3- الأشخاص القادمون من الجزائر، المقيمون في فرنسا و الذي سوو وضعياتهم القانونية.
من يقود عمليات التخريب اليوم هم الفئة الأولى و الثانية، فالحراڤة يشعرون بإحباط شديد بسبب عدم تسويتهم وضعياتهم القانونية و احراج عدم القدرة على العودة إلى أرض الوطن خاليي الوفاض، أما أصحاب الجيلين الثاني و الثالث، فهم أشخاص يتمتعون بالجنسية الفرنسية قانونا، لكن المجتمع يعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية، يعانون من التمييز العنصري، يعيشوف في les banlieues ذات الظروف المعيشية السيئة، و هو ما يسبب لديهم احتقانا شديدا و رغبة في الإنتفاض.
أما الفئة الثالثة، فقد كانوا يعيشون في الجزائر أين كانت الظروف المعيشية صعبة بالنسبة لهم، و عند انتقالهم إلى فرنسا، وفرت لهم ظروفا أحسن من الجزائر، و هو ما يحسون به، لكنها ليست بنفس جودة ظروف الفرنسيين أصحاب البلد (و هو ما لا يحسون به بعد بما أنهم يعتقدون أن حصولهم على الإقامة أو الجنسية مزية من السلطات الفرنسية، هذه الفئة تخاف من زوال النعمة و تحرص حرصا شديدا على عدم زعزعة الإستقرار الفرنسي.
هذه الفئة في نفس الوقت، وجدت مكانها في المنظومة الإقتصادية الفرنسية (و هو السبب الرئيسي لإستدراجهم و تسوية وضعيتهم)، فهم يكدحون و يصرفون أموالهم وفق ما عهدوه في الجزائر (إنفاق صغير/إدخار كبير)
من هذا المنبر البسيط، أستغل الفرصة لتوجيه رسالة شكل و عرفان لما قامت به الفئتان الآولى و الثانية، لقد جعلوا فرنسا تعيش رعبا حقيقيا، و لن تتجرأ على التعرض للجزائريين أبدا، لقد أثبتت الجالية الجزائرية أنها قوة ظاربة، فلا اللوبي اليهودي CRIF ولا هم يحزنون….. هؤلاء لم يرسموا خطوطا حمراء جديدة لفرنسا فقط، بل رسمو سياجا بداخله أسد، و سوف أشرح ذلك بالتفصيل.
أما الفئة الثالثة، فرسالتي لهم كالتالي، أن نظرتكم قصيرة جدا، سوف يأتي يوم، ترتفع فيه مصاريفكم لتبلغ مستويات انفاق المواطن الفرنسي، و تتلاشى قدرتكم و رغبتكم في الكدح، و سينتهي بكم و بأبنائكم الأمر لتنتقلوا إلى الفئة الثانية، لتصبحوا و تحسوا كونكم فرنسيون من الدرجة الثانية.
بطبيعة الحال، هنالك عدد معتبر ممن يمكن تصنيفهم مع الفئة الثالثة، لكن وعيهم السياسي و حبهم لوطنهم يمنحهم الحصانة و صفاء الذهن، الكثير يعي أن فرنسا تبقى سبب عدد لا متناهي من مآسي الجزائريين، و ما تمنحه للمغتربين هو مثقال ذرة مما نهبته من بلدانهم.
الآن و قد ضبطنا الفئات المسؤولة عن ليالي الرعب، دعوني أؤكد لكم نقطة مهمة و فاصلة، و هي أن ما يحدث في فرنسا اليوم، أمر مهندس له، و لا أقصد بذلك بالضرورة أن للسلطات الجزائرية اليوم يد في ما يحدث بشكل مباشر، صحيح أن الإحتمال مطروح، و أن السلطات الفرنسية لمحت إلى ذلك، لكن ليس هذا ما أقصده، و إليكم الكرونولوجيا التالية لتفهموا ما أعنيه:
1-في سنة 1960 قامت فرنسا بأول تجربة ذرية، لتدخل نادي الكبار و تصبح بذلك منيعة من تهديد دولة غير نووية.
2-في سنة 1962 خرجت فرنسا من الجزائر بعد أن قتلت مليون و نصف مليون شهيد خلال الثورة و حوالي 6 ملايين خلال تواجدها، خرجت دون أن تعتذر، مما يعني أن مشاعر العداء ستدوم إلى الأبد، صانع القرار الجزائري بعد الإستقلال علم أن فرنسا ستبقى عدونا الأبدي، و سيبقى الصدام محتدما و لن تكون لنا الغلبة أبدا في المواجهات المباشرة.
3- في سنة 1968، أمضت الحكومتان الجزائرية و الفرنسية إتفاقيات تمنح للجزائريين أفضلية في الهجرة بالمقارنة مع بقية الجاليات، كان المفاوض الفرنسي يسعى إلى ربط الجزائر بفرنسا ثقافيا و إجتماعيا بعد أن فقد الإرتباط السياسي، أما المفاوض الجزائري فكان له رأي آخر.
4- ( نقطة مهمة جدا) في أفريل سنة 1974، و في خطاب للرئيس الراحل هواري بومدين في جلسة للأمم المتحدة، قال:« يوما ما، سيغادر الملايين من الرجال الضفة الجنوبية نحو الضفة الشمالية، و لن يذهبوا هناك كأصدقاء [للضفة الشمالية] ، لأنهم سيذهبون هناك من أجل الإستعمار، يستعمرونها بإستخدام أولادهم و أرحام نسائهم، و هو ما سيمنحنا النصر»، هذا الخطاب وجده المؤرخ الفرنسي Renaud Camus في أرشيفات الأمم المتحدة.
5- أيام قبل زيارته روسيا، قام الرئيس تبون بإصدار أمر رئاسي بإعادة مقطع “يا فرنسا”، الذي حرك مشاعر اليمين المتطرف الفرنسي و الذي طالب بإلغاء اتفاقات 1968، و هو الأمر الذي أثار الذعر لدى الجالية الجزائرية.
6- في يوم الخميس الماضي، و خلال نظاهرات للنقابات
أعلن وزير الداخلية الفرنسي Gerald Darmanin، أن وزارته منعت تواجد 1000 عنصر متطرفا، منمهم يساريون و منهم من جاء إلى فرنسا من #خارج_البلاد
7- و منذ 3 أيام، وقعت جريمة اغتيال المراهق نايل لتلتهب فرنسا عن بكرة أبيها.
دعك من التسلسل الأخير للأحداث، و ركز مع اتفاقيات 1968 التي شجعت على هجرة الجزائريين بشكل هائل إلى فرنسا، و على خطاب بومدين، لتفهم أن وجود ملايين الجزائريين فيها ليس وليد الصدفة.
و هنا و في هذه النقطة بالذات أخطأت أنا و أخطأ كل المتابعين للعلاقة الجزائرية الفرنسية، حيث نادينا لزمن بعيد جدا بوجوب تشكيل لوبي جزائري قوي في فرنسا يضمن المصالح الجزائرية، و قد اكتشفت اليوم أنا مطلبنا غير واقعي و إليكم الأسباب التالية.
عندما نأخذ الجالية اليهودية في الولايات المتحدة أو فرنسا أو الجالية التركية في ألمانيا، فإننا نجد أنها و على قلتها تملك لوبيات قوية في هذه البلدان، هذه اللوبيات منظمة تنظيما جيدا بسبب كون هذه المجتمعات (اليهودية، التركية،…) هي نفسها منظمة و فعالة، كما لا ننسى أن حكومات هذه الجاليات تصرف أموالا طائلة للحفاظ على تماشك هذه اللوبيات و توجيه الأموال لجيوب الساسة والمسؤولين، في حين أن الجالية الجزائرية غير منظمة لأننا كمجتمع جزائري بعيدون عن التنظيم المحكم، و فاقد الشيء لا يعطيه، فلا تتوقع من مواطن جزائري غير منظم في بلده أن يتقبل التعبئة في دولة أخرى بسهولة.
و هذا ما يفسر عدم وجود حماسة كبيرة لدى السلطات الجزائرية في تنظيم الجالية في فرنسا (رغم محاولات محتشمة)، أي أن المهندس منذ البداية، كان يراهن على الكمية لا على النوعية، و هذا أول إختيار.
و في حين أن الجاليات التي تملك لوبيات منظمة، تعتبر أدوات إيجابية لخدمة مصالح البلد الأم، و تصرف على ذلك أموال طائلة كما قلت، فإن الجالية الجزائرية تعتبر أدوات سلبية، قدرتها الوحيدة هي الهدم من الداخل، و لا يحتاج ذلك سوى
1-عناصر مندسة، تستغل المشاعر السلبية لتوجيه الجموع الغاضبة.
2- إشعار الجالية بالإنتماء للجزائر، من خلال توفير الحد الأدنى من الخدمات (تذاكر سفر منخفضة،….) ، إضافة إلى تلك المشاعر الإسثنائية التي يدعوها أفراد الجالية La fierté، و هي مشاعر طبيعية نابعة من الماضي الثوري للجزائر تجعل المغتربين و الجالية يحسون بأنهم أشخاص إستثنائيون.
و هنا يطرح السؤال الأهم، لماذا تتذرع ببرنامج نووي سلمي و أنت تملك برنامجا عسكري فتاك بين يديك؟ لماذا قد تبذل جهدا في انشاء لوبي جزائري، و هي مهمة صعبة جدا رغم محامدها، في الوقت الذي تستطيع التلاعب بالخيوط لهدم العدو من الداخل و بالتالي الإنتصار عليه؟ الإجابة واضحة طبعا.
بعض المتبعين يعبرون عن قلقهم من كون أعمال الشغب و الفوضى، مؤامرة يقودها اليمين المتطرف و الدولة العميقة الفرنسيين، و هو في الحقيقة قلق منطقي، لكن إذا ما دققنا في المعطيات الديموغرافية، نجد أن ما قامت به الجالية اليوم هو نتيجة لعدة عوامل من غير الممكن تحييدها.
1- أن مكونات شخصية الجالية الجزائرية من القدم (5 عقود) و من التعقيد (التاريخ الثوري، الشعور بالحڤرة، الإستثنائية، العناد،…) ما يجعل تغييرها مضنيا و مستهلكا للزمن.
2- أن أي تصرف راديكالي قد تقوم به فرنسا سيصنف في خانة العنصرية و سيولد المزيد من مشاعر الغضب.
3- أن فرنسا غير قادرة على وقف مد المهاجرين غير الشرعيين بسبب قوانين الإتحاد الأوروبي و تآمر إيطاليا و إسبانيا على توجيه المهاجرين خارج بلدانهم.
4- أنها غير قادرة على توجيه المهاجرين غير الشرعيين نحو الجزائر، التي ترفض إستقبالهم و تعتبر التعاطي معهم شأنا فرنسيا محضا.
5-انها فقدت النجاعة الإقتصادية التي لطالما مكنتها من شراء اليلم الإجتماعي.
6- أن فرد الجالية الجزائري قد أدرك أن قوانين و إجراءات أجهزة الأمن الفرنسي معدة للتعامل مع الفرد الفرنسي الأصيل (المعاملة الإنسانية)، و أن هذه المعاملة لا تزعج فرد الجالية، فنحن نرى كيف يستقبل المهاجر تعرضه للإعتقال بالكثير من السخرية و التهكم، و من الصعب جدا أن تغير السلطات الفرنسية من قوانينها دون أن تمس شخصيتها و كيفية تعاملها مع الفرنسيين الأصيلين، و من المستحيل أن تضع قوانين مختلفة لكلا الطرفين إذ يعتبر هذا نظام فصل عنصري.
و لهذا، اعتبرت أن ما قامت به الجالية هو وضع فرنسا داخل سياج مع أسد، و سيلتهمها عندما يجوع، و لا مهرب من ذلك.