يعرف العالم، اليوم، توازنات جديدة لا شك فيها. تَمكَّنت الصين من فَرض تفوقها بلا منازع على كافة الجبهات الاقتصادية والعسكرية والجيواستراتجية. واختارت روسيا الوقت المناسب لاستعادة مكانتها في أوربا والعالم. أعادت أوروبا إلى حجمها الصغير الذي كانت عليه غداة الحرب العالمية الثانية.
لم يقبل الرئيس “فلاديمير بوتين” أن يشاركه في مفاوضات بلده مع الولايات المتحدة حول مستقبل الأمن في القارة أي مسؤول أوروبي. اللقاءات التي تجري بحر هذا الأسبوع في جنيف حول مصير أوروبا لا يحضرها أي من الساسة الأوربيين. وكأن التاريخ يعيد نفسه مثلما رفض “ستالين” أن يشاركه “ديغول” وأي زعيم أوروبي ـ عدا “تشرشل” الذي كان محسوبا على الأمريكيين في مؤتمر يالطا (فيفري 1945)، لتقسيم مناطق النفوذ بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة آنذاك، رفض “بوتين” اليوم حضور الفرنسيين أو الألمان أو غيرهم محادثات جنيف الثنائية مع الولايات المتحدة. “روسيا تتحدث مع الذين لديهم بالفعل تأثير على الوضع” رد رئيس لجنة الشؤون الخارجية للدوما الروسي “ليونيد سلوتسكي” على “جوزيف بوريل” رئيس الدبلوماسية الأوربية..
سيتحدد إذن مصير أمن الفرنسيين والألمان وباقي الأوربيين هذا الأسبوع في يالطا الجديدة، بين “الروس” و”الأمريكان”. وليس بإمكان الولايات المتحدة اليوم الدخول في حرب جديدة لأجل عيون أوربا وليس في مقدور أوروبا أن تفعل شيئا دون أمريكا رغم ما تدَّعيه من قوة عسكرية… الكلمة الأخيرة ستعود لروسيا.
وبهذا الموقف ستفقد أوربا تدريجيا موقعها الجيوستراتيجي في العالم، وسيتقلص دورها إلى أبعد الحدود وبخاصة فرنسا التي تزعم أنها القوة العسكرية الأولى في القارة….
وسيخدم هذا التبدل على المستوى العالمي والأوروبي والفرنسي تحديدا توجهاتنا الجديدة نحو استعادة موقعنا ودورنا السياسي والاقتصادي والجيوسياسي في منطقة المتوسط وإفريقيا. لن نكون كما يُروِّج له البعض خارج اللعبة الدولية، ولن يكون حلفاؤنا هم الضعفاء، ولن ندخل الأروقة الجيوسياسية والجيواقتصادية في إفريقيا من موقف ضعف. عكس ذلك، سنكون في العشر سنوات القادمة بإذن الله ضمن أفضل رواق لاستعادة الديناميكية اللازمة لاقتصادنا ودورنا الإقليمي. كل أصدقائنا من القوى الصاعدة، الصين، روسيا، تركيا، إيران، جنوب إفريقيا…الخ، فضلا عن جيراننا جنوبا وشرقا الأقرب إلينا في أكثر من موقف، في حين أن القوى المعادية لنا مازالت تعتقد في جدوى المراهنة على القارة العجوز التي لم تعد قادرة على حماية نفسها دون محرّرَتها سابقا الولايات المتحدة التي بدأ منحنى دولتها هي الأخرى في النزول…
يبقى لنا فقط أن نُعيد إعطاء سياستنا الداخلية والخارجية عمقهما الحضاري اللازم ومحتواهما الوطني الثابت، حتى لا نبدو للآخرين كحليف بلا هُوية ولا مشروع فكري أو ثقافي، وفي مقام ثان لا نترك المعارك الهامشية تُلهينا عن الخيارات الكبرى التي ترقى إلى مستوى إمكانياتنا المعتبرة وطموحاتنا، بل علينا التصدي لها بحزم وعزيمة وفي وقت قياسي …
إن بلادنا على بعد خطوات قليلة من استعادة الأمل في هذا المجال…
محمد سليم قلالة
echoroukonline.com