مناطق الظل ..وطن ..للجميع
لقد قال ذات يوم الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب :” وطني علمني ..علمني أن حروف التاريخ مزورة ..حين تكون بدون دماء ..وطني هل أنت بلاد الأعداء ؟ ..يا وطني المعروض كنجمة صبح في السوق …في العلب الليلية يبكون عليك ..أولئك أعداؤك يا وطني ..
..ونحن نقول لذاك الجزائري وذاك الجزائري اللاجزائري إننا هنا وسنبقى هنا هي الجزائر ..هي الأرض ..هي الملح، هي التراب ..هي أنا الأعمق
أما بعد ..
حين دعا رئيس الجمهورية إلى الالتفات إلى مناطق الظل في الجزائر لأنها تحتاج إلى التنمية الحقيقة .. من توفير سبل الراحة إلى المواطنين من مد الطرقات وإصلاحها وتوفير الماء الصالح للشرب وتقريب المدرسة لأطفال هذه المناطق وتقديم الخدمات الصحية، وتمكين المواطنين من الاستفادة من روافد التنمية وألا تبقى العزلة والصمت الرهيبين يقتلان المواطنين في هذه المناطق كان يعي تضحيات هذه المناطق وتمسك هذه المناطق بالوطنية الصادقة .
ولأن هذه المناطق زمن الاستعمار كانت موئلا للمجاهدين ومركزا لهم، ومكانا يوفر لهم سبل التحرك والالتقاء وكانت في نفس الوقت تعيش مداهمة الاستعمار لما كان يعرف من أهميتها في ربط المجاهدين الجزائريين بأقاربهم أو برفاقهم أو بتمويلهم من السكان على بساطة عيشهم فقد كانوا يقدمون كل ما يملكون ويضحون حتى بماشيتهم وأرزاقهم وبأنفسهم في سبيل عدم الإبلاغ عن المجاهدين فكم من قرية تم حرقها بنار الاستعمار، وكم من أهالي تم تشريدهم والتنكيل بهم وتعذيبهم .
إن مناطق الظل اليوم هي الجزائر في عمقها في تاريخها في مجدها في كرامتها في صمتها وفي حبها للوطن ، إن مناطق الظل هي الشجرة التي يستظل تحتها كل الجزائريين في رفق ومحبة وأنس دون شكوى مبرمة أو تهمة للوطن أو خيانة له وإنما هي تطالب بحقوقها في أنفة وعزة وكرامة ولا تحاول أن تخدش الوطن أو تبيعه أو تتاجر به ، إن مناطق الظل كالأمس ستظل مكافحة ومدافعة عن الوطن وثوابته ولا تعطي الدنية فيه، إنّ مناطق الظل التي عانت زمن الاستعمار وزمن العشرية السوداء بقيت واقفة شامخة رغم الظروف القاسية فهي تستحق كل العناية والرعاية والاهتمام .
لا نريد الإسهاب في المجال الاقتصادي والاجتماعي لمناطق الظل، بقدر ما نريد كشف الغطاء عن التضحيات التي قدمتها ساكنة الظل زمن الاستعمار والتعريف ببعض المناطق التي عرفت مراكز للتنكيل والتعذيب للجزائريين بعيدا عن الأضواء وبعيدا عن الأعين وما فعله الاستعمار الفرنسي في هذه المناطق وصناعته التي أتقنها الإجرام الفرنسي في حق الوطنين والأحرار من أبناء الجزائر .
المكان
قرية الضاية بلدية الضاية DHAYA
التابعة اقليميا لولاية سيدي بلعباس دائرة تلاغ تبعد عن ولاية سيدي بلعباس 70 كلم جنوبا
اسم المعتقل :
كانت تسمى زمن الاستعمار Boussuet وألصق الاسم بقرية الضاية زمن الاستعمار الذي سمى المعتقل باسم Boussuet وذلك نسبة إلى الأسقف الفرنسي المولود بمدينة ” ديجون ” الفرنسية عالم اللاهوت والفلسفة والتاريخ، وهنا وقفة تأمل وألم حين تدعي فرنسا العجوز الحضارة والثقافة والإنسانية تضع اسما لرجل دين وتاريخ وثقافة على معتقل سيكون متحفا لكل أنواع التعذيب والتنكيل هذه هي فرنسا المتقدمة والراقية على دماء الأبرياء .
أهم الشخصيات الوطنية والدولية التي سجنت في المعتقل :
الطبيب أحمد عروة
الموسيقي هارون الرشيد
الفنان النحات نوارة الطيب
الممثل حسن الحسني ” بوبقرة ”
الشهيد أحمد زبانة
المدير العام للأمن الوطني السابق المرحوم ” علي تونسي “
أحد مفجري الثورة رابح بيطاط
وزير المجاهدين السابق محمد جغابة
مؤسس الاتحاد العام للعمال الجزائريين عيسات إيدير
الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة
المناضل الزعيم من جنوب إفريقيا نيلسون مانديلا
الفيسلوف والمثقف الفرنسي الكبير رجاء غارودي
رسالة أسماء المعتقلين :
طبيب، موسيقي، نحات، ممثل، حقوقي، فيلسوف، فدائي، مناضل وطني،مناضل عالمي، رئيس دولة ..، وبعد هنا التلاحم وهنا العرفان وهنا الغاية واحدة لا يهم عملك ولا يهم ما خلقت له وما تحسنه ما يهم هنا هو الوطن والدفاع عن الوطن؟ فهل ترى الاستعمار الفرنسي كان يميز بين مناضل سياسي أو مجاهد أو فنان أو موسيقي أو رسام،أو جزائري أو غير جزائري آمن بالجزائر وبثورتها، فأسماء المعتقلين وما تحمله أسماءهم من رموز تعد بحق: لوحة فنية رائعة خالدة جميلة معبرة .
رسالة المعتقل :
حين تكون الرسالة أسمى والهدف غال يصبح السجن فسحة والمعتقل رغبة ملحة للتحدي وأنا أتابع في كل ما يقودني إلى معتقل ” بوسوي ” Boussuet وهو القريب مني جدا والذي أمرّ بجانبه في الكثير من المرات فيبدو المشهد مخيفا لأسواره العالية وتبدو نوافذه الضيقة كأنها كانت تخبر عن بقعة ضوء وعن رسائل التلاحم لأشعة شمس جزائرية .
لايزال معتقل ” بوسوي ” Boussuet يحتفظ بذاكرته السوداء، يحتفظ بحجراته الضيقة، يحتفظ بكل معالم التعذيب مع اختيار المكان بقصد من طرف الاستعمار وخاصة إذا عرفنا بأن بلدية الضاية منطقة باردة في أعالي الجبال ..شخصيات كبيرة عظيمة من الجزائر ومن خارج الجزائر زرات غصبا عنها معتل ” بوسوي ” وضعها المستعمر الجلاد فيه، مناضلون عرفوا القهر والتعذيب في هذا المعتقل الذي مازالت جدرانه وحجراته شاهدة على بشاعة الاستعمار مازال طيف أولئك الأبطال يرف بين الجدران السوداء يتراءى ذكرى لا تنمحي وصوتا
ولعل من أجمل الرسائل وأنت بالمعتقل بين الجدران تتحسس الثورة وانجازات الثوار وتضحياتهم ما قام به الرجلان المجاهدان الكبيران العظيمان وهما بمعتقل بوسوي Boussuet الشاعر ” محمد الشبوكي ” حين سمع بميلاد الحكومة الجزائرية المؤقتة سنة 1958 فأرسل هذه الرسالة تعبر عن فرحته وابتهاجه قائلا :
هي دنيا من المباهج والأفراح ماجت بحسنها الخلاب
يا لها لحظة تطرز فيها الكون وانداح في قشيب الثياب
أيها الشعب يا سليل الصناديد هنيئا نيل المنى بالغلاب
قد تجشمت للتحرر والإعزاز هول الردى ووعر العقاب
حجج أربع تقضت تباعا مثقلات بفادحات الصعاب
دولة الشعب يا بشائر فجر قدسي بدا وراء السحاب
ارفعي الراية الحبيبة في القطر فإنا لنجمها في ارتقاب
والذكرى نفسها ألهمت المجاهد الشاعر أحمد سحنون وهو بنفس المعتقل يبعث بروحه الوطنية للتعبير عن فرحته وناسيا مآسيه لأن نداء الجزائر وصوت الجزائر أصبح يخفق بين الدول :
واليوم تولد للجزائر دولة عربية من أهلها الأقحاح
وهكذا كانت الثورة الجزائرية ملهمة وجامعة وموحدة وثورة عطاء لا سجون أخمدتها ولا معتقلات أوقفتها ولا التعذيب أنكرها ولا الاعتقال وأدها وإنما هي ثورة حتى النصر ويبقى معتقل ” بوسوي ” برغم من قسوة مبناه وجدرانه وحجراته ومكانه إلا أنه كان معتقلا يعطي صورة الجزائر بأبنائها على مختلف أطيافهم ..
وفي الأخير نقول علموا أبناءكم بأن الجزائر نالت استقلالها …وبأن مناطق الظل من الوطن ومن عبق الوطن ومن روح الوطني والتضحيات كانت على قدر ما دون مفدي زكرياء .
فمضى الشعبُ بالجماجمِ يبني أمةً حرةً، وعزًا وطيـــــــــــــدا
من دماء زكية، صبها الأحرار في مصرف البقاء رصيدا
ينظر موقع جريدة https://www.djazairess.com/eldjoumhouria/57415
ينظر ديوان الشاعر محمد الشبوكي
ينظر ديوان الشاعر أحمد سحنون .
1 comment
جزاك الله عنا كل خير أخي ALG DZ على هذا المقال و خاصة تسليطكم الضوء على قرية الضاية … آآآه على معانات جزائرييي القرى النائية التي تملأ اعماق وطني الغالي … أعرف تلك المعانات لأني كابدتها ايضا في زمن غير بعيد … أنت محق حين قلت ان أهالي مثل هكذا مناطق ظل و الله لا يكادون يطلبون شيىء ، سوى قليل من عيش كريم: مدرسة داخل القرية، ماء شروب و طريق سالك …
خاوتنا الجزائريين الذين يعيشون في هذه المناطق ، همُ الجزائر و الله يا خوتي همُ الجزائر
ربي يلطف بينا