Home الجزائر الجزائرية هل الجزائر عربية أم أمازيغية ؟؟

هل الجزائر عربية أم أمازيغية ؟؟

by Mohamed Redha Chettibi
0 comment
A+A-
Reset

هل الجزائر عربية أم أمازيغية ؟؟

 

قد يتبادر الى ذهن الكثير من الجزائريين أن الاجابة على هكذا سؤال لا جدوى تُرجى من ورائها، و قد يذهب أكثرهم الى عدم طرح السؤال أصلا

كيف تكون الاجابة على هذا السؤال ضرورية و حيويّة  في بلد مثل الجزائر ؟ و ما فائدة طرحه أصلا ؟ و هل الجزائر تعاني من مشاكل هوِيّة مثلا ؟؟

سيكون من المناسب جدا، و الجزائريون عقب نوفمبرهم المقدس، يحتفلون بِعيد اندلاع ثورتهم المجيدة، أكبر ثورة في القرن العشرين، أن نخوض في  مسألة الهوية الجزائرية التي طالما أسالت كثيرا من الحبر، و هذا لِما تحمل من حساسِيّات في طيّاتها.خاصة و أن مثل هذه النقاشات باتت تُتداول في فرنسا، وهي من هي في عداوتها مع كل ما هو جزائري ، فلماذا هذه المسألة بالذّات جلبت أنظار أعدائنا، فالأجدر أن نناقشها بيننا كجزائريين و فوق ارضنا الجزائر

و كما يعلم الجميع، فإن موضوع الهوية، خاصة في بلدان العالم الثالث، بات يكتسي درجة غاية في الأهمية و هذا لِما يثيره أتباعه و كذا مناهضوه من لغط و استقطاب حاد و من ثَم فوضى لا مناص ؛ و كل هذا سيأدّي الى زعزعة الاستقرار في البلد المعني حتما، و تسود الفوضى في مكان النظام و الخوف عِوَض الأمن و… هلُّم جرّ

ولن تستطيع حينها سلطات البلد استرجاع الأمن من خلال سنِّ قوانين ردع كتلك المناهضة للعنصرية و تطبيقها بالقوة ، لأن العدو الحقيقي ليس أُولَئِكَ  المتمردّون (أو العنصريّون، إن شئتم) من ابناء الشعب بل هو الإمبريالي القديم-الجديد، المتربِّص الذي ينتظر بمكر وراء منظماته غير الحكومية بترساناتها الاعلامية الهائلة، أن يُقمَع الشعب كي يخرج بوجه المخلِّص و يُعيد الاستلاء على البلد و شعبه و كل مقدّراته   

فالجزائر من هذه البلدان التي عانت، و منذ استقلالها قبل حولي الستين سنة، من هذه التدخلات السافرة، من فرنسا ابتداءً، لِيَليها الغرب المتغطرس كله بصهيونيته و ماسونيته… و رغم أن السلطات الجزائرية طبقت في أحيان عديدة سياسات الاحتواء و هذا بمد الشعب بالامتيازات الاقتصادية :من دعم المواد واسعة الاستهلاك، تعليم و طب مجّانيّان و …و مع هذا، و سوف يشاطرنا الرأي الكثيرون و هذا بإعطائنا نوع من فسحة للشك:  قد لن ينجح الاقتصاد (مع لزومه طبعا) وحده في صدّ هكذا هجمات خبيثة يقوم بها اعداءنا بغية زعزعة استقرار آخر قلاع المقاومة : مقاومة النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي يقوم على النهب البواح

فحالة ليبيا هي مثال صارخ على عدم نجاعة هذه السياسات في رد حروب من الجيل الرابع أو الخامس (القوة الناعمة) : حاربوا القذافي بشعبه… ما الذي كانت تتمتع به الشعوب الغربية مثلا و كان يفتقده الشعب الليبي في مجال الثروة و الرفاه …ناتج محلي إجمالي و مؤشر التنمية البشرية هما الاعلى في افريقيا، متجاوزا بعض البلدان الغربية الاكثر تقدما

من ناحية أخرى، يمكننا أن نقول بدرجة عالية من اليقين أنه بالنسبة للبلدان التي تمكنت من بناء هوية وطنية متجانسة، فإن احتمالية رؤية دولتها ممزقة ضعيفة للغاية

الجزائر، و بسبب تاريخها النضالي الفريد، تمكنت حتى الآن مِن تجنب هذا المأزق، لكن الى متى ستبقى الجزائر جزائر ؟ الى متى؟

وحدهم باحثونا و نخبنا من يستطيع الجواب عن هكذا سؤال خطير؛ إذ يترتب عليهم و في أسرع الآجال ترقية و تطوير السرد الوطني للهوية الجزائرية دامجين فيه جميع المكوِّنات المجتمعية لبلدنا (شاوي، مزابي، تارڨي، قبائلي، أسود، عربي …) و هذا بغية تمكين جميع هذه المكوِّنات على رؤية نفسها جزءا لا يتجزأ من النسيج المجتمعي الجزائري… إن نجحت نخبنا في هكذا مشروع، فالجواب على سؤالنا السابق سيكون كالتالي: ستبقى الجزائر جزائر الى أن يرث الله الأرض و من عليها

و لا يتخيّلْن أحد أن مثل هذا المشروع سيكون شاقّا أو صعبا فحسب، بل أكاد أجزم أن نجاحه سيكون شبه مستحيل و هذا جرّاء تغلب الإحساس بالانتماء للعشيرة و الفئة على الانتماء للوطن الواحد… ستكون مهمة النخبة تلك جد دقيقة و هذا بابتكار طرق جديدة ناجعة و إدراجها في مناهج التعليم الوطني، خاصة في الطور الابتدائي و هذا لصنع جيل جديد فخور بانتمائه الوطني… و بالطرق المبتكرة أعني مثلا : تعليم مادة التاريخ باستعمال المسرح و جعل من الدروس المكتوبة التي سرعان ما تنسى، مسرحيات يشارك فيها جميع البراعم من الطور التحظيري الى الطور المتوسط مرورا بالابتدائي طبعا و مادة التربية الاسلامية نجعل من غزوات بدر و أحد ملاحما ، يرتدي فيها أطفالنا زي سيدنا حمزة و يحملون تباعا سيف سيدنا علي عليهما سلام الله … و هكذا على سبيل المثال لا الحصر، لان الابتكار لا حدود له

و كما استعمل أعدائنا الإعلام لهدم أوطاننا بنشر الكذب بألوان زاهية و جذابة و شيطنة كل ما هو خُلقي حتى وصل بهم الامر بإلباس الرذيلة ثوب التحضر و الرقي، فالحريُّ بنا أن نستعمل حدّ الإعلام الآخر، طبعا هو ليس أكثر حِدّة من الأول و لكن بالجد بالمثابرة نجعله كذلك… فللإعلام دوره الرئيس في مشروعنا و خاصة الإعلام المرئي، فأحيانا بفيلم واحد نستطيع التأثير (إنْ إيجابا أو سلبا) على جيل بحاله… المخرج السوري مصطفى العقاد تمكن بفيلم “الرسالة” وحده من التأثير على أجيال كاملة و ليس واحد فقط

فوجب على القيِّمين على الاعلام في الجزائر، العمل جنبا الى جنب مع مسؤولي التربية الوطنية لتكريس و ترسيخ السرد الوطني للهوية الجزائرية، سالف الذكر، في أذهان الأجيال الصاعدة حيث يجدون على شاشاتهم في المنزل أفلام وثائقية (شيِّقة) تارة و كارتونية تارة أخرى و حتى مسابقات تلفزيونية مُسليّة يكون الاطفال هم الفاعلين الحقيقيين فيها و حتى تنشيط المسابقة يكون من نصيبهم و لكن بقيمة تعليمية مضافة كبيرة

كما يجب إقحام المؤرخين في المشروع (هم في الحقيقة أولئك الذين ذكرانهم سابقا بلفظ الباحثين) و إعطائهم كل الحرية و هذا لإعادة قراءة الأحداث المفصلية التي مرّت بها الأمة الجزائرية و تكون لهم المنابر الكافية لمخاطبة النخب و ربما المناظرة إن استعصت محطة تاريخية على أن يُفصل فيها بكل موضوعية و أمانة علمية… لزاما سوف نستخلص الرحيق في النهاية، فتكون الأحداث متسلسلة لا انقطاع لها و لا لبس فيها و شفافة لا تكلفّ ينتابها؛ لأن العكس ستكون آثاره وخيمة على الأجيال المستقبلية

    من الأصول الأولى الى بناء الدولة الجزائرية و أهم الأحداث التي أسست للهوية الجزائرية 

تُشير أحدث الأبحاث بشكل أساسي إلى حركتين للهجرة رئيسيتيْن خلال عصور ما قبل التاريخ: واحدة من غرب إفريقيا والأخرى من الشرق الأدنى

و بشكل عام، و حتى وصول الفينيقيين، لا نعرف سوى القليل عن الشعوب التي عاشت في المنطقة.  و نظرًا لوجود عدد قليل من الآثار لدى الباحثين، فإن هذه الفترة قليلة التوثيق، ربما بسبب طريقة الحياة البدوية لهؤلاء السكان، حيث لم يتركوا أي آثار مكتوبة

أ- الفينيقيّون

 يشكِّل وصول الفينيقيين إلى المنطقة حدثًا بالغ الأهمية؛ يُعتبر عمومًا على بداية التاريخ الجزائري و هذا بظهور الكتابة ما جعل معرفة، ما جرى في تلك الأزمنة الغابرة، أمرا هيِّنا. مع هذا الشعب العبقري و المبدع، شهدت المنطقة إدخال تقنيات جديدة (النحاس) والعمليات الزراعية ( معصرات زيت الزيتون) ، إلخ ، بالإضافة إلى توسع حضارة الشرق الأدنى واللغة السامية

ب- الجزائر، أرض مفترق الحضارات

 نهلت أرض الجزائر من كل الحضرات العظيمة التي أشعّت في العصور القديمة

الفينيقيّون: كتابة، لغة، صناعة يدوية، زراعة…حضارة

 الاغريق و الرومان: التبادلات البشرية و التجارية، اختلاط الثقافات… و ترسيم اللغة

المصريون: زواج جوبا الثاني وسيلين كليوباترا ابنة المشهورة كليوباترا المصرية

 البيزنطيون: كانوا قد أخضعوا شعوب الوندال في السابق ، وهم شعب محارب شرس صد محاولات روما المختلفة  فمنعهم من استعادة موطئ قدم في المنطقة

ج- ظهور الاسلام

يعتبر هذا الحادث محطة مفصلية مع التي سبقتها باستقرار الفينيقيّين في المنطقة، وكذا عنصرا رئيسيّا حاسما في تكوين المشهد الثقافي الاقليمي، حيث استطاع ان يكون عاملا للوحدة لعديد القبائل المتناثرة في ربوع الجزائر و المتناحرة في آن واحد؛ فوحّدها رغم الخصائص اللغوية المختلفة و المتعددة ليُنتِج نسيجا فسيفسائي رائع: أولئك هم أسلافنا الجزائريون

كما ساعد الوجود العثماني على أرض الجزائر، الذي صد العديد من الحملات الاسبانية، أوقف بذلك توسعهم الاستعماري “التبشيري”،  من ترسيخ الاسلام و مكنه من التعمير أكثر مدة ممكنة

كان لهذه الاحداث المتتالية وقعها الإيجابي في بعث ثورات حقيقية، منها الثقافية و الدينية و أخرى علمية، حيث كان لها الفضل في تغيير وجه الجزائر بشكل عميق و دائم و هذا مقارنة بموجات الاحتلال السابقة التي لم يكن لها سوى تأثير سطحي

و قد يكون التقارب العرقي للشعوب هو سبب ترسيخ الثقافة العربية-الاسلامية و اندماجها بشكل أكثر ديمومة  من الثقافات الاخرى حيث ينحدر العرب و النوميديّون من سام ابن نوح عليه سلام الله، فكلاهما ساميّون

 

د- التدفق المستمر للهجرة

قد يغفل الكثير منا عن حقيقة احتلال الامبراطوريات الكبرى (روما، بيزنطة، الامبراطورية الاسلامية) لأراضي جديدة، فهي غالبا ما تدفع بشعوب تلك المناطق الذين يرفضون الخضوع، للهجرة نحو الأطراف و ابعاد أخطار ثوراتها، قدر الامكان، عن مركز الامبراطورية

فروما ، على سبيل المثال ،بعد احتلالها لأراضي الوندال، اضطهدت الذي يهدد استقرارها من قبائلهم و طاردتهم حتى بلغ الأمر بالكثير منهم الاستقرار على ساحل شمال أفريقيا …لم يستوطنوا في الجزائر محتلّين بل مضطَهدين مطارَدين من أرضهم الأم

وبنفس الطريقة ، سارع الفاطميون إلى توجيه القبائل القتالية من بني هلال (وغيرهم) نحو شمال إفريقيا وبالأخص الجزائر الحالية  و كان عددهم حوالي 200.000 نسمة، وهذه الموجات من النزوح القصري يجب أن يكون لها تأثيرها  الكبير على المكوِّن المجتمعي في تلك الحقبة ، خاصة و أن عدد السكان حينها لم يكن ليتعدّ مليون نسمة على الأكثر (في عام 1830 ، بلغ عدد سكان الجزائر خمسة ملايين، وفقًا للتقديرات الأكثر شيوعًا ).

هكذا ساهمت تلك الموجات المستمرة و المتواصلة من الهجرة، ولقرون مضت، باستجلاب مئات الآلاف من البشر من مختلف القبائل و الشعوب، بلغاتهم و ثقافاتهم المختلفة، فارّين في أغلب الأوقات من اضطهاد الامبراطوريات… فاستقروا على ارض الجزائر، بلدهم الجديد… كان قاسمهم المشترك الوحيد هو الظلم و الاضطهاد بينما كانت مشاربهم و “جيناتهم”  فلسطينية، إفريقية، سورية، يمنية و أوروبية جنوبية – شرقية ،إلخ

ه- مزيج عرقي على مدى آلاف السنين

سيكون من السخف أن نتخيل أنه كان من الممكن الحفاظ على أي خصوصية عرقية بعينها بعيدا على كل هذه التفاعلات بين القبائل التي تعايشت لآلاف السنين على نفس الأرض ، وأنه كان من الممكن ظهور “عرق نقي” افتراضي؛ أي بمعنى آخر أن تلك الشعوب المختلفة بعد أن حصلوا على ملاذ آمن و كسوه بنوع من استقرار، على ارض سالت عليها دمائهم (الفينيقيون ، البيزنطيون ، الوندال ، إلخ) ، غادروا أو اختفوا فجأة كما جاءوا ؟؟ هذا نوع من هذيان أكثر منه شيء آخر

أجمع علماء الوراثة على هذه القاعدة: لا توجد قبيلة على وجه الأرض حتى ولو بعيدة بما فيه الكفاية عن بقية شعوب العالم (بعدا جغرافيّا) و تكون قادرة على تطوير أو الاحتفاظ بخصائصها الجينية كي تصبح مؤهلة أن تكون سلالة نقية

علاوة على ذلك، لا يحتاج أي شخص أن يكون عالِمًا وراثيًا بارزًا ليرى ، على سبيل المثال، أن مغتربين كثر لدينا في مناطق مختلفة من العالم قد تزوجوا من محليّي البلدان المضيفة، ثم أنجبوا و أولادهم المختلطين جينيّا، و بدورهم  تزوجوا؛ و أغلبنا لديه عم  أو ابن عم أو صديق أو جار ، وما إلى ذلك… في هذه الحالة، لنتخيّل هذه الظاهرة (التي غالبًا ما تُعتبر نوع من “التقدم الاجتماعي”) على مدى آلاف السنين

لذلك يتضح أن الجزائري الحديث هو في واقع الأمر ثمرة هذا الاختلاط العرقي كله، و بالتالي بات من الصعب أن يكون عربيا دون أن يكون أمازيغي و العكس كذلك صحيح، مع العلم أن العربي في حد ذاته هو خليط من الأعراق و كذا الأمازيغي.. و يصبح بسيطا و سهلا جدّا لو قلنا انه جزائريًا و كفى. الحرِيُّ بنا و الأجدر هو أن نفتخر بهذا الجنس “الجزائري” بما أنه استطاع لوحده أن يهزم أقوى رابع جيش في العالم، المستعمر الفرنسي

 ملحمة الثورة الجزائرية

لم يكن أحد ليتصوّر و لو لوهلة أنه سيأتي يوم و تُطرد فرنسا الاستعمارية التي استوطنت لأكثر من قرن و ربع القرن في أرض، تخيلت انها هي من أنشأها؛ حيث جاءت بمستوطنيها، فرنسيين و غير فرنسيين ، فشيَّدت لهم مدنا على انقاض مدن الشعب الذي استعبدته و بنتها بأياديهم التعِبة المُدْماة أيضا… تلك فرنسا التي عاثت في الأرض فسادا حيث لم تترك عملا إجراميّا الا و أقدمت عليه، فالذي اقترفه جيشها في حق الشعب الجزائري الأعزل يندى له الجبين

و كي تحافظ فرنسا الغبية على الرقعة الجغرافية، فضلت التخلي على تونس و المغرب الأقصى و هذا بغية عدم تشتيت جهودها و التركيز فقط على الجزائر… و أنعتها بالغبية لأنها فعلت مثل ما فعل فرعون مع موسى عليه سلام الله: أدخل لقصره من سوف يكون حتفه على يديه… ففرنسا فضلت ان تكون نهايتها على يد شعب (طبعا احتقرته) له من الرصيد الثوري، المتشبع بروح التضحية و عدم قبول الرضوخ و الخنوع، الكثير الكثير… فهذا شعب أخذ من الامازيغ أنفتهم و من العرب شهامتهم و دينهم… فكيف بربكم يُغلب هكذا شعب ؟؟

كانت الثورة التي اعلنها شعب الجزائر على رابع أقوى جيش في العالم محطة مفصلية بكل ما تحمله العبارة من معنى، و هذا في تاريخ كل الشعوب التي تعاقبت على هذه الارض الطيبة؛ شعوب اضطُهِدت فقاومت و ظُلِمت فكافحت

و لن أبالغ إن قلت أن تلك الثورة المباركة كانت أعظم ثورة عرفها القرن العشرين، لأنها و ببساطة: إن كان للظلم و الاضطهاد عنوانا، فالاستعمار الفرنسي هو الأوفر حظّا لنيْلِه و عن جدارة و استحقاق و سوف يُنعَت به، لا محالة تلاحقه لعنته ما حَيِيَ… ولن نكون من الغالين إنْ افتخرنا حد الغرور بانتمائنا  لشعب كهذا؛ شعب أعزل و مُجهّل بإمعان يثور على من كانت هذه صفاته، فهذا والله وحده منجز لن تضاهيه سوى معجزات الله سبحانه

لم يمرّ على الجزائريين، عبر العصور، أبشع من ذاك الاستبداد و لا أفظع من هكذا وحشية؛ فهم لاقوا ما لاقوه لسبب واحد لا ثاني له: مقاوماتهم المتعددة و المتكررة. فعدونا من الإنس رغم وحشيته، فهو حتما لن يقتل جزافا، و إن فعلها فهذا لتطويع الشعب و إرهابه ليس إلّا، و لكن ما دام أنه كان يفعلها بين الفينة و الأخرى لأطول من قرن و ربع القرن فهذا دليل على أن ذلك الجسد الطيب (الجزائر) ظل يرفض و يقاوم ذاك السرطان و يمنعه من أن يزرع أنيابه فيه

و بما أن الاستعمار الفرنسي هو عنوان كل ظلم و طغيان فصار حقيقا بل لزاما على كل ثورة تمرِّغ أنف هكذا ظلم بأن تصبح عنوانا لكل كفاح أو نضال : فالثورة الجزائرية 1954-1962 هي عنوان كل الثورات و بكل فخر أقولها و هذا لِما فيها من بُبْل و شجاعة و عنفوان و أنفة و علُوِّ همّة و… كيف لا و قد ذكّرت البشرية جمعاء بإنسانيتها و التي مِن أعرق ما جُبِلت عليه هو أن الباطل مغلوبٌ و مهزوم و لو بعد حين و حتى إن جمع له من الإنس ألئم الأولياء و من الجن أنجس العضد و السند؛ فسنن الله جلّ و علا لن تجد لها تبديلا، حيث أن الحقَّ ظاهر على الباطل و لو انتصر له أضعف الخلق     

فليعذرني إخواني عن غلوٍّ قد أبديه في افتخاري بجزائريتي، و ليس كعرق طبعا (فهذا هراء و لا معنى له كما أسلفنا) و لكن دعوني افتخر كوني سليل شعب لم يرضخ قط، و الى الآن، بقيَ باسق هامته كالجبال الشاهقات و شامخة نفسه و كبير عنفوانه لِما في رصيده من كفاح و نضال ، فألبسه الله شيئا من كبرياءه و عزته

و أقولها مستغفرا: و كأن الله جلّ و علا جمع على هذه الأرض الطاهرة، من الشعوب المضطهدة، ما جمع حتى أكتمل العدد، فهداها بالإسلام و علمها كيف بذلك الدين السمح المتكامل تستطيع أن تسود باقي الأمم (عصر الاندلس) و زادها علما أنْ بهجرانه تسودها أجهل الأمم (فرنسا) فاشتدت أزمتها حتى نضجت فيها همتها و علت … و بعد مخاض عسير ولدت أمة أسمها الجزائر

فالشعب الجزائري يكاد أن يكون فريدا في هذا الميدان و بالميدان أقصد ذاك الذي استنه الله سبحانه لعباده الصالحين كي يصولوا و يجولوا فيه و يخوضوا معاركهم المفصلية في ساحاته: الميدان الذي تحكمه ثنائية الحق و البطل فينتصروا للحق ما حيَوْ كي يتسنى لهم خوْض حربهم الوجدانية في ميدان تحكمه ثنائية الخير و الشر

فنتج عن كل هذا و ذاك شعب أخذ من جينات البشر أنبلها، فهو الشهم الذي لا يرضى لنفسه التجبُّر (و هو عنه قادر) و هو العزيز الذي لم ولن يقبل بالذلّ لا لنفسه و لا لغيره ممن ظُلِم فقضايا التحرر في إفريقيا وصولا لفلسطين و مرورا بفيتنام و نظام الأبارتايد العنصري بجنوب افريقيا …كل ذلك كان على استماتة الجزائريي، شعبا و قادة، شاهدا

فإخواننا من الجزائريين الذين تأثروا إمّا بالغرب لِما عنده من علم و قوة و إمّا بالشرق لِما اكتسبه من شرعية دينية؛ فراحوا يرددون تسابيحهم فيميلون أينما مالوا… فيخرج علينا الغرب بموّاله المفضل تارة ،ألا و هو كيفية التحضر و الازدهار باستعمال الحريّات فينصب نفسه معلم القِيَم الانسانية السامية التي أوصلته هو و من اقتفى أثره و سار دربه من الشعوب الضعيفة الى أخسّ الرذائل و لا يزال مصِرّا على كون ما وصل ايه هو عين التحضر هههههههه … ثم يخرج علينا الشرق منصب نفسه إماما ذي ورع ليزعم أن دينه هو (حاشى الاسلام) وحده كفيل بإخراج “الأمة” من رِقّ العبودية فيسمو به الى عالم الروح ( اي عالم حور العين) و كأنه يقول له أن الموة في سبيل الله هي خير و من العيش في سبيل الله هههه و شتان بين الثرى و الثريّا؛ إذ يستحيل الشباب “المسلم” و الجاهل منه خاصة، ارهابيّين و وحوشا، يريد أن يموت كي يسْبي حور العين… آآآه يا مسلم اليوم، يا مسكين

أخي الجزائري دعك من التحضر الكاذب للغرب، عدوّ الامس، و كذا تديّن الشرق الجبان، خائن قضايا الأمة و الأوطان و…و اتبع مرجعك الحقيقي: رصيدك الثوري المتراكم عبر العصور و كفى به نبراسا و دليلا

الجزائر عربية أم أمازيغية ؟؟

هي أكبر بكثير من كونها عربية و أمازيغية في آن واحد، فضلا على أن تكون إما الأولى أو الثانية … فالوعاء العربي غير كافي لاحتواء الشعب الجزائري ناهيك عن الوعاء الأمازيغي … فالجزائري هو الفينيقي بسياسته و الأمازيغي بأنفته و الوندالي بصموده والروماني بدهائه و التركي بقوة بدنه و طبعا العربي بشهامته وسينتهي به الأمر، و هذا إن أخذ بالإسلام الحق فيستحيل مع مرور الزمن الى ذلك الانسان المتكامل الذي أراده الله

 تفكيك الأساطير الجديدة   

طفت الى السطح في السنين الأخيرة نوع من مفردات محدثة و جديدة ذات أبعاد شعبويّة أكثر منها براغماتية أو منطقية؛ و ينطوي مرادها على خبث و مكر كبيريْن… ينطلي على الكيِّس قبل السفيه الأبل

تامزغا أو الوطن الأمازيغي الكبير بأرضه و علمه

حسب مناصري هذا المشروع (الأقرب للأفلام البوليودية الهندية)، تامزغا هي رقعة جغرافية ضخمة تمتد جنوبا لأغلب دول الساحل الافريقي و يحدها من الشمال البحر المتوسط، و من الغرب المغرب الأقصى و المحيط الأطلسي و تمتد شرقا حتى تبلغ مصرا …هذا كل شيء هههه

السؤال المطروح: الذين يطالبون بتمزغاهم تلك هم ثلة من جزائريين و ثلة من مغاربة ريفيين و قليل من “ثوار” ليبيا الداعشيين. كلهم مدعوم بالدول الاستعمارية الامبريالية، حيث يعيش أغلبهم… “فالجزائريين” يعيشون بين فرنسا و بريطانيا و المغاربة،بين فرنسا و اسبانيا و “الثوار” الليبيين يعيشون في تركيا… جميعهم مشترك في قاسم واحد: جهلهم العميق بالشعوب التي تعيش على “تمزغاهم”… خاصة الشعب الجزائري الشهم الأبي، الذي لن تستطيع مساومته على حبة رمل من صحرائه فكيف لك يا أبله و يا سفيه أن تساوم هكذا شعب على أرض كاملة ؟؟؟

عدونا يا سادة، و ببساطة شديدة، يريد إيهام خُدّامه من بني جلدتنا (للأسف الشديد) بأنه مقبل على تجميع و لمِّ شمل الشعوب التي كان قد جزء وطنها (الامبراطورية الاسلامية) الى دويلات، كي يستحدث لها وطنا كبيرا كالذي فككه في القرون السابقة … و هل يعقل هذا ؟؟ جدلا نفترض أنه يريده حقا هههه و هل يريده للمّ شمل شعوب اختلف تاريخها فتلك عانت و الأخرى فرحت ،و هذه قاومت و تلك خانت 

كيف تنطلي هكذا خدعة على الجزائريين ؟؟ أمثل فرنسا الوقحة الوسخة و المجرمة، يستطيع خداعنا من جديد، كيف لها ذلك ؟؟ فمثل هذا العدو الذي وقَّع بالدم على عدائه الأبدي لشعبنا سيبقى متربصا بنا الدوائر، لا كلل يصيبه و لا ملل… يجرِّب المؤامرة تلوى المؤامرة، تارة متخذا اختلافاتنا الثقافية مطية لبلوغ مآربه (هم يسمونها أعراقا طبعا، وقد نسفنا ترّهاتهم في سردنا السابق) و يريد اقناعنا بأنها خلافات و ليست اختلافات… لا بل خلافات عضوية أيضا… و تارة يستعمل عدوُّنا الدين و تشعبات مذاهبه كي يزرع الفرقة و الضغينة و في الأخير يصل للفتنة (قضية غرداية) … و كل مراده هو زعزعة استقرار الجزائر كي لا تلتفت لأمور التطور و التنمية الحقيقية… عدوّنا يخاف و يهاب شعب بنى وطنه، متخذا من أجساد شهدائه لبِنات، فاللبنة حُذوَ اللبنة تشدها قضية مقدسة: دفع الظلم و الاضطهاد على شعب، بعربه و بربره، بفنيقيّيه و ونداله و حتى ذلك المستوطن الفرنسي الذي دافع عن جزائر جزائرية قبلناه كواحد منا رغم ان لسانه فرنسي و دينه مسيحي…هذا الشعب الذي عانى الأمريْن من ذلك المحتل الدخيل الافرنجي الذي أتى كسراب الجراد فأكل من خيرات البلاد حد التخمة و أفسد ما تبقى

فشهيدنا الغالي، العربي بن مهيدي، رحمه الله و طيّب ثراه و قدس روحه الطاهرة، ينحدر من مدينة عين مليلة في أقصى شرق الجزائر خطط للثورة و بدأها كقائد للولاية الخامسة التاريخية، وهران، في أقصى غرب الجزائر…و المجاهد البطل و رفيق درب بن مهيدي ، المرحوم رابح بطاط رحمه الله و طيّب ثراه و قدس روحه الطاهرة، قاد الولاية التاريخية الرابعة و هو منحدر من قسنطينة… المرحوم البطل عمر أوعمران من تيزيوزو، أرسله الشهيد (المغدور) كريم بالقاسم، رحمهما الله و طيّب ثراهما و قدس أرواحهما الطاهرة، ليفجر الثورة فجر الاثنين الفاتح من نوفمبر 54 في ضوحي البليدة…و … العقيد لطفي من تلمسان قضى و السلاح في يده في أقصى الجنوب الغربي ، ضواحي بشار… و… التضحيات بالملايين يا سادة ،و إذا كان مسقط الرأس يجب أن يكون كوخ أو بيت من بيوت بلدة بعينها ( بجاية، قسنطينة، بوفاريك، القنطرة ببسكرة) فالجهاد و الذوْد كان على كل ذرّة من ذرّات تراب الجزائر : 741 382 2  كيلومتر مربع 

هل الجزائر عربية  أو أمازيغية ؟؟

الجزائر هي أكبر من هذا و ذاك ،و السؤال  الحقيقي الذي وجب طرحه هو : هل للعرب والأمازيغ  حظ في نضالات الجزائريين و كفاحهم أو لا… فوالله يتشرف العرب، كل العرب و الأمازيغ، كل أمازيغ شمال افريقيا أن يكونوا جزائريين… و الله لا أبالغ

نكمل هذا السرد المتواضع بهذه القصيدة الجميلة لأحد روّاد الأغنية البدوية (و الغريب انه من البليدة و جلّ اغانيه بدوية) الشيخ رابح درياسة الذي إن سمعته بقلبك سوف تدمع العين و ينزف القلب دما ، لِما تزخر به الجزائر من تاريخ و محطات.

You may also like

Leave a Comment

روابط سريعة

من نحن

فريق من المتطوعين تحت إشراف HOPE JZR مؤسس الموقع ، مدفوعا بالرغبة في زرع الأمل من خلال اقتراح حلول فعالة للمشاكل القائمة من خلال مساهماتكم في مختلف القطاعات من أجل التقارب جميعا نحو جزائر جديدة ، جزائرية جزائرية ، تعددية وفخورة بتنوعها الثقافي. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة القائمة «الجزائر الجزائرية»

من نحن

جمع Hope JZR ، مؤسس الموقع ومالك قناة YouTube التي تحمل نفس الاسم ، حول مشروعه فريقا من المتطوعين من الأراضي الوطنية والشتات مع ملفات تعريف متنوعة بقدر ما هي متنوعة ، دائرة من الوطنيين التي تحمل فقط ، لك وحماسك للتوسع. في الواقع، ندعوكم، أيها المواطنون ذوو العقلية الإيجابية والبناءة، للانضمام إلينا، من خلال مساهماتكم، في مغامرة الدفاع عن الجزائر الجديدة هذه وبنائها.

ما الذي نفعله

نحن نعمل بشكل مستمر ودقيق لتزويد الجمهور بمعلومات موثوقة وموضوعية وإيجابية بشكل بارز.

مخلصين لعقيدة المؤسس المتمثلة في “زرع الأمل” ، فإن طموحنا هو خلق ديناميكية متحمسة (دون صب في النشوة) ، وتوحيد الكفاءات في خدمة وطنهم. إن إصداراتنا كما ستلاحظون ستسلط الضوء دائما على الأداء الإيجابي والإنجازات في مختلف المجالات، كما تعكس منتقدينا كلما رأينا مشاكل تؤثر على حياة مواطنينا، أو تقدم حلولا مناسبة أو تدعو نخبنا للمساعدة في حلها. 

مهمتنا

هدفنا الفريد هو جعل هذه المنصة الأولى في الجزائر التي تكرس حصريا للمعلومات الإيجابية التي تزرع الأمل بين شبابنا وتغريهم بالمشاركة في تنمية بلدنا.

إن بناء هذه الجزائر الجديدة التي نحلم بها والتي نطمح إليها سيكون عملا جماعيا لكل المواطنين الغيورين من عظمة أمتهم وتأثيرها.

ستكون الضامن للحفاظ على استقلالها وسيادتها وستحترم إرث وتضحيات شهدائنا الباسلة.

© 2023 – Jazair Hope. All Rights Reserved. 

Contact Us At : info@jazairhope.org