الجديد الذي يمكن توصيفه في هذه المذكرات هو تناول الأحداث باعتباره تجربة شخصية، والتعبير بشكل عفوي عن أحداثه بدون محاذير مسبقة، وبدون ضوابط منهجية أو معرفية يتقيد بها عادة الباحث الآكاديمي، ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يكون محور المذكرات ومركزها هو صاحبها، وأن تكون معاييره في تقييم الأحداث والأشخاص والمسارات هي المعتمدة.
يظهر بوضوح في المذكرات أن لخضر بن طوبال يلتزم بهذه القاعدة في سرده، فهو يصف ما عايشه في طفولته وشبابه وكيف تواصل مع الفكر الوطني في بيئته الأولى في ظل ماكانت تشهده مدينة ميلة من تنافس بين تيار مصالي وبين تيار جمعية العلماء ممثلة في نشاط الشيخ مبارك الميلي، ويبدي نوعا من الانزعاج من توجيه الدعم الشعبي وخاصة المالي لهذه الأخيرة (ص58)، وكيف كان عموم الناس يسمون نشطاء تيار حزب الشعب ب”جماعة التام” أي المطالبة بالاستقلال الكامل.
وبكل وضوح يعبر بن طوبال عن انزعاجه من أن الشعب على الرغم من حديثه عن الاستقلال والحرية، لكن استعداده للنضال وللتضحية من اجل ذلك لم يكن مؤكدا حسب تقديره (ص55) وهو ما جعله يعتبر أن الثورة كما كانت ضد الاحتلال، كانت أيضا ثورة (الشعب على نفسه) أي عن بعض (الأوهام) التي كانت تحكمه والتي ترسخت في ثقافته مع مرور الوقت.
يتحدث بن طوبال عن اجتماع 22 ويعطي تفاصيل عن المداولات والنقاشات التي ميزت جلسته الليلية، وعن طبيعة الحضور، وعن فكرة البحث عن زعيم للثورة، وعن ضرورة أن لا تكون الثورة مجرد عمل عسكري مجدود، وأن لا تتوقف إلا بانتصارها(ص156).
يتوقف صاحب المذكرات عند حدث أول نوفمبر خاصة عن العمليات الأولى وصداها، مفصلا ذلك على مستوى المنطقة الثانية “الشمال القسنطيني” بقيادة زيغود يوسف، الذي يشيد به كثيرا مع ديدوش مراد ويعتبرهما من القادة المميزين للثورة رغم استشهادهما المبكر(ص208).
يؤكد بن طوبال أن هجمات الشمال القسنطيني أوت 55 كانت النفس الثاني للثورة، وأن زيغود هو مهندسها، وكان يريد من خلالها الإقحام المباشر للشعب في الثورة نحو اللاعودة، وقطع كل محاولات الالتفاف عليها. (ص231).
كان لمؤتمر الصومام أوت 1956 نصيب معتبر في هذه المذكرات، يتوقف بن طوبال عند حيثياته، ورهاناته، وما سبقه، وعن الحضور والغيابات، وعن استشهاد بن بولعيد قبل انعقاده،
وعن مدولاته، وعن بعض كواليسه، وعن قراراته، (بداية من ص 275)، وبعض التفاصيل التي ذكرها بن طوبال في حاجة أن يقرأ الباحثون في تاريخ الثورة من جديد هذا الحدث على ضوئها.
من القضايا التي تناولتها المذكرات أيضا حادثة تحويل الطائرة التي كانت تنقل بعض قادة الثورة من المغرب نحو تونس (ص349)، إضراب الثمانية أيام والذي يعتبره بن طوبال خطأ فادحا وأثر سلبا على الثورة (ص365) …
لا يمكن الادعاء أن هذه المساهمة قد أحاطت بما جاء في هذه المذكرات المهمة، لكن اعتقادي أن أهمية موقع ودور صاحبها، والأسلوب السلس الذي صيغت به من قبل الأستاذ جربال، تجعلها وثيقة ذات أهمية بالنسبة للباحثين المشتغلين على تاريخ الثورة، على أمل أن يكون لها جزء ثاني لاستكمال شهادة الرجل.
الجديد الذي يمكن توصيفه في هذه المذكرات هو تناول الأحداث باعتباره تجربة شخصية، والتعبير بشكل عفوي عن أحداثه بدون محاذير مسبقة، وبدون ضوابط منهجية أو معرفية يتقيد بها عادة الباحث الآكاديمي، ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يكون محور المذكرات ومركزها هو صاحبها، وأن تكون معاييره في تقييم الأحداث والأشخاص والمسارات هي المعتمدة.