في طريقهم إلى القدس، انتهج الصليبيون أشدّ أنواع القمع والقتل بحق كل من مرّوا فيه أو التقوا به، وبعد حصارٍ لعدةِ أيامٍ، اقتحم الصليبيون القدس وأوغلوا ذبحًا وقتلًا بأهلها، وكانت البداية بمجزرةٍ جماعيةٍ قتلوا فيها الناس بالشوارع والمنازل والأزقة، لدرجة أن القتل استهدف يهودًا ومسيحيين أيضًا لأنهم جميعًا ذوو ملامح عربية، فبلغت الدماء الركاب. وحسب ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» فقد سقط في ذلك اليوم الكثير من العلماء الوافدين إلى القدس الذين كانوا جلّهم من بلاد المغرب والأندلس، كان مشهد القدس هذا يوم السقوط المذلّ في شهر شعبان سنة 492هـ الموافق لشهر يوليو (تموز) من عام 1099 للميلاد.
استمرّ الاحتلال الصليبي للقدس عشرات السنين، وسط تمزقٍ سياسي شهدته بلاد الشام، أمّا في بلاد المغرب فقد استقبلت أخبار الاحتلال الصليبي للقدس عن طريق قوافل الحجيج، بحكم أنّ القدس كانت مزارًا للحجيج والعلماء المغاربة في رحلتهم إلى الحج، إلى أن بدأت حملة صلاح الدين الأيوبي لتحرير بيت المقدس.

معركة حطين مصدر الصورة (مرسال)
في الوقت الذي كانت فيه القدس ترزح تحت حكم الصليبيين، كان أبو مدين حسب الدكتور عبد الحليم محمود يبثُّ في محبيه وتلاميذه المغاربة روح الجهاد في سبيل تحرير بيت المقدس، وأثناء عودته من الحج مع الوفد المغاربي، انخرط أبو مدين مع تلاميذه في جيش صلاح الدين الأيوبي في معركة حطّين الشهيرة التي انتصر فيها جيش صلاح الدين، وفتحت من خلالها مدينة القدس، وكان للمغاربة دورٌ مهم في حيثياتها، فكان أن فقد أبو مدين الغوث ذراعه في تلك المعركة.
وعرفانًا لجهاد أبي مدين والمغاربة الذين معه، ومشاركتهم في تحرير القدس من قبضة الصليبيين، أوقف ابن صلاح الدين الأيوبي وقفيةً امتدت من باب المغاربة حتى باب السلسلة، وأوقف خصيصًا مزارع وبيوت وأملاك عديدة في قرية عين كارم لأبي مدين وجنده. ولا تزال صورة الوقفية محفوظة في سجلات المحكمة الشرعية في بيت المقدس.

وقبل وفاة أبي مدين الغوث أُضيفت أجزاء من قرية عين كارم التي تقع بضواحي القدس الشريف، وقرية إيوان التي تقع داخل المدينة القديمة إلى وقف المغاربة في القدس. كما أوقف أبو مدين سكنًا للواردين من المغاربة سمّي بزاوية سيدي أبي مدين الغوث، وجاء في وثيقة الوقف: «أوقفها بأموالها ومياهها وآبارها وسواقيها وسهلها ووعرها ومبانيها وقفًا لله يصرف للسابلة من المغاربة المارين والمنقطعين للعلم والجهاد المرابطين على وصية صلاح الدين الأيوبي».

حائط البراق في القدس
دوّنت وثيقة أوقاف أبي مدين لأول مرة سنة 666هـ الموافق لـ1267م، وأعيد تدوينها في عام 1004هـ الموافق لـ1595م، وبقيت هذه الأوقاف صامدة لأكثر من ثمانية قرون قبل أن يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي سنة 1948 ويستولي عليها بالكامل. وفي حوارٍ صحافي مع جريدة الأهرام المصرية كشف عبد اللطيف أبو مدين -أحد أحفاد أبي مدين الغوث- عن رفع عائلة أبي مدين دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية للمطالبة بحقوقهم التاريخية في هذه الوقفية.
2 comments
لا أحد يستطيع أن يمحو تراث سيدي بومدين الغوث الجزائري اللذي يحفظه التاريخ، ولا أحد يستطيع أن يسرقنا تاريخنا مادام كل مريد في هذا العالم يقر لنا بأن جزائري كسيدي بومدين الغوث (طيب الله ثراه) الولي الصالح المجاهد ، كان حقا من الأعلام اللذين رسموا طريق القرب.
رحم الله سيدنا شعيب أبي مدْيَن الغوث و طيب ثراه … و أرحم اللهم كل مؤمن صالح أقلته أرض الجزائر و غير أرض الجزائر ..
شكرا Toufan