Home سياسة وجهة نظر — الجزائر: بين اللغة الدبلوماسية والاتساق العقائدي

وجهة نظر — الجزائر: بين اللغة الدبلوماسية والاتساق العقائدي

by Hope Jzr
0 comment
A+A-
Reset

لم تدم الجملة سوى بضع ثوانٍ. لكنها كانت كافية لإثارة شك دائم. عندما وصف الخطاب الرسمي الجزائري بعض الضربات بأنها «اعتداءات عسكرية إيرانية»، فتح ذلك الباب أمام نقاش واسع، أحيانًا حاد، غالبًا مشوش. ليس بسبب جوهر الموقف — الذي يبقى في خطوطه العامة ثابتًا — بل بسبب اختلال مُتصوَّر في طريقة صياغته.

هذا الشعور بالارتباك لا ينبغي تجاهله. إنه حقيقي، ويستحق أن يُؤخذ على محمل الجد.

فما يزعج جزءًا من الرأي العام ليس مجرد تسمية إيران. بل التباين. من جهة، صياغة صريحة، مباشرة، تكاد تكون قانونية. ومن جهة أخرى، الهجوم الأولي — الذي قامت به الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران — وُصف بعبارات أكثر عمومية، وأكثر حذرًا، من قبيل «التصعيد» أو «القلق». بالنسبة للكثيرين، يبدو أن ترتيب الكلمات يعكس ترتيبًا معكوسًا للمسؤوليات.

هنا تصبح الانتقادات قوية. ويجب الاعتراف بأنها لا تقوم بالكامل على سوء فهم.

نعم، هناك عدم توازن في اللغة. نعم، يمكن أن يُنظر إلى هذا الاختلال على أنه خلل سياسي. ونعم، في سياق مشحون رمزيًا مثل الشرق الأوسط، الكلمات ليست محايدة أبدًا.

لكن القفز إلى استنتاج وجود تحول في الموقف الجزائري هو استنتاج لا تدعمه الوقائع حتى الآن.

فعند النظر بقدر من التروي، تبقى الخطوط الكبرى واضحة. الجزائر تواصل إدانة الأفعال الإسرائيلية، وتؤكد مركزية القضية الفلسطينية، وترفض التصعيد العسكري الشامل. لم تعترف بإسرائيل، ولم تغيّر مبادئها الأساسية. كما لم تنخرط في أي محور عسكري. بل تظل، في منطقها، وفية لنوع من عدم الانحياز الفعّال.

فكيف يمكن تفسير هذا التباين بين الإدراك والعقيدة؟

الجواب الأول يتعلق بطبيعة الدبلوماسية ذاتها. فالدولة لا تتحدث كما يتحدث الناشط. إنها تُجزّئ، وتُرتّب، وتُكيّف خطابها بحسب المنصات التي تتحدث فيها. في إطار عربي، وباعتبارها عضوًا في جامعة الدول العربية، يكون الضغط السياسي للتعبير عن تضامن واضح مع الدول الأعضاء قويًا. فتسمية الفاعل تصبح حينها سلوكًا متوقعًا، شبه مُقنّن.

في هذا السياق، فإن الاتصالات المباشرة مع عدد من رؤساء دول الشرق الأوسط، وكذلك التدخل داخل جامعة الدول العربية، تعكس إرادة واضحة: إعادة التأكيد على تضامن إقليمي فوري في مواجهة مخاطر التصعيد، مع البقاء ضمن الأطر السياسية القائمة في العالم العربي. هذه التحركات لا تندرج ضمن بروتوكول شكلي، بل تحمل رسالة محسوبة موجهة إلى شركاء معنيين مباشرة، بهدف دعم جهود التهدئة، وتشجيع الوساطات الجارية — لا سيما تلك المعترف بها إقليميًا — وتفادي تفكك الجبهة الدبلوماسية العربية. كما يمكن فهم غياب بعض الأطراف في هذه السلسلة من الاتصالات باعتباره تعبيرًا إضافيًا عن رفض أي شكل من أشكال التنازل، خاصة في ضوء مواقف إقليمية، لا سيما تلك التي يُنظر إليها على أنها منسجمة بشكل كامل مع إسرائيل. كما يندرج ذلك ضمن واقع أوسع: رغم الضربات التي تتعرض لها، والضغوط التي تمارسها واشنطن، فإن عدة فاعلين إقليميين بارزين، مثل المملكة العربية السعودية والكويت وعُمان، يرفضون الانخراط المباشر في الحرب، مفضلين نهج التهدئة أو الوساطة.

في المقابل، وأمام قوة مثل الولايات المتحدة، يصبح الخطاب أكثر حذرًا، وأكثر غير مباشرة، ليس عن قناعة، بل بحساب. هذا ليس بالضرورة تأييدًا، بل إدارة لعلاقة قوة.

هذا لا يعني أن هذا الخيار مثالي. يمكن مناقشته. بل قد يُعتبر غير موفق في تأثيراته الداخلية. لكنه يندرج ضمن منطق دبلوماسي مفهوم.

الجواب الثاني يتعلق بخلط متكرر بين ثلاثة مستويات: المستوى الأخلاقي، والمستوى النضالي، والمستوى الدولتي.

على المستوى الأخلاقي، يرى جزء من الرأي العام في بعض الفاعلين — إيران، حزب الله، اليمن — قوى تواجه إسرائيل فعليًا. وهذا يولد نوعًا من التضامن الغريزي. وعلى المستوى النضالي، قد يُترجم هذا التضامن إلى قراءة للصراع على شكل معسكرين: من جهة المقاومة، ومن جهة أخرى الإمبراطورية.

لكن الدولة لا يمكنها تبني هذه القراءة بالكامل. لا يمكنها تقديس فاعل معين، حتى وإن كان يواجه خصمًا مشتركًا. بل يجب أن تحتفظ بقدرتها على توصيف الأفعال، حتى عندما تتعلق بشركاء غير مباشرين. وهنا يكمن الفرق بين منطق النضال ومنطق الحكم.

كما يجب النظر إلى مستوى آخر غالبًا ما يتم تجاهله. فالدولة لا تعبّر عن نفسها فقط من خلال بياناتها الدبلوماسية. في الخارج، تتحدث بلغة دبلوماسية: محسوبة، دقيقة، حذرة. أما في الداخل، فإن عقيدتها التاريخية — لا سيما موقفها المناهض للإمبريالية وتمسكها بالقضية الفلسطينية — تستمر في التعبير عن نفسها بشكل أكثر مباشرة، خصوصًا عبر منظومتها الإعلامية. هذا الازدواج لا يعكس تناقضًا، بل تكاملًا: خطاب دبلوماسي موجه للخارج، واستمرارية سياسية داخلية. وفي هذا السياق، تبدو وسائل الإعلام الجزائرية، بمختلف أطيافها، وكذلك النقاشات على وسائل التواصل، حازمة في هذه القضايا، ممتدة بشكل أكثر وضوحًا لهذه العقيدة. مثل هذا التلاقي لا يمكن فصله بالكامل عن موقف الدولة في بلد مثل الجزائر، حيث تتداخل التعبيرات الإعلامية والتوجهات السياسية ضمن إطار تاريخي خاص.

ومع ذلك، فإن تجاهل الانتقادات تمامًا سيكون خطأ.

فبعيدًا عن النوايا، فإن الإدراك هو ما ينتج التأثير السياسي. وفي هذه الحالة، فإن الشعور بوجود اختلال واسع الانتشار. فعندما تُسمّى إيران بشكل صريح، بينما يتم الحديث عن فاعلين رئيسيين آخرين بشكل أكثر عمومية، يتولد تأثير تركيزي. الجمهور لا يحتفظ بكل الخطاب، بل بالكلمة الحاسمة.

وفي الدبلوماسية كما في السياسة، كلمة واحدة غير مُحكمة الترتيب قد تُربك خطًا كاملاً.

فهل ينبغي اعتبار ذلك قطيعة؟ على الأرجح لا.

بل هو تعديل، ربما غير مثالي، في سياق أصبح شديد التعقيد. سياق لم تعد فيه الخطوط ثنائية، حيث التحالفات متحركة، وكل تصريح يحمل أكثر مما يبدو عليه. في رأيي، يبدو أن الجزائر تسعى في هذه المرحلة إلى الحفاظ على توازن: الوفاء لمبادئها التاريخية، مع تجنب الانجرار إلى منطق مواجهة شاملة. إنها وضعية صعبة، مكشوفة، وغالبًا ما يُساء فهمها. والأهم من ذلك، في غياب الاطلاع على مجمل القيود والتفاعلات والحسابات التي تؤطر القرار الدبلوماسي، يبقى من السابق لأوانه الحديث عن تحول استراتيجي.

حذر استراتيجي في خدمة المستقبل؟

على العكس، يمكن أيضًا قراءة الموقف الجزائري من زاوية أكثر استراتيجية. فمن خلال الحفاظ على وضعية «مُدرَكة» على أنها تأخذ بعين الاعتبار مخاوف دول الخليج، تحتفظ الجزائر بشكل مفارق بقدرة ثمينة: القدرة على أن تبقى مسموعة لدى جميع الأطراف. هذه الوضعية، التي تبدو للوهلة الأولى غير مريحة، قد تثبت أهميتها في مرحلة ما بعد الأزمة. فبعد انحسار التوترات، لن تكون القضية الأساسية فقط تحديد المسؤوليات، بل إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وفي هذا السياق، فإن مصالحة، ولو جزئية، بين المملكة العربية السعودية وإيران ستكون رهانًا أساسيًا لتقليص الانقسامات التي تغذي التوترات المستمرة في العالم الإسلامي، وكذلك العوائق أمام التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب تطمح إليه الجزائر. وفي الواقع، فإن ظهور الجزائر كفاعل يبدو منسجمًا مع انشغالات «عائلتها» العربية، يمنحها بشكل مفارق مصداقية للعب دور في مثل هذه الديناميكيات. وعلى العكس، فإن دعمًا مباشرًا وصريحًا لإيران كان سيؤدي على الأرجح إلى كسر العلاقة مع المملكة العربية السعودية بشكل دائم. مثل هذا الموقف لم يكن ليغلق فقط أي إمكانية للوساطة، بل كان سيساهم أيضًا، بشكل غير مباشر، في دفع الرياض نحو تعميق شراكاتها الحالية، بما في ذلك في مسارات التطبيع، على حساب أي محاولة لإعادة التوازن الإقليمي.

وفي هذا السياق، وفي مقابلة حديثة مع عباس عراقجي، رسم وزير الخارجية الإيراني نفسه ملامح منطق يسلط الضوء بشكل غير مباشر على هذه القراءة. فعندما أكد أن إيران لا تستهدف دول الخليج، مع إقراره بأن إعادة بناء الثقة معها ستكون صعبة لكنها مرغوبة، فإنه يضع تحركه ضمن أفق إعادة تشكيل إقليمي على المدى المتوسط. مثل هذا التوجه يفترض بالضرورة قبول مواقف وسيطة لدى بعض الفاعلين، خاصة أولئك الذين، مثل الجزائر، يسعون إلى الحفاظ على توازنات دقيقة. ويزداد ذلك وضوحًا بالنظر إلى أن الجزائر نفسها تنتمي إلى تقليد مناهض للإمبريالية، يقوم على استقلال القرار ورفض الاصطفاف التلقائي. وفي هذا الإطار، فإن الموقف الجزائري — حتى وإن بدا منحازًا — لا يتعارض جوهريًا مع المنطق الإيراني، بل يندرج ضمن مساحة من التوافق الاستراتيجي على المستوى الإقليمي، حيث يضبط كل فاعل موقعه وفق قيوده، دون إغلاق آفاق الحوار المستقبلي.

في النهاية، فإن النقاش لا يتعلق في جوهره باتجاه الجزائر.

بل يتعلق بكيفية إدراك هذا الاتجاه من قبل الأطراف المختلفة — وبكل ما لا نراه بعد، مما يستدعي قدرًا أكبر من الحذر في إصدار الأحكام.

— Hope & ChaDia

You may also like

Leave a Comment

روابط سريعة

من نحن

فريق من المتطوعين تحت إشراف HOPE JZR مؤسس الموقع ، مدفوعا بالرغبة في زرع الأمل من خلال اقتراح حلول فعالة للمشاكل القائمة من خلال مساهماتكم في مختلف القطاعات من أجل التقارب جميعا نحو جزائر جديدة ، جزائرية جزائرية ، تعددية وفخورة بتنوعها الثقافي. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة القائمة «الجزائر الجزائرية»

من نحن

جمع Hope JZR ، مؤسس الموقع ومالك قناة YouTube التي تحمل نفس الاسم ، حول مشروعه فريقا من المتطوعين من الأراضي الوطنية والشتات مع ملفات تعريف متنوعة بقدر ما هي متنوعة ، دائرة من الوطنيين التي تحمل فقط ، لك وحماسك للتوسع. في الواقع، ندعوكم، أيها المواطنون ذوو العقلية الإيجابية والبناءة، للانضمام إلينا، من خلال مساهماتكم، في مغامرة الدفاع عن الجزائر الجديدة هذه وبنائها.

ما الذي نفعله

نحن نعمل بشكل مستمر ودقيق لتزويد الجمهور بمعلومات موثوقة وموضوعية وإيجابية بشكل بارز.

مخلصين لعقيدة المؤسس المتمثلة في “زرع الأمل” ، فإن طموحنا هو خلق ديناميكية متحمسة (دون صب في النشوة) ، وتوحيد الكفاءات في خدمة وطنهم. إن إصداراتنا كما ستلاحظون ستسلط الضوء دائما على الأداء الإيجابي والإنجازات في مختلف المجالات، كما تعكس منتقدينا كلما رأينا مشاكل تؤثر على حياة مواطنينا، أو تقدم حلولا مناسبة أو تدعو نخبنا للمساعدة في حلها. 

مهمتنا

هدفنا الفريد هو جعل هذه المنصة الأولى في الجزائر التي تكرس حصريا للمعلومات الإيجابية التي تزرع الأمل بين شبابنا وتغريهم بالمشاركة في تنمية بلدنا.

إن بناء هذه الجزائر الجديدة التي نحلم بها والتي نطمح إليها سيكون عملا جماعيا لكل المواطنين الغيورين من عظمة أمتهم وتأثيرها.

ستكون الضامن للحفاظ على استقلالها وسيادتها وستحترم إرث وتضحيات شهدائنا الباسلة.

© 2023 – Jazair Hope. All Rights Reserved. 

Contact Us At : info@jazairhope.org